خليل الهوتي
حين تصل سفينة إلى أحد الموانئ، نرى السفينة وحمولتها والرافعات التي تتحرك حولها، ونتابع أحيانًا أرقام المناولة وحجم التجارة وقيمة الاستثمارات. وحين تصل البضائع إلى الأسواق، نهتم بسعرها وجودتها ومصدرها. لكن بين المصنع البعيد ورف المتجر، وبين ميناء التصدير وميناء الوصول، هناك حلقة أساسية نادرًا ما تحظى بما تستحقه من اهتمام؛ إنه البَحَّار.
خلف حركة التجارة البحرية العالمية قوة بشرية تعمل بعيدًا عن الأنظار، وتقضي أسابيع وأشهرًا في البحر لضمان استمرار تدفق الغذاء والطاقة والمواد الخام والسلع التي تقوم عليها الاقتصادات الحديثة.
وحجم هذه القوة أكبر مما قد نتصور. فبحسب تقرير القوى العاملة البحرية لعام 2026 الصادر عن المجلس البحري الدولي «بيمكو» وغرفة الملاحة الدولية، يعمل في الأسطول التجاري العالمي نحو 2.57 مليون بحّار على متن أكثر من 85 ألف سفينة تجارية.
لكن هذا القطاع، رغم أهميته، يواجه تحديًا متزايدًا في توفير الكفاءات التي يحتاجها. فالتقرير ذاته يقدّر النقص الحالي في الضباط البحريين الحاصلين على شهادات الكفاءة وفق المعايير الدولية بنحو39 ألف ضابط، ويتوقع أن يحتاج القطاع إلى أكثر من 113 ألف ضابط إضافي بحلول عام 2030.
وهنا تكمن القضية الحقيقية. التحدي ليس في عدد العاملين في البحر فحسب، وإنما في القدرة على استقطاب الكفاءات وتأهيلها والاحتفاظ بها وتطويرها لتتحمل مسؤولية تشغيل سفن تزداد تعقيدًا من الناحية التقنية والتنظيمية.
والعمل في البحر ليس وظيفة اعتيادية. السفينة تعمل 24 ساعة في اليوم، وتعبر المحيطات والمضائق والممرات المزدحمة، وقد تبقى أسابيع بين ميناء وآخر. وفي هذه البيئة يعمل البحّار بنظام المناوبات، ويتعامل مع الطقس والمعدات والطوارئ ومتطلبات السلامة والتشريعات الدولية، وهو بعيد عن أسرته ووطنه لفترات طويلة.
وقد حسّنت وسائل الاتصال الحديثة كثيرًا من حياة البحّارة، لكنها لم تُلغِ ضغوط العزلة والبعد عن الأسرة والإرهاق ومحدودية النزول إلى اليابسة. وأضيف إلى ذلك في السنوات الأخيرة بُعد آخر؛ إذ وجد بعض البحّارة أنفسهم يعملون في مناطق تتأثر بالقرصنة والنزاعات المسلحة والتوترات الجيوسياسية.
ولهذا لم تترك المنظومة البحرية الدولية حقوق البحّار وتأهيله وظروف عمله دون إطار قانوني. وتضع المنظمة البحرية الدولية (IMO) المعايير العالمية المتعلقة بسلامة الملاحة وتأهيل البحّارة وكفاءتهم، ومن أبرز أدواتها اتفاقية (STCW) التي تحدد المعايير الدولية للتدريب وإصدار الشهادات والمناوبات البحرية.
وفي الجانب المتعلق بحقوق البحّار وظروف عمله تأتي منظمة العمل الدولية (ILO) واتفاقية العمل البحري لعام 2006 (MLC)، والتي تعرف بميثاق عمل البحارة، والتي تنظم جوانب أساسية تشمل عقود العمل، وساعات العمل والراحة، والسكن والغذاء والرعاية الصحية والرفاه وإعادة البحّار إلى وطنه. ودخلت هذه الإتفاقية الدولية حيز التنفيذ في سلطنة عُمان بموجب المرسوم السلطاني 62/2021 وإصدار لائحة العمل البحري بالقرار الوزاري 313/2025.
وهذه المنظومة ليست جامدة؛ فهي تتطور مع تغير طبيعة العمل في البحر. فقد دخلت تعديلات جديدة على اتفاقية العمل البحري حيز التنفيذ في ديسمبر 2024، فيما أُقرت تعديلات أخرى في عام 2025 تتناول قضايا من بينها العنف والتحرش على متن السفن، والنزول إلى اليابسة، والإعادة إلى الوطن، والاعتراف بالبحّارة كعاملين أساسيين.
بالنسبة لعُمان، ينبغي ألا تقف القضية عند حدود حماية البحّار أو الالتزام بالاتفاقيات الدولية. ربما السؤال الأهم هو: أين موقع الإنسان العُماني في مستقبل الاقتصاد البحري؟
إذا كنا نتطلع إلى تعزيز مكانة عُمان كدولة بحرية، فإن الاستثمار في الموانئ والسفن والمناطق الاقتصادية لا يكتمل دون استثمار موازٍ في الإنسان. نحن بحاجة إلى أن يرى الشباب العُماني في البحر مسارًا مهنيًا حقيقيًا، يبدأ بالتدريب والتأهيل، ولا يتوقف عند العمل على متن السفينة.
وبحّار اليوم يمكن أن يصبح قبطان الغد، ثم مرشدًا بحريًا أو مسّاحًا أو مديرًا فنيًا أو مديرًا للسفن أو مسؤولًا في ميناء أو إدارة بحرية، بل وقائدًا في قطاع النقل البحري.
ولذلك، ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن يشغل الدول البحرية هو: هل سيكون لدينا عدد كافٍ من البحّارة؟ بل السؤال الأهم: هل نُعِدّ اليوم الكفاءات البحرية التي نحتاجها لقيادة اقتصاد البحر غدًا؟
