بين دمعتين

 

 

د. إبراهيم بن سالم السيابي

 

في منافسات كأس الخليج المقامة حاليًا في المملكة العربية السعودية العزيزة، حين أحرز المنتخب اليمني هدفه الرابع في مرمى منتخب البحرين، انفجرت المدرجات فرحًا. تعالت الهتافات، ولوّحت الأيدي، وراحت الكاميرات تبحث بين الوجوه عن صورة تختصر تلك اللحظة. لكنها توقفت عند طفلة يمنية تلوّح بيدها، والدموع تنهمر من عينيها.

كانت دموع فرح، وهذا أجمل ما في الصورة. طفلة رأت منتخب بلادها يسجل هدفًا بعد آخر، فغلبتها مشاعرها وبكت. لم تكن تفكر في السياسة، ولا في الخلافات، ولا في كل ما يثقل حياة بلدها. كانت سعيدة فقط، وفرحتها كانت صادقة إلى ذلك الحد الذي جعل دموعها تسبق كلماتها.

لكن بعض الصور لا تنتهي بانتهاء اللحظة التي التقطت فيها. تبقى في الذاكرة لأنها تقول شيئًا أكبر من تفاصيلها. وربما كانت صورة تلك الطفلة واحدة من تلك الصور؛ طفلة تفرح بوطنها بكل هذا الصدق، فتجعلنا نحن الكبار نتوقف قليلًا أمام معنى الوطن نفسه.

فالطفل لا يريد كثيرًا. يريد أن يذهب إلى مدرسته، وأن يعود إلى بيته، وأن يلعب مع أصدقائه، وأن يفرح حين يفوز منتخب بلاده. يريد حياة عادية، لا يحمل فيها كل يوم سؤالًا عن الخوف والقلق وما يخبئه الغد. وهذه ليست مطالب كبيرة، بل أبسط ما يمكن أن يطلبه الإنسان من وطنه.

لكن هذه الحياة البسيطة ليست متاحة دائمًا للجميع. ففي اليمن، كما في السودان وليبيا وغيرها، عاش ويعيش أناس عاديون تحت آثار صراعات وانقسامات لم يختاروها. تتغير الوجوه، وتتبدل التحالفات، وتختلف التفاصيل من بلد إلى آخر، لكن الإنسان يبقى في النهاية باحثًا عن الأشياء نفسها: بيت آمن، وعمل مستقر، ومدرسة مفتوحة، وغد يستطيع أن يخطط له.

والمفارقة أن عالمنا العربي لا يفتقر إلى ما يمكن أن يصنع حياة أفضل. لدينا الثروات والموارد، ولدينا العقول والكفاءات، ولدينا طاقات بشرية كبيرة، وموقع جغرافي مهم، وتاريخ وحضارة وثقافة يمكن أن تكون مصادر قوة. وفي عدد من دولنا العربية نرى تجارب تنموية تؤكد أن منطقتنا قادرة على البناء حين تتجه طاقاتها إلى ما ينفع الإنسان.

لهذا تبدو المسألة أكثر إيلامًا؛ فالإمكانات موجودة، والطاقات موجودة، والطموح موجود، لكن الصراعات تستطيع أن تستهلك من عمر الأوطان ما لا تعوضه السنوات. وما كان يمكن أن يذهب إلى التعليم والعمل والتنمية وبناء المستقبل، قد يذهب بدلًا من ذلك إلى معالجة آثار الخلاف والانقسام والصراع.

والاختلاف في حد ذاته ليس مشكلة؛ فالناس يختلفون، والسياسيون يتنافسون، والمجتمعات بطبيعتها تتعدد فيها الآراء والمصالح. لكن حين يتحول الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى صراع، يصبح الوطن هو الطرف الذي يدفع الثمن. وحين تنشغل فئات بالصراع على السلطة والنفوذ، تضيق المساحة أمام الإنسان البسيط، وكأن الوطن يستطيع أن ينتظر إلى أن ينتهي خلاف الكبار.

لكن الوطن لا ينتظر؛ فالسنوات التي تضيع من عمر الطفل لا تعود، والفرص التي يفقدها الشاب لا يمكن استعادتها بسهولة، والخوف الذي يعيشه الناس لا ينتهي دائمًا بانتهاء الصراع؛ فقد يبقى أثره في النفوس، وفي البيوت، وفي ذاكرة الأجيال.

وإذا كانت هذه الطفلة لا تبكي من الحزن، فإن هناك أمًّا في غزة تختلط دموعها بالخوف على أبنائها، وامرأةً في ليبيا تحمل قلق الغد، وعجوزًا في السودان أثقلتها سنوات الحرب. لا يعني ذلك أن الحكايات واحدة، فلكل بلد ظروفه وتفاصيله، وإنما يجمع بينها إنسان يريد في النهاية حياة آمنة، وبيتًا مطمئنًا، ومستقبلًا لا يخشى فيه على أبنائه.

وهنا تصبح صورة الطفلة أكبر من مجرد لقطة رياضية. دموعها كانت من الفرح، لكنها جعلتنا نتذكر دموعًا أخرى في هذه المنطقة لم تجد طريقها إلى الفرح. وبين الدمعتين مسافة كبيرة، تختصر شيئًا من حالنا العربي؛ شعوب تريد أن تعيش، وأوطان تملك الكثير، وأجيال تنتظر أن تتحول الإمكانات إلى حياة أفضل.

والسُلطة، مهما طال بقاؤها، ليست أبقى من الوطن. الساسة يرحلون، والحكومات تتبدل، والتحالفات تنتهي، أما آثار ما يحدث فتبقى في حياة الناس وذاكرة الأجيال. وقد يتصافح المتخاصمون بعد سنوات، لكن الطفل الذي ضاعت سنوات من عمره لن يستطيع استعادتها، والشاب الذي فقد فرصته لن يعود إلى النقطة التي بدأ منها.

لهذا لا ينبغي أن يكون الوطن هو الخاسر الدائم في خلافات أبنائه. وليس المطلوب أن يتفق الناس في كل شيء، وإنما أن يدركوا أن هناك لحظة يصبح فيها التنازل من أجل الوطن أقوى من الانتصار على الخصم، وأن مصلحة الإنسان يجب ألا تضيع وسط الحسابات والصراعات.

قد تنتهي المباراة، ويُنسى اسم من سجل الهدف الرابع، وقد تبقى النتيجة في سجلات البطولة، لكن تلك الصورة ستبقى في الذاكرة؛ لأنها ذكّرتنا بشيء بسيط غفلنا عنه وسط خلافاتنا: أن الوطن ليس سلطة ولا منصبًا، وليس انتصار فئة على أخرى.

الوطن هو أن يستطيع الطفل أن يفرح، وأن تنام الأم آمنة، وأن يكبر الشاب وهو يرى أمامه مستقبلًا لا يحمل فيه صراعًا لم يختره.

فالطفلة التي بكت من الفرح لم تكن تحتاج إلى وطن تنتصر فيه فئة على أخرى، وإنما إلى وطن ينتصر فيه أبناؤه للحياة.

وربما كان أجمل ما يمكن أن نتركه لأطفالنا ألا يرثوا خلافاتنا، بل أن يرثوا وطنًا أوسع من خلافاتنا، وأكبر من صراعاتنا، وأقدر على أن يمنحهم تلك اللحظة البسيطة التي رأيناها في عيني الطفلة: فرحة صافية بوطنها.

فحين يستطيع الطفل أن يفرح بوطنه، من دون أن يخاف من مستقبله أو يرث صراعات الكبار، يكون الوطن بخير.

الأكثر قراءة

z