خالد بن سعد الشنفري
أكتبُ هذا المقال من الغرفة رقم (17) في الطابق السابع من المركز الوطني لعلاج وأبحاث السرطان. أكتبه ودمعة العين تسبق أحيانًا الكلمات؛ لا خوفًا من المرض، ولا تحسرًا على ما أصابني، وإنما من شعور آخر يصعب على المرء أن يصفه وهو على سرير العلاج: شعور بالامتنان.
فالمرض، مهما حاول الإنسان أن يتماسك أمامه، يضعه في لحظات يكون فيها أكثر حاجة إلى الطمأنينة؛ إلى كلمة هادئة، ووجه بشوش، وطبيب يشعره بأنه ليس مجرد رقم في ملف، ومكان يحفظ له كرامته وهو في أشد حالات ضعفه. وهنا، وسط هذه التجربة، ظل سؤال يلحّ عليّ: أمِن فرط الأمانة كان كل هذا، أم من فرط الحب؟
منذ أكثر من ثلاثة أشهر وأنا أتردد على العيادات النهارية في هذا المركز لتلقي جرعتي الأسبوعية من العلاج الكيميائي لمحاصرة ورم سرطاني في الرئة. أصبحت الممرات والوجوه وبعض تفاصيل المكان مألوفة لدي، إلى أن حضرت في ذلك الأربعاء كعادتي لتلقي الجرعة المخففة.
لكن الأمر هذه المرة كان مختلفًا.
أبلغتني الطبيبة الاستشارية العُمانية الدكتورة زمزم، ومعها زميلتها الاستشارية السودانية الدكتورة أنجم، المتخصصة في أورام الصدر، بأن نتائج الفحوص أظهرت ارتفاعًا في إنزيمات القلب، وأن الاستمرار في العلاج الكيميائي في تلك اللحظة قد يحمل خطورة لا ينبغي المجازفة بها. كان القرار الطبي واضحًا: إيقاف الجرعة مؤقتًا، والبقاء في المركز بضعة أيام تحت الملاحظة وإجراء الفحوص اللازمة لمعرفة أسباب هذا الارتفاع.
لا أخفي أن القلق تسلل إليّ لحظتها؛ فالمريض، مهما بلغت ثقته بالأطباء، يبقى إنسانًا؛ يخشى المجهول، ويحسب ساعات التنويم قبل أن تبدأ، ويتصور الليل الطويل في المستشفى وما قد يحمله من تعب ووحدة وترقب.
لكن ما وجدته هنا بدّد كثيرًا من تلك المخاوف.
منذ دخولي قسم التنويم شعرت أنني أمام مفهوم مختلف للرعاية الصحية؛ ليس في الأجهزة والتجهيزات الطبية وحدها، ولا في جمال المبنى ورُقي مرافقه، وإنما في التفاصيل الصغيرة التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام: في طريقة الاستقبال، وفي النظافة والهدوء، وفي خصوصية المريض، وفي متابعة الطاقم الطبي والتمريضي، وفي تلك المعاملة الإنسانية التي تمنح المريض إحساسًا بأن كرامته جزءٌ من علاجه.
لقد بدا المكان في مستوى من الراحة والتنظيم قد يدفع الزائر إلى تشبيهه بفندق راقٍ، غير أن الفارق هنا أعمق؛ ففي الفندق تُصنع الراحة للضيف، أما هنا فتُصنع الطمأنينة لإنسان يواجه واحدًا من أصعب اختبارات الحياة.
عندها عاد السؤال إليّ من جديد: أمِن فرط الأمانة أم من فرط الحب؟ وربما كانت الإجابة: من كليهما.
هذا الصرح الطبي لم ينشأ من فراغ، وإنما يقف شاهدًا على مرحلة من تاريخ عُمان جعلت بناء الإنسان في قلب مشروع الدولة. وحين أتأمل ما أراه من رعاية وإمكانات، تذهب الذاكرة تلقائيًا إلى السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، الذي قاد عُمان طوال عقود من البناء والتحول، ولم يكن ينظر إلى التنمية باعتبارها طرقًا ومباني ومؤسسات فحسب، بل باعتبارها قبل ذلك كله كرامة للإنسان العُماني.
ومن أجمل ما بقي في الذاكرة من نهجه أنه، رغم ضخامة ما تحقق في عهده، لم يكن يقدم التنمية باعتبارها إنجازًا شخصيًا، وإنما مشروع وطن يشترك فيه الجميع. وكان المعنى الذي رسخه دائمًا واضحًا: أن عُمان تُبنى بسواعد أبنائها، وأن الدولة والإنسان شريكان في مسيرة واحدة.
وكان هذا المركز من المشروعات الطبية الكبرى التي أُريد لها أن تمنح الإنسان في عُمان حقه في علاج متقدم ورعاية تحفظ له كرامته داخل وطنه. وحين يرى المريض اليوم مستوى التجهيز والرعاية والتنظيم، يدرك أن بعض القرارات لا تظهر قيمتها كاملة يوم اتخاذها، بل تتجلى بعد سنوات، عندما تتحول إلى مؤسسة تنقذ حياة، أو تخفف ألمًا، أو تعيد الأمل إلى أسرة.
غير أن الأمانة الحقيقية لا تكتمل بإنشاء المؤسسات؛ وإنما باستمرارها وتطويرها والمحافظة على رسالتها.
وهنا يمتد الامتنان إلى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- الذي حمل أمانة الدولة العُمانية ومضى بها في نهضتها المتجددة، محافظًا على ما أُنجز، ومواصلًا البناء والتحديث. فالأوطان لا تُبنى في عهد واحد، ولا تتوقف مسيرتها عند جيل بعينه؛ وإنما تكبر حين تتصل مراحلها، ويحفظ اللاحق منجز السابق ثم يضيف إليه.
وما أراه اليوم في هذا الصرح الطبي هو أحد المعاني الجميلة لهذه الاستمرارية: رؤية بدأت، وأمانة حُفظت، ومؤسسة تتطور، وإنسان يجني ثمرتها عندما يكون في أمسّ الحاجة إليها.
ومن الغرفة رقم (17)، في الطابق السابع، لا أكتب عن مبنى جميل أو أجهزة حديثة فحسب؛ بل عن إحساس عاشه مريض وجد، في لحظة ضعفه، وطنًا حاضرًا إلى جانبه.
شكرًا للأطباء والطبيبات، ولأطقم التمريض، ولكل يد تعمل بصمت داخل هذا المركز. وشكرًا لكل من حمل الأمانة وحافظ على هذا الصرح وطور رسالته.
ورحمة الله على السلطان قابوس بن سعيد، الذي وضع الإنسان في قلب مشروع النهضة، وحفظ الله جلالة السلطان هيثم بن طارق، الذي يمضي بعُمان في نهضتها المتجددة، حاملًا أمانة البناء إلى المستقبل.
أما سؤالي الذي بدأت به، فقد وجدت له جوابًا وأنا على سرير العلاج: إنها الأمانة حين تُؤدّى بحب، والحب حين يتحول إلى مؤسسة تخدم الإنسان وتصون كرامته.
