حافظوا على الطبقة الوسطى

 

 

 

د. إبراهيم بن سالم السيابي

هناك حياة بسيطة نعيشها ولا نلتفت إلى قيمتها إلا عندما نشعر أنها بدأت تضيق من حولنا. موظف يذهب إلى عمله، وأسرة تسدد التزاماتها، وأب وأم يفكران في تعليم أبنائهما، ويحاولان أن يدخرا شيئًا للمستقبل، ويسعيان إلى امتلاك مسكن أو تحسينه، ويقومان بواجباتهما تجاه الوالدين والأبناء. ليست حياة ثراء، لكنها حياة مستقرة، وهذه هي الطبقة الوسطى.

هذه الطبقة لا تبحث عن حياة استثنائية، وإنما عن حياة يمكن التنبؤ بها؛ دخل يكفي، ومسكن مناسب، وتعليم جيد للأبناء، وقدرة على مواجهة الظروف الطارئة، ومساحة تسمح للأسرة بأن تخطط للغد بدل أن تنشغل بالكامل بتدبير اليوم.

وفي داخل هذه الحياة البسيطة أحلام كثيرة؛ أبٌ يريد أن يرى أبناءه في مواقع أفضل منه، وأمٌ تتمنى أن تكمل ابنتها تعليمها، وأسرة تسعى إلى امتلاك منزل، أو تأسيس مشروع صغير، أو تزويج أبنائها، أو مساعدة الوالدين عند الحاجة. قد تبدو هذه الأمور عادية، لكنها بالنسبة للأسرة تمثل معنى الاستقرار، وهي جزء من المسؤوليات التي يحملها الإنسان تجاه من حوله.

لكن هذه المساحة يمكن أن تضيق تدريجيًا من غير أن نشعر بذلك في البداية. عندما ترتفع تكاليف المعيشة، أو يصبح السكن أكثر كلفة، أو تتراكم الالتزامات والديون، أو لا يعود الدخل يكفي كما كان، تبدأ الأسرة في إعادة حساباتها: ماذا تشتري؟ ماذا تؤجل؟ وكم تستطيع أن تدخر؟ وما الذي يمكن أن توفره لأبنائها؟

وهنا لا تعود المسألة شأنًا يخص الأسرة وحدها؛ فالطبقة الوسطى هي التي تحرك جزءًا كبيرًا من الحياة اليومية؛ تشتري من المحلات، وتتعامل مع أصحاب المشاريع، وتدفع أجور العمال، وتنفق على أبنائها وبيتها، وتبحث عن الأفضل عندما تستطيع. وكلما كانت الأسرة قادرة على الإنفاق والعيش بصورة مستقرة، بقيت الحركة في السوق، واستفاد منها صاحب المحل والمشروع والعامل والموظف.

ولهذا يمكن القول بوضوح: من دون طبقة وسطى قوية لا يمكن أن يكون هناك اقتصاد قوي.

وحين تضيق قدرة الأسرة، فإن أول ما تفعله هو أن تبدأ بالتنازل عن بعض الأشياء. تؤجل شراء ما يمكن تأجيله، وتبحث عن الأرخص، وتقلل من بعض احتياجاتها، وربما تؤجل مشروعًا كانت تحلم به أو سفرًا كانت تنتظره أو زواجًا كان قريبًا. وقد لا نشعر بهذا التغيير في البداية، لكنه حين يتكرر في بيوت كثيرة يصبح له أثره على السوق وعلى حياة الناس.

والطبقة الوسطى ليست مجرد دخل يقع بين دخل الأغنياء والفقراء، بل هي حياة كاملة تقوم عليها أسر، وتُبنى فيها بيوت، ويكبر فيها أبناء، وتُرسم فيها أحلام للمستقبل. وهي كذلك مساحة يشعر فيها الإنسان أن ما يبذله اليوم يمكن أن يقوده إلى حياة أفضل غدًا.

ومن هنا، فإن المحافظة عليها مسؤولية مشتركة. والحكومة معنية بأن تهيئ اقتصادًا يخلق فرص العمل، ويحافظ على استقرار الأسعار، ويساعد الأسرة على تحمل تكاليف السكن والتعليم والصحة، ويمنحها مساحة تستطيع من خلالها أن تدخر وتخطط للمستقبل. فكل سياسة اقتصادية في النهاية تصل إلى بيت، وكل قرار يتعلق بالأسعار أو العمل أو التمويل ينعكس بصورة أو بأخرى على حياة الناس.

والقطاع الخاص شريك أساسي في ذلك؛ فهو حين ينمو ويتوسع، تتوسع معه الأعمال وتزداد الحاجة إلى الكفاءات والموظفين، فتتولد فرص عمل جديدة، ويجد الإنسان مساحة أكبر للتطور وتحسين دخله. وكلما كانت بيئة الأعمال مشجعة على الاستثمار والنمو، انعكس ذلك على الوظائف وعلى الأسر التي تعتمد على هذه الوظائف في بناء حياتها والتخطيط لمستقبلها. فالقطاع الخاص لا ينمو بعيدًا عن المجتمع، وإنما ينمو معه، وكلما اتسعت أعماله اتسعت معها فرص الناس.

أما الأسرة والفرد، فلهما دور كذلك في حسن إدارة الدخل، والابتعاد عن الديون التي لا حاجة إليها، والاهتمام بالتعليم والمهارات، والتفكير في المستقبل بدل أن تذهب كل الموارد في تلبية احتياجات اليوم.

ولعل الأهم أن نتذكر أن وراء كل رقم اقتصادي بيتًا وأسرة وحياة يومية. وراء النمو موظف ينتظر راتبه، وأسرة تسدد قرضًا، وأب يفكر في مستقبل أبنائه، وأم تريد أن توفر لهم تعليمًا أفضل، وشاب يحلم بامتلاك منزله أو تأسيس مشروعه.

فنجاح الاقتصاد لا يظهر فقط في المؤشرات والجداول، وإنما يظهر أيضًا في قدرة الأسرة على أن تعيش بكرامة، وأن تفي بالتزاماتها، وأن تساعد والديها، وأن تمنح أبناءها فرصة أفضل، وأن تنظر إلى الغد بشيء من الاطمئنان.

الطبقة الوسطى هي مساحة الاستقرار التي تتحرك فيها الأسرة، وهي القوة التي تمنح السوق حياته، وهي أحد الجسور التي يصل عبرها الخير الاقتصادي إلى البيوت.

ولهذا علينا أن نحافظ عليها؛ فالطبقة الوسطى ليست مجرد شريحة في المجتمع، وإنما هي البيوت التي نعيش فيها، والأحلام التي نكبر من أجلها، والاستقرار الذي نريد أن يبقى معنا.

الأكثر قراءة

z