مسعود أحمد بيت سعيد
عرفت الشعوب التي خضعت للاحتلال أشكالًا مختلفة من الاعتقال والقمع والتعذيب، غير أنَّ تجربة الحركة الأسيرة الفلسطينية تميزت بقدرتها على تحويل المعتقل من مكان للعزل والقهر إلى فضاء للتنظيم والتثقيف، ولم تكن قضية الأسرى يومًا قضية هامشية في مسيرة النضال الوطني الفلسطيني؛ بل كانت، ولا تزال، عنوانًا للصمود والتضحية.
لذلك.. لم يكن الأسر بالنسبة إلى المناضلين الفلسطينيين نهاية لدورهم الوطني؛ بل ساحة أخرى لمواصلة النضال، والدفاع عن الهوية الوطنية، والحفاظ على الوعي السياسي والثقافي؛ فلم تستطع سياسات البطش والتنكيل والعزل الانفرادي والتعذيب أن تكسر إرادتهم أو تنتزع منهم انتماءهم إلى قضية شعبهم؛ بل دفعتهم إلى إعادة بناء الذات، وابتكار أشكال متعددة من النضال، والحفاظ على وحدتهم ووعيهم المقاوم؛ حيث حولوا ظلام الزنازين إلى تجربة غنية راكمت المعرفة والخبرة. ولم يقتصر هذا العطاء على الجانب التنظيمي والسياسي؛ بل امتد إلى الأدب والفكر والثقافة، فكان نتاجهم مكونًا مهمًا من مكونات الرواية الفلسطينية وعرف هذا النوع الأدبي بـ"أدب السجون" الذي نقل تجربة المعتقل بكل ما تحمله من ألم وصمود وتأمل، وحول جدران السجن إلى مساحة للتعبير والإبداع.
ومن خلال هذا النتاج، أثبت الأسرى أن السجن، مهما اشتدت قسوته، لا يستطيع مصادرة الفكر والإرادة الثورية. ومن المعتقلات خرجت أجيال من المناضلين والمناضلات الذين راكموا تجارب سياسية وفكرية وتنظيمية عميقة، وأسهموا في رفد الحركة الوطنية بخبرات ومعارف واسعة حول طبيعة الاحتلال وأساليبه وأدواته القمعية. كما تحولت السجون إلى مدارس سياسية ووطنية، التقت فيها مختلف التيارات والقوى بتنوعاتها الفكرية وانتماءاتها السياسية؛ الأمر الذي جعل قضية الأسرى قضية جامعة تتجاوز الانتماءات التنظيمية والفصائلية، وتضع قضية الحرية والاستقلال الوطني في صدارة الأولويات.
ومن أبرز المحطات الحديثة التي عكست هذا الدور ما عُرف بـ"وثيقة الأسرى"، التي مثلت إسهامًا بارزًا في بلورة رؤية تقوم على توحيد الصف الفلسطيني ورسم ملامح استراتيجية وطنية مشتركة. وقد أكدت هذه التجربة أن الحركة الأسيرة لم تكن منفصلة عن هموم وإشكالات العمل الوطني؛ بل كانت- رغم القيود- طرفًا فاعلًا ومؤثرًا في النقاش حول مستقبل القضية الفلسطينية ومساراتها. وهنا تتجلى عظمة الحركة الأسيرة؛ فإذا كان الاحتلال قد استطاع، بما يمتلكه من إمكانات مادية وقمعية، تقييد أجساد المناضلين خلف القضبان، فإنه لم يستطع تقييد أفكارهم أو إخماد أصواتهم أو إلغاء دورهم الوطني. وبهذا المعنى، فإنَّ الأسرى ليسوا مجرد أرقام في سجلات سجون الاحتلال؛ بل مكون حيّ من مكونات التاريخ الباسل للنضال الوطني الفلسطيني، ومن ذاكرة تضحيات شعبه وتمسكه بحقه في الحرية. لقد دفع الأسرى، الذين يقدر عددهم بعشرات الآلاف، رجالًا ونساءً ومن مختلف الفئات العمرية، سنوات طويلة من أعمارهم ثمنًا لمواقفهم وانتمائهم إلى قضية شعبهم؛ باعتبارها قضية تحرر من الاستعمار الاستيطاني الإجلائي كأبشع انواع الاستعمار الذي عرفته البشرية، وتحملوا ظروفًا قاسية وأحكامًا طويلة، بما فيها الإعدام والسجن المؤبد والاعتقال الإداري، في ظل واقع احتلالي عنصري ترك آثاره العميقة على الأسرى وذويهم، وعلى كل عشاق الحرية، عربًا وأحرارًا في العالم.
ومن هنا.. فإنَّ قضية الأسرى تتجاوز بُعدها الحقوقي والإنساني لتشكل قضية سياسية ووطنية بامتياز، لارتباطها المباشر بالحرية والكرامة وحق الشعب الفلسطيني في إنهاء الاحتلال بكافة صوره وتعبيراته. وفي ظل الظروف الاستثنائية التي تواجهها الحركة الوطنية الفلسطينية، وما تفرضه من تحديات تتطلب مقاربات صعبة للحفاظ على جوهر المشروع الوطني، تبرز الحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى إبقاء قضية الأسرى في صدارة الاهتمام، وعنوانًا دائمًا ضمن أجندة العمل الوطني العربي؛ بما يعزز صمودهم ويحافظ على حضور قضيتهم في الوعي العام. وهنا تقع مسؤولية كبيرة على عاتق القوى والأحزاب السياسية، والنقابات المهنية، والمؤسسات الوطنية العربية، في التعبئة السياسية والقانونية والإعلامية من أجل الدفاع عن حقوقهم والعمل على إطلاق سراحهم. كما تبرز أهمية تفعيل التضامن على المستوى الدولي، بمنظماته ومؤسساته، وتوسيع دائرة الاهتمام بقضيتهم. فالأسرى، كما الشهداء، جزء أصيل من توثيق ذاكرة الشعب والوطن والقضية العادلة. والدفاع عنهم ليس مجرد واجب تجاه من يقبعون خلف القضبان؛ بل هو دفاع عن قيم الحرية والكرامة الإنسانية، وعن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وتحقيق استقلاله وإقامة دولته المستقلة.
ستبقى تضحيات الأسرى شاهدًا على قسوة الاحتلال وسياساته الإجرامية، وعلى أنَّ إرادة المناضل أقوى من القضبان؛ فالسجَّان قد يُحاصر الجسد، لكنه لا يستطيع مُصادرة الحلم بالحرية.
