الطائرة الورقية

 

 

 

ماجد المرهون

majidomarmajid@outlook.com

 

 

كانت طائرة "بوبي" كائنًا سمائيًا طفوليًا بسيطًا، وقد صُنعت من بقايا أوراق جريدة وخيطت أطرافها بأعواد خشبية شبه مُتهالكة، وذيلٍ ملونٍ يُربك الهواء كلما تحرك كما يربك الناظر إليه، مع أن الطائرة لم تكن تملك أيدولوجية محددة ولا مالكها الطفل بوبي، ولا يعرفان شيئًا عن فكرة الحدود الفاصلة بين سور السيد "شمعون" وحديقة الأرملة "مارثا"، إلا أن عالم الطائرات شديد الخصوبة لافتعال الصراعات والنزاعات والخلافات وغالبًا لا تظهر للعلن أية نتائج قطعية لا سيَّما إذا رافقت القصة لعبة سياسية، أما بوبي وطائرته فكانا فقط يُحبان الطيران الهادئ والتحليق بسلام.

لم تكن السماء في حي الزنبق محايدة بما يكفي لتبقى طائرة طفل مجرد لعبة، حيث كان السيد "ديفيد" الجار الخمسيني ذو اللياقة المفرطة والابتسامة الجاهزة مسبقًا يقف على شرفته يراقب العالم بمنظار الانتخابات المحلية الوشيكة لرئاسة لجنة الحي، ويرغب بشدة في منصب لا يُعطي صاحبه صلاحية أكثر من تقليم أشجار الرصيف وتغيير مصابيح الشوارع، إلا أنه يمنحهُ شعوراً بالفخامة ويجعله يرى في هذا المنصب خطوته الأولى نحو إنقاذ الحضارة من السقوط؛ وفي عصر يوم أربعاء مشحون بالهواء العليل، تشابكت طائرة بوبي في أغصان شجرة تقع بالضبط على الخط الفاصل بين ملكية السيد شمعون المُتقاعد المحافظ الذي يرى في تساقط أوراق الأشجار على رصيفه مؤامرة فكرية، والسيد هانز الأكاديمي اليساري الذي يعتقد أنَّ امتلاك حديقة خاصة ما هو إلا إرث إقطاعي يجب إعادة النظر فيه.

هنا بزغت في ذهن ديفيد الفكرة التي ستغير مصير الحي، ولم يهرول لإنقاذ الطائرة من أجل عيني بوبي الممتلئتين بالدموع، بل ركض نحو كاميرا هاتفه، ثم دعا مصور الجريدة المحلية وصاح بنبرة درامية تحاكي خطابات خطوط المواجهة: "ها هي الحرب الشاملة قد بدأت على أرضنا.. انظروا كيف تُحاصر طفولة أبنائنا بين تطرف العقارات وجشع الحدود"، وفي ظرف ساعتين لم تعد الطائرة خفيفة من الورق، بل أصبحت حمولة سياسية ثقيلة أصدر خلالها ديفيد بياناً صحفيًا أطلق فيه على حادثة سقوط الطائرة الورقية اسم "حادثة فلاي بوبي"، واتهم السيد شمعون بفرط استخدام السلطة على حدود حديقته لأنَّ فرع الشجرة كان يميل بنسبة ثلاثة سنتيمترات نحو ملكيته، بينما اتهم هانز بالتقاعس الإنساني لأنه لم يقدم سلَّمًا لإنقاذ طائرة الطفل الذي يمثل البراءة والمستقبل، وشكر في نفس الوقت صانع الأحذية إسكافي الحي الذي يجيد فهم الفيزياء الذرية وميكانيكا الكم من خلال مشاهدته لمسلسل سيمبسون.

تحول شارع حي الزنبق الهادئ إلى مسرح يوناني رخيص، إذ أقام ديفيد منصة خشبية صغيرة أمام منزل بوبي، واستدعى بعض الأهالي المحايدين الذين أغراهم بتقديم الفطائر المتبقية من حملته، ووقف هناك يلوّح بيده نحو الشجرة قائلاً: "إن طائرة بوبي لم تسقط بفعل الرياح يا أهالي الحي، بل سقطت بفعل الاستقطاب العالمي، وهؤلاء الذين يقتتلون على الجدران ينسون أن السماء لا جدران لها، وأنا بصفتي مرشحكم لخدمة هذا الحي فإني أعدكم بأن أكون الخيط الذي يربط بين الأطراف المتنازعة لحلها وإحلال السلام". وكان الطفل بوبي يقف بجانب المنصة ومُمسكًا بقميص ديفيد ويهمس بإنهاك: "عمي.. أستطيع تسلق الشجرة وإحضارها في دقيقة واحدة، لدينا سلم في مرآب المنزل...". لكن ديفيد كان يضع يده الأبوية على رأس بوبي ليخفضه، ثم يعود ليصرخ في الميكروفون: "انظروا إلى هذا الطفل المسكين، لقد صدمته السياسات الضيقة حتى بات يظن أن الحلول الفردية تكفي.. لا يا بوبي، لن تتسلق الشجرة، بل سنبني مجتمعًا آخراً لا تسقط فيه الطائرات".

خلال الأيام التالية انقسم الحي إلى معسكرين، أتباع شمعون رفعوا لافتات تطالب بالحفاظ على حرمة الأشجار الخاصة وعدم اختراق أجوائها بطائرات ورق غير مرخصة، بينما نظم أصدقاء هانز وقفة تضامنية لدعم "حق الطائرات في التحليق الحر دون قيود بيروقراطية رأس مالية"، وفي المنتصف كان ديفيد يتنقل بين الفريقين بقميص أزرق يرمز للسلام، ويفتعل المشادات أمام الكاميرات ثم يتراجع ليلتقط صوراً وهو يمسح دموعًا تمساحية من عينيه عند لقاء الناجين في المُنتزه من حادثة فلاي بوبي وهم يلتهمون الفطائر ويصورون ذكرياتهم، وكانت التمثيلية قد بلغت ذروتها السخيفة ذات اللمسة البوليودية المثيرة للغثيان في مساء الجمعة، حين قرر ديفيد تنظيم مهرجان استعادة الطائرة، وكانت الخطة تقضي بأن يتسلق هو بنفسه أمام وسائل الإعلام المحلية لفك الطائرة وإعادتها للطفل بالتعاون مع الإسكافي صانع الأحذية في مشهد بطولة ختامي يضمن له الفوز بالتزكية في انتخابات الأحد، وقد تجمع الأهالي واحتشد المصورون وتصاعدت الموسيقى الحماسية من مسجل صوت قديم، ليصعد ديفيد ببطء درامي على السلم واضعاً يده على صدره وملوحاً للجماهير التي كانت تصفق بفتور واضح بعد أن أدركت حجم الإخراج السيِّئ غير المدروس، وبينما يمد ديفيد يده بثقة نحو الفرع ليلتقط الطائرة ويصنع لحظته التاريخية، هبت نفحة هواء خفيفة لا تهتم بانتخابات الأحياء ولا تعنيها البيانات الصحفية، فتحركت معها الطائرة الورقية وانفك خيطها العالق ببساطة من تلقاء نفسه وطارت بعيدًا، خفيفة وحرة، لتسقط في مسبح السيد شمعون وتتبلل كليًا وتتحول إلى عجينة ملونةٍ مُتحللةٍ لا تصلح لشيء، وساد الصمت ونظر الجميع إلى المسبح ثم إلى ديفيد الذي كان يقف على أعلى السلم مادًا يده الخادعة للفرع الفارغ، كتمثال إيطالي سقطت عباءته، وهنا التقط بوبي قطعةً من ورق طائرته المُتناثر وقال بصوت سمعه الجميع في هذا الصمت المحرج: "لقد تأخرت يا عمي.. الهواء كان أسرع منك".

أُجريت الانتخابات يوم الأحد ولم يفز ديفيد، بل إن الأرملة مارثا هي التي فازت مع أنها لم تقل كلمة واحدة طوال الأسبوع ولم تصحب معها أي كاميرا أو تصوير ولا صحافة أو تسويق، فازت لأنها كانت الوحيدة التي اشترت لبوبي طائرة ورقية جديدة بمناسبة عيد ميلاده الذي يوافق السابع من أكتوبر، وأحبها كل أهالي حي الزنبق لعفويتها الطبيعية وإنسانيتها غير المُتصنعة، وفاز ديفيد بفردة حذاء من الإسكافي.

الأكثر قراءة

z