عُمان وكازاخستان.. شراكة تعبر إلى آسيا الوسطى

 

 

 

حمود بن علي الطوقي

 

كل بيان يصدر عن ديوان البلاط السلطاني مُعلنًا عن زيارة خارجية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- إلى إحدى الدول الشقيقة أو الصديقة، يُقابله ترحيب واهتمام واسعان من المواطنين، الذين باتوا يتابعون باهتمام محطات جلالته الخارجية، وما تحمله كل زيارة من أبعاد سياسية واقتصادية واستثمارية، وما تفتحه من آفاق جديدة لعُمان وعلاقاتها مع العالم.

وعندما تقلع الطائرة الميمونة التي تقل جلالته إلى محطة جديدة من محطات العمل الوطني، ترتفع أكف أبناء عُمان الأوفياء بالدعاء إلى الله أن يحفظ جلالته في حله وترحاله، وأن يُكلل مساعيه بالتوفيق والسداد، وأن يعينه على مواصلة رسالته في خدمة عُمان وشعبها وتحقيق المزيد من الخير والنماء لهذا الوطن العزيز.

ولم يعد الاهتمام بهذه الزيارات مرتبطًا بمراسم الاستقبال والبروتوكول الرسمي بقدر ما أصبح مرتبطًا بسؤال مُهم: ماذا ستحمل هذه الزيارة لعُمان، وما الأبواب الجديدة التي ستفتحها أمام اقتصادها واستثماراتها ومصالحها المستقبلية؟

لقد أثبتت الزيارات السلطانية خلال السنوات الماضية أن الزيارات السلطانية لا تتحرك على خريطة الجغرافيا وحدها، بل على خريطة المصالح والمستقبل؛ فكل زيارة يقوم بها جلالة السلطان إلى دولة شقيقة أو صديقة تراهن على تعميق العلاقات، وتفتح مساحات جديدة للاستثمار والتجارة، وتعزز حضور سلطنة عُمان ومكانتها على الساحة الدولية.

ومن هذا المنطلق نقرأ زيارة الدولة التي يقوم بها جلالة السلطان إلى جمهورية كازاخستان. فعندما يحط جلالته رحاله في أستانا، فإن عُمان لا تصل إلى عاصمة دولة صديقة فحسب، بل تفتح نافذة جديدة على آسيا الوسطى؛ تلك المنطقة المهمة التي تتقاطع فيها طرق التجارة والطاقة والاستثمار بين الشرق والغرب.

وفي تقديري، فإنَّ زيارة كازاخستان تمثل امتدادًا لفكر عُماني أصبح أكثر وضوحًا في عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق، عنوانه الدبلوماسية الاقتصادية والقوة الناعمة؛ فمسقط التي راكمت عبر عقود رصيدًا كبيرًا من الثقة والاحترام والعلاقات المتوازنة مع العالم، تعمل اليوم على تحويل هذا الرصيد السياسي إلى قيمة اقتصادية واستثمارية وتنموية.

وهنا تكمن خصوصية القوة الناعمة العُمانية؛ فهي تقوم على الاعتدال والحوار وبناء الصداقات واحترام الآخر، لكنها أصبحت اليوم جسرًا يمكن العبور من خلاله نحو شراكات اقتصادية أوسع. فالاقتصاد بات حاضرًا بقوة في الزيارات السلطانية، وأصبحت ملفات الاستثمار والطاقة واللوجستيات والتعدين والأمن الغذائي والتكنولوجيا والسياحة جزءًا أساسيًا من الحوار مع الدول الشقيقة والصديقة.

ولم تأتِ زيارة جلالة السلطان إلى أستانا من فراغ، بل سبقتها خلال الفترة الماضية حركة دبلوماسية واقتصادية نشطة بين البلدين، وكأن مسقط وأستانا كانتا تهيئان الطريق لهذه المحطة المهمة. ففي فبراير 2025 زار معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية كازاخستان، والتقى فخامة الرئيس قاسم جومارت توكاييف، كما شملت الزيارة مركز أستانا المالي الدولي ومركز «أستانا هب» للتكنولوجيا، في مؤشر مبكر على الاهتمام بتوسيع العلاقات نحو الاقتصاد والاستثمار والتقنيات الحديثة. وفي ديسمبر من العام نفسه احتضنت مسقط الاجتماع الأول للجنة الحكومية المشتركة بين سلطنة عُمان وكازاخستان، وجاءت محطة مهمة أخرى في أبريل 2026 عندما قام صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، بزيارة رسمية إلى كازاخستان، لبحث فرص التعاون الاقتصادي والاستثماري والمشاريع والشراكات الممكنة بين البلدين.

وتواصل هذا الحراك بعقد الجولة الثانية من المشاورات السياسية بين وزارتي خارجية البلدين في أستانا؛ حيث جرت مراجعة مسارات تعزيز التبادل التجاري والاستثماري والاتفاقيات ومذكرات التفاهم، إلى جانب الاهتمام بتوسيع التعاون في الطاقة والتعدين والنقل واللوجستيات والزراعة والسياحة والتقنيات الحديثة.

وهكذا تبدو زيارة الدولة لجلالة السلطان هيثم بن طارق تتويجًا لمسار من العمل المتدرج بين البلدين، وانتقالًا بالعلاقات من مستوى الاتصالات واللجان والمشاورات إلى مستوى القيادة، بما يمنحها قوة دفع أكبر ويهيئ لتحويل ما طُرح من أفكار وفرص إلى اتفاقيات واستثمارات ومشاريع حقيقية على الأرض.

وكازاخستان تمثل شريكًا واعدًا لعُمان؛ فهي أكبر دول آسيا الوسطى مساحة، وتملك ثروات كبيرة في الطاقة والمعادن، إلى جانب إمكانات زراعية وصناعية واسعة وموقع مهم في قلب القارة الآسيوية. ومن هنا فإن تعزيز العلاقات معها يمكن أن يمنح الشركات والاستثمارات العُمانية بوابة إلى سوق كازاخستان وإلى فضاء آسيا الوسطى بصورة أوسع.

ورغم الإمكانات الكبيرة المتاحة أمام البلدين، فإن حجم التبادل التجاري والاستثماري ما زال دون مستوى الطموح، وهذا يعني أن أمام مسقط وأستانا مساحة واسعة للنمو. والمرحلة المقبلة يجب أن تركز على زيادة التجارة والاستثمارات المتبادلة، وتحفيز القطاع الخاص ورجال الأعمال على استكشاف الفرص، بحيث تنعكس متانة العلاقات السياسية على أرقام التجارة والاستثمار بين البلدين.

وفي المقابل، تمتلك عُمان ميزة استراتيجية مهمة يمكن أن تستفيد منها كازاخستان، وهي موقعها البحري المفتوح على بحر العرب والمحيط الهندي. فموانئ صحار والدقم وصلالة، وما يرتبط بها من مناطق اقتصادية وحرة ومنظومات صناعية ولوجستية، تستطيع أن تشكل بوابة للمنتجات الكازاخستانية نحو دول الخليج والهند وشرق أفريقيا والأسواق العالمية.

ولماذا لا نفكر مستقبلًا في ممر تجاري ولوجستي يربط آسيا الوسطى بموانئ سلطنة عُمان؟ هنا يمكن للجغرافيا أن تتحول إلى قيمة اقتصادية، وأن تصبح أستانا ومسقط حلقتين في سلسلة تجارية تربط قلب آسيا ببحر العرب والمحيط الهندي.

كما يمثل الأمن الغذائي مجالًا واعدًا للتعاون؛ فكازاخستان تمتلك مساحات زراعية شاسعة وقدرات مهمة في إنتاج الحبوب والمنتجات الزراعية، فيما تعمل سلطنة عُمان على تعزيز أمنها الغذائي وتنويع مصادر الاستيراد. ويمكن أن يتطور التعاون من التجارة المباشرة إلى استثمارات مشتركة في الزراعة والتصنيع الغذائي والتخزين والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير.

وتضاف إلى ذلك فرص الاستثمار في التعدين والطاقة والصناعات التحويلية والطاقة النظيفة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهي قطاعات تنسجم مع توجهات التنويع الاقتصادي ومستهدفات رؤية «عُمان 2040». كما أن تعزيز الربط الجوي بين البلدين سيختصر المسافات ويفتح المجال أمام السياحة وحركة رجال الأعمال والتبادل التجاري والثقافي.

لكن العلاقات الدولية الناجحة اليوم لا تقاس بعدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي يتم توقيعها فحسب، وإنما بما تنتجه من استثمارات ومشاريع وفرص عمل وتدفقات تجارية. وهذا هو الرهان الذي نأمله من زيارة جلالة السلطان إلى أستانا: الانتقال من اكتشاف الفرص إلى صناعة الفرص.

وعندما نضع زيارة كازاخستان إلى جانب زيارات جلالة السلطان إلى عدد من الدول الشقيقة والصديقة، تتضح أمامنا خارطة جديدة للشراكات العُمانية. فكل محطة تضيف شريكًا، وكل زيارة تفتح نافذة جديدة، وكل علاقة سياسية راسخة يجري البناء عليها لتحقيق قيمة اقتصادية وتنموية لعُمان.

إنها مسيرة دبلوماسية يقودها جلالة السلطان هيثم بن طارق بحكمة واتزان، تجمع بين ثوابت السياسة العُمانية ومتطلبات الاقتصاد الحديث، وبين القوة الناعمة والدبلوماسية الاقتصادية، وبين بناء الصداقات وصناعة المصالح المشتركة.

الأكثر قراءة

z