بورصة قائمة وتمويل يمرّ من خارجها (2)

 

 

 

علي بن جمعة اللواتي

◄ من المرساة إلى سؤال الجدوى

في الجزء الأول، ناقشنا لماذا يمرّ تمويل نمو الشركات في بعض الاقتصادات من خارج البورصة، رغم اكتمال أنظمتها ومؤسساتها. ورأينا كيف تتداخل حسابات المالك والمستثمر مع فرص نمو الشركات وضعف عمق البورصة. وانتهينا إلى أنَّ البورصة تستطيع تمويل التوسع، لكنها لا تصنع وحدها مبرراته. فكيف تتكوّن الفرص، وكيف تتحول إلى مشروعات تستطيع البورصة تمويلها؟

حين تناولنا في المقالات السابقة السياحة العائلية بوصفها مرساة اقتصادية، كانت الفكرة أن وجود سبب مقنع لاختيار الوجهة يولّد طلبًا تستفيد منه أنشطة متعددة. فالوجهة التي تستقطب الأسر تفتح فرصًا للفنادق والشقق الفندقية والمطاعم والنقل والترفيه، وتكامل هذه الخدمات يعزز جاذبية الوجهة ويشجع الزائر على إطالة إقامته والعودة إليها.

ويمكن لسوق رأس المال أن تساعد على تمويل هذه المنظومة؛ فتجمع شركة مؤهلة للطرح رأس مال لتطوير المرفق الذي يستقطب الزوار، وتُموَّل مرافق الإقامة بأدوات تناسب طبيعتها، وتحصل شركات الخدمات على تمويل لتوسيع أعمالها. ولا يحتاج كل نشاط صغير إلى الإدراج؛ فقد يصل إليه التمويل عبر شركة مدرجة تستثمر فيه، أو تتاح له عقود وأعمال ضمن مشروعاتها.

فوجود المرساة لا يضمن أنَّ الشركات المحلية تملك المال والإدارة اللازمين للاستفادة منها. وقد ينمو الطلب بينما تعجز هذه الشركات عن مجاراته، فتفوتها فرصة التوسع وبناء الخبرة وتوفير الوظائف.

وبين وجود الفرصة ووصول التمويل إليها، هناك مهمة لا تؤديها البورصة بنفسها: تحويل الفكرة إلى مشروع قابل للاستثمار، بجدوى واضحة، ومشغّل قادر، وعقود تحدد المسؤوليات والمخاطر. ويتطلب ذلك مطوّرين ومستثمرين ومستشارين قادرين على إعداد المشروع وتنظيمه؛ فقد تتوافر المدخرات والفرص، وتظل الجهات القادرة على جمعهما في مشروع يستطيع المستثمر تقييمه هي العنصر الناقص.

وتتحسن فرص النجاح حين ترتبط هذه الاستثمارات بخطة متناسقة: تتوسع الإقامة مع نمو أعداد الزوار، وتتكامل البرامج الترفيهية مع احتياجات الأسر، وتساعد اتفاقات التشغيل والحجوزات المشتركة على توضيح الطلب المتوقع. عندها يتيح التمويل تنفيذ مرافق متكاملة تحسّن تجربة الزائر وتزيد فرص الإشغال وتحقيق العوائد. ويظل التوسع المرحلي ضروريًا، لأن اعتماد الأنشطة على الوجهة نفسها يعني أن المبالغة في تقدير الطلب قد تنقل التعثر بينها.

وفي بعض الاقتصادات، تأتي الطروحات الكبرى أساسًا من بيع حصص حكومية في شركات قائمة. وهذه خطوة تستطيع توسيع المشاركة في الملكية وتنشيط البورصة وتحرير أموال لاستثمارات أخرى. لكن مساهمة حصيلة التخارج في تمويل نشاط جديد تتوقف على كيفية إعادة توظيفها. ومن هنا ينبغي تتبّع المسار كاملًا: ماذا موّلت هذه الحصيلة؟ وهل ساعدت البورصة، بالتوازي، شركات أخرى على جمع أموال لتوسيع أعمالها؟

فتنويع المساهمين لا يساوي تلقائيًا تنويع مصادر الدخل، وتغيير الملكية لا يعني وحده زيادة الإنتاج أو الوظائف. تكتمل الصلة حين يولّد الطلب فرصة، ويتيح التمويل استثمارها، ثم يتحول الاستثمار إلى نشاط إضافي وقدرات محلية وفرص عمل.

قد تضيق الخيارات المتاحة للمستثمرين حين تُموَّل مشروعات تجارية جديدة بالكامل من الجهات العامة، مع إمكان إتاحة جزء منها للمشاركة الخاصة. وهنا يبرز سؤال يسبق التخارج والإدراج: هل يستلزم المشروع تمويلًا عامًا كاملًا، أم يمكن تصميمه منذ البداية بما يتيح مشاركة رأس المال الخاص في مخاطره وعوائده؟

وقد تتعثر مبادرات التنويع التي تُنفَّذ عبر الشركات الحكومية حين لا يقترن التمويل بانضباط تجاري وخبرة تشغيلية ومساءلة واضحة عن النتائج. وفي هذه الحالات، قد يزيد تأسيس شركات يقودها القطاع الخاص، بمساهمة حكومية، من فرص النجاح؛ إذ تساعد المساهمة العامة على إطلاق مشروعات المرساة، بينما يتولى شركاء متخصصون تطويرها وتشغيلها، ويستثمرون أموالهم ويتحملون نصيبًا من مخاطرها. ويتوقف نجاح هذا النموذج على كفاءة الشركاء ووضوح المسؤوليات وارتباط مكاسبهم بأداء المشروع، مع توزيع المخاطر بما يحفظ المال العام. ويمكن توسيع المشاركة في ملكية هذه الشركات عبر البورصة عندما تصبح مؤهلة لذلك.

وتلتقي المعالجة عند 3 شروط مترابطة: شركة لديها فرصة نمو، ومالك يجد الإدراج مجديًا، ومستثمر يستطيع تقييم المخاطر ويطمئن إلى حقوقه.

يتطلب الشرط الأول فرصًا تجارية قابلة للتنفيذ وشركات مهيأة لاستثمارها: حسابات واضحة، وإدارة قادرة، وفصلًا بين أموال المؤسسة وأموال أصحابها. وقد تحتاج الشركة إلى تمويل خاص وخبرة مؤسسية تسبق انتقالها إلى البورصة.

ويتطلب الثاني أن تتناسب متطلبات الإدراج مع حجم الشركة ومخاطرها، وأن يتيح الطرح تسعيرًا يستند إلى معلومات كافية وطلب حقيقي. كما ينبغي أن تكون البورصة بابًا يمكن للشركة العودة إليه لتمويل توسعات لاحقة، حتى يصبح الإدراج جزءًا من استراتيجية النمو. وفي الشركات العائلية، قد تضاف منافع تنظيم التخارج وانتقال الملكية بين الأجيال، مع إمكان احتفاظ العائلة بحصة مسيطرة.

أما الثالث، فيحتاج إلى إنفاذ حقوق المساهمين وجودة الإفصاح وتنوع الفرص والأدوات، بما يمكّن المستثمر من فهم ما يشتريه، والثقة بأن حقوقه محفوظة، وإمكانية الخروج بشروط معقولة. وتنجذب صناديق التقاعد والتأمين والاستثمار حين تجد فرصًا تلائم متطلبات العائد والمخاطر والتنويع. ويساعد تطوير سوق سندات الشركات وصكوكها على خدمة مؤسسات تحتاج إلى التمويل دون إصدار أسهم جديدة.

وتجمع هذه الشروط قناعة الأطراف بأن المشاركة في البورصة تستحق تكاليفها ومخاطرها والتزاماتها. وتستند هذه القناعة، في جانب أساسي منها، إلى الثقة في الاقتصاد وبيئة الأعمال: أن تتوافر فرص للنمو، وتكون القواعد واضحة ومستقرة، والحقوق مصونة، والتكاليف قابلة للتقدير. وعلى هذه الأرضية، يختبر كل طرف جدوى قراره: الشركة في توسيع نشاطها، والمالك في مشاركة ملكيته، والمستثمر في توظيف مدخراته.

إن ضعف الدور التمويلي للبورصة قد يكشف عن اقتصاد لا يولّد فرص نمو كافية، أو شركات لم تتهيأ للمشاركة العامة، أو بورصة لا تمنح المالك والمستثمر ما يبرر دخولهما. ولذلك، فإن تطوير أنظمة التداول، على أهميته، لا يغني عن معالجة هذه الحسابات.

وحين نفهمها، يتغير السؤال من: لماذا لا تأتي الشركات إلى البورصة؟ إلى: ما الذي يجعل مجيئها مجديًا؟

والعلاقة متبادلة: حيوية الاقتصاد تخلق الحاجة إلى التمويل، وكفاءة التمويل تساعد على توسيع النشاط وتسريع نموه. ومن هنا ينبغي أن تتكامل السياسات التي تهيئ فرص الاستثمار مع السياسات التي تطوّر قنوات تمويله. وتبقى التنمية وتحسين معيشة الناس الغاية التي تمنح نشاط البورصة معناه. وحين تتحول المدخرات عبر البورصة إلى مصانع وفنادق وأعمال جديدة توفّر الإنتاج والوظائف والدخل، يقترن اكتمال مؤسسات البورصة بدور فاعل في تمويل نمو الاقتصاد.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z