مرثية الشاعر سليمان بن مهنا الكندي في الشيخ القاضي هاشم بن عيسى الطائي

 

 

 

ناصر أبوعون

هذه القصيدة مرثيةٌ نظمها الشيخ سليمان بن مهنا الكندي في صديقه وابن خالته وخِدنه الشيخ القاضي هاشم بن عيسى الطائي، بعد وفاته في تسعينيات القرن العشرين، وتكتسب القصيدة دلالتها الأولى من التقديم الذي وضعه الشاعر للشيخ هاشم؛ إذ يقدمه عالمًا، وشاعرًا، ولبيبًا، وكريمًا، وسخيًّا، وعادلًا، لا تأخذه في الله لومة لائم سواءً أكان في معترك الحياة اليومية أو على منصّة القضاء الشرعيّ، وبعد أن أتعبه التنقل بين المحاكم في ولايات عمان انتهى به المآل إلى المحكمة الشرعية في مسقط، ثم ارتأى السلطان قابوس بن سعيد- طيَّبَ الله ثراه- نقله إلى معهد العلوم الشرعية في بداية تأسيسه، ليستفيد الطلاب والمشرفون على المعهد من خبرته القضائية وآرائه الفقهية

ومن الملفت للنظر في قصيدة (رويدًا أبا عبد العزيز) أنّ الشيخ سليمان الكِنْديّ لم يستهلّ مطلعها بالبكاء على الفقيد اتباعًا وتقليدًا للأعم الأغلب من شعراء كلاسيكيّة العربيّة، بل خالف موروثهم وافتتحها بإعلان (قيمة الفقيد) قائلًا في صدر بيتها الأول: (خَلِيلَيَّ أَوْدَى عَالِمٌ فَاقَ رُشْدُهُ)، بل سيلاحظ القاريء أيضًا أنّ ذكر الموت جاء بعد تثبيت صورة العالِم الفذّ الشيخ هاشم الطائيّ، وربّما يرجع ذلك إلى رغبة الشاعر الكِنديّ في تحقيق ثلاث وظائف متداخلة من قصيدته، ألا وهي: (الوظيفة الوجدانية) بتعبيره عن مشاعر الحزن والألم التي ألمَّت به إثر وفاة ابن خالته الشيخ القاضي هاشم بن عيسى الطائيّ، و(الوظيفة القِيميّة) برَسْم صورة قلميّة للشيخ هاشم الطائيّ بوصفه عالما وفقيهًا وقاضيًا وصديقًا صالحًا، و(الوظيفة التأبينيّة) لِيعدِّد فيها من خلالها مناقب الشيخ هاشم الطائي؛ وذلك لإبقاء أثره العلميّ كقدوةٍ في ذاكرة العُمانيين.

قصيدة.jpeg

الحقول الدلالية في القصيدة

تنطوي قصيدة (رويدًا أبا عبد العزيز) على سبعة حقول دِلاليّة، غير أنّ هناك معجمين لهما الغلبة والمساحة الأكبر داخل طبوغرافيا القصيدة، وهما قطبان متقابلان أحدهما موجب والآخر سلبيّ؛ فأمّا الموجب فهو (المعجم القيمي)، ومن مفرداته: [العلم، الفقه، التقوى، المجد، الفضل، الرشد، الذكر]، وأمّا القطب السلبيّ، فهو(معجم الفقد) ومن ألفاظه: [الموت، المصاب، الحزن ،الرزء، الخطب، الألم]، وهذا التقابل بين القطبين/ المعجمين سرُّ من أسرار بناء القصيدة؛ فالشاعر سليمان الكِندِي في قصيدته لا يواجه الموت بالموت، بل يواجه فناء جسد الشيخ هاشم بخلود قيمته العلميّة وآثاره الفقهية؛ ولهذا انتقل الشاعر بالقصيدة تدريجيًّا من دلالات المعاني في: [أودى،، مضى، مصابك، موت، غادرهم حزن] إلى ما توحي به الألفاظ في قوله: [تبقى لذكرك ألسنٌ يفوح بها مسك الختام ورنده]؛ ومن ثَمَّ انتقلت الحركة الدلالية داخل القصيدة من الفقد إلى الخلود. ومن وجهة نظر إحصائيّة سنجد الحقول المعجميّة السبعة تتداخل دلالاتها، وتنصهر أفكارها وإيحاءاتها في متن القصيدة، وهي: (الحقل المعرفيّ)، ودلّت عليه ألفاظ: [عالم، العلم، أهيل العلم، ملاذ العلم، فقيه، الحبر، منهج، الفقه ضمنيًا]، و(الحقل الدينيّ) ومن مفرداته وتراكيبه: [الله، التقى، الصلاة، خليل الله، زكي النفس، الكون]، و(الحقل القِيميّ)، ويمكن اشتقاق دلالاته من ألفاظ: [فاق، فضل، المجد، قدر، خير، رشد، سعي، فضل]، و(الحقل الزمنيّ) ومن كلماته: [أودى، قضى، مضى، غادر، دهاهم، رعى، تبقى]، و(حقل الفقد) نجده في تعبيرات: [أودى، مضى، مصاب، موت، رزء، خطب، غادرهم، ضاع نوره]، و(حقل الحزن) ودلّت عليه كلمات: [أسفى، الحزن، مصاب، ثلمة، قادح، مبرح، عظيم، أليم]، و(حقل الصداقة) وأكدته مفردات: [خليلي، صحبت، ألفتكم، أنسي، أبا عبد العزيز]، و(حقل الخلود) ومن معجماته: [تبقى، ذكرك، ألسن، يفوح، مسك، رند].

الأساليب التعبيريّة في القصيدة

تتنوع الأساليب التعبيريّة في قصيدة (رويدًا أبا عبد العزيز) وتتوزّع بنيتها البلاغية والتصويريّة أيضًا على سبعة أساليب حصريّة؛ هي: [(أ)الأسلوب الشعريّ]، ومن خلاله لم يقدم الشاعر سليمان الكندي تعريفًا أو سيرة معلوماتيّة عن الفقيد هاشم الطائي فقط، بل حوّل سائر المعلومات المتداولة بين الناس عنه إلى تجربة شعرية مُعاشة نقلها للقراء محمولة على تفاعل عنصري (الوزن والقافية) مع عاطفة الفقد، كما استعان بـ(التكثيف الدلاليّ) في إماطة اللثام عن عواطفه الفياضة تجاه الفقيد، وبناء صور شعرية مشحونة بالإيقاع ضفَّرها في المجازات المتخمة بالانفعال الوجدانيّ، ثم يأتي تاليا من حيث المساحة الطوبوغرافيّة [(ب)الأسلوب السرديّ]، وهو في تكوينه ووظيفته سردٌ استرجاعيّ، وظفّه الشاعر لاستعادة الماضي والذكريات التي عاشها بصحبة الفقيد هاشم الطائي. فمثلًا سنجد في قوله: (قضى وقته فيه ولم يأل جهده) استعادة لسيرة الشيخ هاشم، ومن ثَمّ يستعيد معها علاقته بالشيخ هاشم في قوله: (قضى دهره للعلم/ صحبت ملاذ العلم شيخًا)، ثم في : (رعى الله أيامًا ألفتكم بها). و[(ج)الأسلوب الدراميّ] نجده حاضرًا بقوة في توظيف الشاعر للنداء ومن نماذجه: (خليلي)، (رويدًا أبا عبد العزيز)، (فيا هاشم)؛ فالشاعر لا يتحدث عن الفقيد هاشم الطائي من الخارج فقط، بل يستحضره بوصفه مُخَاطَبًا. وفي هذه الانعطافة تحوَّل الرثاء إلى مشهد دراميّ: (الشاعر، يخاطب الصديق الغائب/الميت) ويستعيد حضوره بالكلام. وعلى منحى آخر يمكن للقاريء أن يضع يده على ما يسمى بأسلوب [(د)الحوارية الخطابية أحادية الاتجاه] من طرف واحد؛ وذلك في مخاطبة الشاعر لـ(خليليه/ أبا عبد العزيز/ هاشم). أمّا [(هـ) المنولوج] فهو أكثر المستويات حضورًا داخل القصيدة؛ كونها في جوهرها مونولوج رِثائي؛ وفي هذا المنولوج يكشف الشاعر عن ملامح عالمه الداخلي في قوله: (فوا أسفى)، و(والحزن أصبح محدقًا)، و(فطاب بها أنسي)؛ فالصوت المركزي هنا هو صوت الشاعر ووجدانه، ولا صوت سواه. و[(هـ) أسلوب التهجين]، ولكنه ليس تهجينًا لغويًّ بين الفصحى واللهجات النبطيّة العمانيّة، بل هو تهجين محدود بين أربع خطابات شعريّة هي: خطاب الرثاء، وخطاب التأبين، وخطاب الصداقة الشخصية، والخطاب الدينيّ. والقصيدة تضمنت أيضا [و- أسلوب التنضيد] وتحقق ذلك من خلال قيام الشاعر الكندي بترصيف صفات الفقيد الشيخ هاشم الطائي بهدف تكوين صورة كليّة له في موضعين: الأول بالترجمة له نثريًّا في السطور التمهيدية التي سبقت القصيدة قائلًا: (شاعرًا، لبيبًا، سخيًّا، عادلًا)، والموضوع الثاني في متن القصيدة بوصفه للشيخ القاضي هاشم الطائي بأنه (فقيه زكي النفس قد فاق قدره).

الصور الشعرية والانزياحات الأسلوبية

تتنوع الصور البلاغية في قصيدة (رويدًا أبا عبد العزيز) ما بين [صورة المشابهة] التي يرتكز عمودها الفقري على التشبيه والاستعارة، ومن أهمها قول الشاعر سليمان الكندي (موت أهيل العلم للناس ثلمة)، وفيها شبَّهَ موت الشيخ القاضي هاشم الطائي بحدوث (ثلمة/ فجوة) في البناء لا يمكن تعويضها، أي: كان موته ضررًا في البنية المعرفية والاجتماعية للمجتمع، وليس مجرد فقد. و[صورة المجاورة]، وفيها يجاور الشاعر مكانيا بين مفردتين لإحداث المجاورة الدلالية، كما في قوله: (الحزن أصبح محدقًا) وفيها صوَّرَ الحزن وهو معنوي وكأن له وجود مكاني يحاصر الإنسان، وأيضًا قوله: (وقع أليم) وفيها نقل صفة الألم من الإنسان إلى الوقع. و[صورة الرؤيا] وفيها حوَّلَ المعنى المجرد الذهني إلى مشهد قابل للتخيّل كما في هذه الصور الثلاثة المتتالية: (الحزن أصبح محدقًا)، و(رمى الناس خطبٌ من مصابك قادح)، و(يفوح بها مسك الختام) وهي ليست أفكارا مجردة؛ ليجد القاريء نفسه أمام (حزن يحاصره، وخطب يرمي، وسيرة وذِكْرٌ يفوح). و[صورة العلامة]، وهي عبارة عن ألفاظ حوّلها الشاعر إلى علامات دالة على قيم أوسع، ومن أهمها: (هاشم) فهذا الاسم ليس عَلَمًا على شخصية القاضي هاشم بن عيسى الطائي فحسبُ، ولكنه أيضًا تحول إلى علامة/ أيقونة دالّة على: (العلم، القضاء، التقوى، الصداقة، المجد، الذكر). ومن العلامات الأيقونية أيضًا كلمة (الحَبْر)، فهي علامة ثقافية دالّة على موسوعية الشيخ هاشم الطائي وتَبَحُّره في العلوم الشرعية. و[صورة التآلف] وتعني تآلف مجموعة من العناصر واجتماعها لتكوين صورة شعرية واحدة، ومن نماذجها قول الشاعر سليمان الكندي: (فقيه زكي النفس قد فاق قدره) فمن عناصرها: الرفعة، وطهارة النفس والعلم. ومن نماذج التآلف أيضا قوله: (مسك الختام ورنده) وفيها تآلف العطر مع الذِّكْر الحسن، وتحوّل الذِّكْرُ الجميل إلى رائحة طيبة. و[صورة الاختلاف] وهي صورة تجمع بين معنيين متنافرين أومتباعدين مثل الموت والبقاء في قول الشاعر: (مضى هاشم) ويقابلها (تبقى لذكرك أَلْسُنٌ)، ومنها: أيضًا صورة (الفقد- الحضور) وهذه الصورة من أقوى الثنائيات الدلالية في القصيدة؛ فالشيخ هاشم الطائي غاب جسديا ولكنه حاضرٌ في ذاكرة العُمانيين.

أمّا الانزياحات الأسلوبية في القصيدة، فتتنوع ما بين [الانزياح الإيقاعيّ] وسنلاحظ من خلاله الحركة الدينامية للأفعال بينما القافية كانت ثابتة؛ وذلك للإيحاء بأن الزمن يمضي، لكن أثر الشيخ هاشم الطائي باقٍ. بالإضافة إلى قيام القافية الموحّدة بضم شظايا الحزن في وحدة إيقاعية واحدة وتجاوزت الموسيقى؛ فانتهاء كل بيت بنسق صوتي مُوَّحَّد يُشعر القراء بأن القصيدة تتحرك داخل دائرة مغلقة من الحزن، فضلًا عن كثرة الأفعال ذات الإيقاع الحركي، ومن أهمها: (أودى/ قضى/ مضى/ رمى/ غادر/ صحبت/ قضى/ تبقى)، وسيلاحظ القاريء أيضًا أن الانفعالات كانت تتغير بينما القافية ظلَّت ثابتة وفي هذا رمزيّة لبقاء ذكر الشيخ هاشم الطائي رغم اضطراب نفس الشاعر. و[الانزياح الصوتيّ] وقد تحقق من صوت الدال المضمومة المتصلة بالهاء في كلمات: (رشده، بعده، يعدّه، حمده، أعدّه، يرده، يحدّه، سعده، مجده، قدره)، وهذه منحت القصيدة وِحْدَة موسيقية واضحة فضلا عن تكرار الأصوات المجهورة (د، ر، م، هـ) فقد جاء منسجما مع غرض الرثاء، بل منح الأبيات نبرة ممتدة. و[الانزياح الصرفي] ونلاحظه في صيغة النداء (خليلي) وقد أدّت هذه الصيغة وظيفة وجدانية، ونقلت علاقة الشاعر سليمان الكندي بالشيخ هاشم الطائي من علاقة معرفية إلى علاقة عائلية ومؤاخاة. وقوله (رويدًا أبا عبد العزيز) يُصوّر الشاعر نفسه وكأنه يريد إيقاف اندفاع الحزن، وأراد بها الاستعطاف، وقوله: (أُهَيل العلم) جاء الشاعر بكلمة (أُهَيل) مصغّرة من (أهل) للإيحاء بالتحسّر على فقدان الشيخ العالم هاشم الطائي ومَن على شاكلته من علماء عُمان، وفي هذا التصغير شيء من التَّحَبُّب، ويحمل بُعْدًا وجدانيًّا. و[الانزياح الدلاليّ] وهو في القصيدة غزير جدا، ومن مزاياه أنه ينقل لغة القصيدة من مستواها المعجمي المباشر إلى المستوى التصويريّ غير المباشر، ومن نماذجه: (العلم لا يثنيه قرب وبعده)؛ فالعلم مفهوم مجرد، لكن الشاعر سليمان الكندي صوَّره لنا كقوة تسعى، لا تعوقها المسافات. و[الانزياح التركيبيّ]، وتجلّى في توظيف التقديم والتأخير، والتكرار، والنداء، وهذا جعل القصيدة ذات حركة متتابعة ومشاهد مرئية يبني من خلالها الشاعر سيرة الشيخ القاضي هاشم بن عيسى الطائي.

وفي الأخير، يمكننا القول إنَّ الدِّلالة المركزية في مرثيّة الشاعر سليمان الكندي لابن خالته القاضي هاشم بن عيسى الطائيّ المعنونة بـ(رويدًا أبا عبد العزيز) تتمثَّل في انتصار الأثر على الفناء، وإن الشاعر انتقل بالقراء من فكرة فَناء الوجود الجسديّ المتمثِّل في غياب الشيخ هاشم بن عيسى الطائي جسديًّا إلى الوجود الرمزيّ ببقاء آثاره العلمية وسِيرته القضائيّة، وآرائه الفقهية على ألسنة الناس وطلّاب العلم، وخالف فيها الشعراء القدماء بتأسيسه الرثاء على رؤية اجتماعية وثقافية، لا على الانفعال الشخصي وحده، وبذلك تجاوزت القصيدة حدود الرثاء الشخصيّ إلى مرثية للعلم وأهله، وتحوّلت شخصية الشيخ القاضي هاشم الطائيّ من فردٍ غائب إلى علامة ثقافية وأخلاقية؛ وبناءً عليه كانت هذه المرثيّة ذات نزعة إنسانية وثقافية، بل تأسست شعريتها على تحويل الحزن الشخصيّ إلى ذاكرة جماعيّة، وتحوَّل موت العالم الفقيه إلى بقاءٍ للعلم والذِّكْر والأثر الجميل.

الأكثر قراءة

z