أ. د. حيدر أحمد اللواتي **
لطالما وقفت الإنسانية حائرة، تتقاذفها أمواج التساؤل حول محركات السلوك البشري وينابيع الأخلاق؛ فهل يُولد الإنسان محملًا بصفات موروثة سلفًا، ترسم مسارات حياته وتُحدد إن كان كريمًا أم شجاعًا؟ أم أن البيئة بريشتها تخط عليه سطورها؟
إن تاريخنا العربي وموروثنا الأدبي يكشف عن التفاتة واضحة لكلا العاملين، ففي تمجيد الفطرة الجبلّية والشجاعة المتأصلة، يقول المتنبي في إحدى روائعه مخلدًا عقيدة الإقدام المطبوع:
وَتَوارَثوا الشَّجاعَةَ كابِرًا عَن كابِرٍ // حَتّى كَأَنَّ المَوتَ فيهِم يُعشَقُ
ولم يكن طبع الجود بأقل حظًا من الإقدام في وعي الوجدان العربي؛ إذ يقول الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى في وراثة المجد والكرم أبا عن جد:
شَبِيهٌ بِأَبِيهِ فِيمَا خَوَاهُ // مِنَ الْمَجْدِ وَالْكَرَمِ الْمُتَوَارَثِ
ولم يقتصر هذا المنحى على خيال الشعراء؛ بل تجاوزه إلى بواكير الفكر الطبي العلمي، إذ يذكر ابن سينا في كتابه المشهور "القانون في الطب" رؤية مبكرة للوراثة البيولوجية والنفسية قائلاً: "وَاعْلَمْ أَنَّ النُّطْفَةَ تَنْقُلُ صِفَاتِ الْمُوَلِّدِينَ (الوالدين)، لَا فِي أَمْرِ الصُّورَةِ وَالْهَيْئَةِ فَحَسْبُ، بَلْ وَفِي الْمِزَاجِ الْعَقْلِيِّ وَالنَّفْسَانِيِّ، وَفي الِاسْتِعْدَادِ لِلْأَمْرَاضِ...". وبناءً على هذه الرؤية الصارمة، صاغ نصيحة اجتماعية وقائية لضمان سلامة النسل فقال: "وَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَى مَنْ يَبْغِي حِفْظَ نَسْلِهِ أَنْ يَتَخَيَّرَ لِنُطْفَتِهِ مَنْبِتًا (زوجة) صَحِيحَ الْمِزَاجِ، بَرِيئًا مِنْ هَذِهِ الْعِلَلِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ...".
وفي مقابل هذا التأكيد على سطوة الوراثة، نجد تيارًا فكريًا آخر يؤكد بقوة على دور البيئة وأثر التربية في صياغة الخصال النفسية، وفي هذا السياق، يقول شاعر الفلاسفة أبو العلاء المعري موضحًا أثر التنشئة:
وَيَنشَأُ ناشِئُ الفِتيانِ مِنّا // عَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ
وَما دانَ الفَتى بِحِجًى وَلَكِن // يُعَلِّمُهُ التَدَيُّنَ أَقرَبوهُ
ويؤيد هذا المنحى البيئي الشاعر عدي بن زيد العبادي في بيته الشهير الذي يربط السلوك بالقرين والمحيط:
عَنِ المَرءِ لا تَسأَل وَسَل عَن قَرينِهِ // فَكُلُّ قَرينٍ بِالمُقارَنِ يَقتَدي
وهكذا نجد في موروثنا الثقافي والديني نصوصًا متباينة؛ فبينما يشير بعضها إلى أهمية الوراثة كالأثر السائد: "اختاروا لنطفكم فإن العرق دساس"، نجد نصوصًا أخرى ترجح كفة البيئة والتشكيل الخارجي كالنص النبوي المشهور: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه".
ومع تطور المعرفة في القرون الأخيرة، برزت تساؤلات ملحة حول أثر الوراثة والتربية على الذكاء هل هو متوارث أو وليد البيئة؟ وهل الخصائص النفسية، كالكرم والشجاعة والبخل والجبن، والصدق والكذب، بل وحتى التدين عند الانسان هل من نتاج الوراثة أم التربية؟ أم أنه نتاج الاثنين معا؟ وإذا كان كذلك فكيف يؤثر أحدهما على الآخر؟ وهل يتفوق أحد العاملين على الآخر؟
إن الإنجازات الكبرى التي حققها المنهج العلمي والتي لم تغير من حياة الانسان فحسب؛ بل غيرت طريقة تفكيره، وغيرت نظرته لكثير من الأمور، جعلت الكثيرين يبحثون عن إجابات علمية لهذه الأسئلة الكبرى، والتي تبدوا وكأنها أقرب الى الفلسفة منها الى العلم.
وهنا يبدو التحدي كبيرًا، فكيف يمكن للعلم بطبيعة منهجه العلمي الصارم الذي يُفترض أن يعتمد على الملاحظة الدقيقة، والتجريب، والرصد المنظم، أن يتمكن من القاء الضوء على هذه الأسئلة المعقدة، وكيف يمكنه تصميم برامج تجريبية مقننة وقابلة لإعادة التطبيق، تضمن الكشف الدقيق عن أثر المحيط الخارجي والتربية السلوكية، لتتحول المشاهدات إلى بيانات واضحة وجلية لا لبس فيها؟ وما هي الطرق والوسائل الكفيلة بعزل المتغيرات البيئية المعقدة ومراقبتها في بيئات تخضع للتحكم والمتابعة، بما يضمن رصد الفروق الفردية والسلوكية بموضوعية تنأى عن الانحيازات والأهواء الشخصية؟
وعلاوة على ذلك، كيف تُترجم المشاهدات اليومية العابرة إلى أرقام ونماذج إحصائية صارمة، وكيف يمكن توظيف حساب الاحتمالات الرياضية لفرز النتائج وتحديد الأوزان النسبية المحتملة لتأثير كل عامل على حدة في تشكيل الهوية الأخلاقية والسلوكية؟
وإذا كانت الصفات الوراثية والظروف البيئية تتداخل بشكل معقد في حياة كل إنسان منذ لحظة ميلاده، فكيف تمكن العلماء- عبر مناهجهم التجريبية الصارمة- من تصميم دراسات ذكية وعزل هذين المؤثرين لتحديد أثر البيئة والتربية بصورة مستقلة عن العوامل الجينية؟
هنا كان الابداع العلمي واضحًا وجليًا وعبقريًا، وهذا ما سنتحدث عنه في مقالنا المقبل؛ فللحديث بقية..
-------------------------
** سلسلة من المقالات تتناول الدراسات العلمية الحديثة حول أثر التربية والوراثة في سلوك الإنسان وتديُّنه.
** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس
