◄ مواطنون ومختصون لـ"الرؤية": المقارنات بحجم العرس من أسباب تأخر زواج الشباب
◄ الحوسنية: منصات التواصل الاجتماعي أوجدت آفة المقارنات بسبب نشر تفاصيل المناسبات الاجتماعية
◄ العبري: هناك فرق بين الكرم وأن يحمل الإنسان فوق طاقته حتى لا يبدو أقل من غيره
◄ المنذري: الخوف من نظرة الآخرين من أسباب المغالاة في مظاهر الأعراس
◄ الشلّي: تداخلت الأعراف المجتمعية نتيجة الانفتاح الكبير الذي أحدثته منصات التواصل الاجتماعي
◄ الكلباني: التيسير في الزواج يسهم في بناء أسر مستقرة وسعيدة
الرؤية- ناصر العبري
يؤكد عدد من المواطنين والمختصين أن مظاهر الإسراف والتبذير في المناسبات الاجتماعية وخاصة في الأعراس إلى جانب المتطلبات الباهظة التي قد تفرضها بعض الأسر على الشباب، يسهمان في تأخير الزواج أو تحميل الشباب فوق طاقتهم.
وأشاروا- في تصريحات لـ"الرؤية"- إلى أن من أسباب الإسراف في الاحتفال بالأعراس هو الانفتاح على منصات التواصل الاجتماعي، وتحويل المناسبات الشخصية إلى محتوى يُشاهده الجميع للتفاخر بحجم الإنفاق والتجهيزات، مطالبين بتعزيز الجهود للارتقاء بالوعي المجتمعي ونشر ثقافة التيسير في الزواج.
وترى الدكتورة نورة بنت علي بن خلفان الحوسني أستاذ مساعد بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية في عبري، أن المبالغة في الأعراس تُعد نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وفي مقدمتها الرغبة في المحافظة على المكانة الاجتماعية والصورة أمام الآخرين، إلى جانب ضغط الأسرة وتوقعات المُحيط الاجتماعي، وما قد ينشأ عن ذلك من منافسة غير مباشرة بين العائلات، وأيضاً آفة المقارنة التي أوجدتها منصات التواصل الاجتماعي، إذ أصبحت تفاصيل المناسبات الاجتماعية أكثر ظهوراً وانتشاراً، مما قد يدفع بعض الأسر إلى تبني أنماط احتفالية تتجاوز احتياجاتها الفعلية، سعياً إلى مواكبة ما تراه لدى الآخرين.
وتشير إلى أنَّ الظاهرة في جوهرها ليست مجرد "تفاخر" وإنما ترتبط أيضاً بمفهوم المعايير الاجتماعية وتوقعات الجماعة والخوف من التقييم الاجتماعي، مبينة: "يمكن النظر إلى ارتفاع تكاليف الزواج باعتباره أحد العوامل المؤثرة في تأخر الزواج، خصوصا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتعدد الالتزامات الاقتصادية المرتبطة بتكوين الأسرة، ولذلك من المهم أكاديميا عدم اختزال ظاهرة تأخر الزواج في تكاليف الأعراس وحدها؛ فهي ظاهرة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية، مثل الدخل وفرص العمل والسكن وتوقعات الأسرة وتغير أنماط الحياة".
وتضيف الحوسنية: "لو أتيح لي اقتراح تغيير واحد، فسأبدأ بإلغاء ثقافة المبالغة في الإنفاق المرتبط بالمظهر الاجتماعي، ولا سيما النفقات التي يكون هدفها الأساسي إظهار المستوى المادي أو منافسة الآخرين، وليس تحقيق قيمة حقيقية للمناسبة، لأن الاحتفال بالزواج يمكن أن يحافظ على فرحته وخصوصيته من خلال التركيز على جوهر المناسبة: اجتماع الأسرة والأصدقاء، وإعلان الزواج، وإدخال السرور على الزوجين وأهلهما، دون أن يتحول حجم الإنفاق إلى معيار للحكم على نجاح المناسبة أو مكانة الأسرة، وأرى أن الحل الأكثر استدامة لا يتمثل في إلغاء مظاهر الفرح، وإنما في إعادة تعريف مفهوم الاحتفال اجتماعياً؛ بحيث يصبح الاعتدال قيمة إيجابية، ويُنظر إلى البساطة باعتبارها خياراً واعياً ومسؤولاً، وليس مؤشراً على ضعف القدرة المادية، وهذا التحول يحتاج إلى وعي مجتمعي تشارك فيه الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية".
بدوره، يقول الدكتور ذياب بن سالم العبري إن الأسر تختلف في دوافعها وظروفها وقدراتها عند الاحتفال بالمناسبات الاجتماعية، وأن المبالغة في هذه الاحتفالات تأتي نتيجة عدة عوامل ومن بينها: العادات الاجتماعية ورغبة الأسرة في إكرام ضيوفها وضغط المقارنة بالآخرين وأحيانًا المنافسة غير المباشرة بين الأسر، لافتاً إلى أن المشكلة لا تكمن في العرس الكبير في حد ذاته وإنما عندما تتحول ممارسة اجتماعية مُعينة إلى معيار يضغط على الآخرين لمجاراتها بصرف النظر عن قدراتهم وظروفهم، إذ قد يبدأ الأمر بتفصيل بسيط ثم قاعة أكبر أو عدد أكبر من المدعوين أو تعدد للولائم والمناسبات، ثم يتحول مع الوقت من خيار إلى توقع اجتماعي يكاد يشعر البعض أنه ملزم به.

ويُشدد العبري على ضرورة التفريق بين الكرم في الأفراح وبين أن يحمل الإنسان نفسه فوق طاقته حتى لا يبدو أقل من غيره، موضحا: "أعتقد أنَّ ارتفاع تكاليف الزواج أصبح بالفعل أحد العوامل التي قد تؤخر الزواج لدى بعض الشباب، لكنه بالتأكيد ليس العامل الوحيد، فهناك أيضًا تحديات السكن والعمل والدخل وتجهيز المنزل وارتفاع توقعات مستوى المعيشة لدى الطرفين، لكن الأثر الحقيقي يظهر عندما تتجمع كل هذه الالتزامات في بداية واحدة، فقد يكون الشاب موظفًا وقادرًا من حيث الأصل على تكوين أسرة، لكنه يحتاج إلى وقت أطول لتوفير المهر وتكاليف العرس والتجهيزات والسكن، أو يختار الاقتراض حتى يبدأ حياته الزوجية بالمستوى الذي أصبح متوقعًا اجتماعيًا، وهنا أرى أن السؤال الأهم ليس: كم أنفقنا على الزواج؟ وإنما: كيف بدأت الأسرة الجديدة حياتها بعد الزواج؟ فإذا انتهت المناسبة في ليلة أو ليلتين، وبقيت الديون والالتزامات لسنوات، فنحن بحاجة إلى مراجعة الأولويات، إذ إن الهدف لا ينبغي أن يكون فقط مساعدة الشاب على إتمام الزواج، وإنما مساعدته على تأسيس أسرة أكثر استقرارًا وقدرة على الاستمرار".
كما يستبعد أن يكون الحل هو المطالبة بمنع القاعات أو الولائم أو بفرض نموذج واحد للأعراس لأن الناس متفاوتون في قدراتهم، ومن حق المقتدر أن يحتفل بما يناسبه ما دام بعيدًا عن الإسراف وإلحاق الضرر بنفسه أو أسرته، مؤكدا أن الحل يكون من خلال منظومة من الإجراءات المتكاملة مثل تعزيز ثقافة التيسير لدى الأسر وأولياء الأمور، وتطوير صناديق دعم الزواج بحيث لا يقتصر دورها على تقديم مبلغ مالي، وإنما تمتد إلى دعم تأسيس الأسرة من خلال شراكات مع القطاع الخاص، وقاعات المناسبات، ومحال الأثاث والأجهزة والخدمات المختلفة، إلى جانب مساهمات الأوقاف وأهل الخير، والتوسع في إقامة الأعراس الجماعية لأنها تعزز التكافل وتعيد للعرس جانبًا من معناه الاجتماعي.
ويؤكد العبري أن النظرة العامة للمجتمع تجاه الأعراس يجب أن تكون أكثر وعيا، إذ لا يمكن مطالبة الشباب بالتخفيف من تكاليف الزواج بينما لا يزال المجتمع يقيس نجاح المناسبة بحجمها وكلفتها.
وفي السياق، يلفت خالد بن سليم العبري إلى أن من أسباب المبالغة في الأعراس الرغبة في الظهور أمام المجتمع ومجاراة ما يفعله الآخرون، وانتشار المقارنات على وسائل التواصل الاجتماعي، وأن هذه العوامل تسببت في تأخر زواج الشباب خاصة عندما تتراكم التكاليف من المهر والذهب والقاعة والوليمة وغيرها، إذ قد يضطر الشاب إلى الانتظار سنوات حتى يوفر المبلغ أو يبدأ حياته الزوجية بقروض وديون.

ويطالب العبري بتخفيف أعباء الزواج وإقامة المناسبات وفقا لقدرة كل شخص وعدم المغالاة في المهور أو في الذهب والتقليل من المصاريف غير الضرورية.
ويذكر الدكتور فهد بن سيف المنذري أن المبالغة في الأعراس سببها ضغط الصورة الاجتماعية والخوف من نظرة الآخرين، حيث إن بعض الأسر تكون مقتنعة بإقامة عرس بسيط ومعتدل، لكنها تخشى من نظرة الآخرين لتتحول المناسبة إلى تنافس في حجم القاعات والولائم والملابس والزينة والهدايا، ليتحول معيار نجاح العرس بالقدر الذي أنفق عليه.

كما يشير إلى أن الشاب والفتاة قد يكونا مقتنعين بالبساطة خلال هذه المناسبة الاجتماعية، إلا أن اشتراطات الأسرة أو بعض الأقارب تحت عناوين العادة، والمكانة، قد تدفعهم لتحمل أعباء أكبر من إمكاناتهم، مضيفا: "المنافسة بين العائلات موجودة، لكنها في الغالب نتيجة لثقافة أوسع عنوانها المباهاة وحفظ المكانة الاجتماعية، والمشكلة أن الإنسان قد يبدأ بمجاراة من هو في مستواه المادي، ثم يجد نفسه يقلد من يفوقُهُ قدرةً، فيحمّل نفسه ما لا تحتمل، والأصل أن العرس مناسبة للفرح، لا معرضًا للقدرة المالية، ولا اختبارًا لمكانة الأسرة، وقيمة الزواج في نجاح الحياة التي تأتي بعد ليلة العرس، لا في فخامة تلك الليلة وحدها".
ويبين المنذري أن تأخر زواج الشباب ناتج عن الكثير من العوامل مثل المهر الكبير وتجهيزات العرس وحجز القاعة والولائم والملابس وتأثيث المنزل والتزامات أخرى تضعه تحت ضغط مالي كبير قبل أن تبدأ حياته الزوجية أصلًا، ولذلك قد يذهب بعض الشباب إلى تأجيل الزواج عامًا أو عامين أو أكثر حتى يستطيعوا توفير هذه التكاليف.
من جهته، يذكر الدكتور خالد بن علي بن صالح الشلّي أن منصات التواصل الاجتماعي ساهمت بشكل كبير في نقل الممارسات الاجتماعية بين المجتمعات، ولذلك تداخلت الأعراف والتقاليد مع المتغيرات التي تشكلت بألوان متعددة في لباس التطور والتمدن والتحضّر، مضيفا: "كان للأعراس نصيب أكبر في حب التفاخر والتمظهر بالمظهر الذي يعكس الصورة المنمقة ولكن في باطنها الكلفة والديون، وتتعدد مبررات التأخر عن الزواج فمنها ما يتعلق بالرغبة في الحصول على المؤهلات الجامعية ومنها تأخر الحصول على الوظيفة المناسبة وتدني الأجور والأفكار الدخيلة التي تروّج للاستقلالية الفردية والبعد عن المسؤوليات وغيرها، ولا شك أن تكاليف الأعراس تضيف عبئاً آخر يجعل من المقبل على الزواج ينظر يمنة ويسرة قبل الشروع في الزواج فيرى ويسمع عن الشروط والمتطلبات الناتجة عن التوقعات العالية من شريك الحياة الزوجية والرغبة في الحصول على أكبر قدر ممكن من الاستحقاقات كالمهر العالي و حجز القاعات والاستراحات ومصاريف الحفلات والتجمعات".

ويطالب الشلّي بالتخفيف في الزواج ومحاربة ممارسات الإسراف والتبذير وتطوير صناديق دعم الزواج في جميع محافظات سلطنة عُمان لتشجيع الشباب العُماني على الإقبال على الزواج وتعزيز الاستقرار الأسري.
تعزيز الوعي المجتمعي السبيل الوحيد لمواجهة ممارسات الإسراف والتبذير
ويقول خليل بن حميد بن سعيد الكلباني إن الدافع وراء المبالغة في الزواج هو عدم الوعي الكافي بقيمة الزواج نفسه، فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ظاهرة المقارنات بين الأعراس حاضرة وبقوة حيث ساهمت في زيادة التكاليف.

ويؤكد: "وتعتبر التكاليف الزائدة عن حاجتها والمبالغ بها سبب رئيسي في عزوف الكثير من الشباب في ظل الظروف التي تعصف بهم، فالتيسير لا يعني التقليل من قيمة المناسبة بل يساعد في بناء حياة أسرية مستقرة وسعيدة، كما أن الحفاظ على العادات والتقاليد العمانية ولكن التقليل من مظاهر التفاخر والإسراف، والمصروفات الزائدة، ونشر ثقافة الفرح بلا إسراف تسهم في نيل الاستحسان والرضا والتخفيف من أعباء الأسر والشباب".
