علي بن جمعة اللواتي
◄ لماذا تختار الشركات طريقًا آخر؟
في بعض الاقتصادات، تبدو البورصة مكتملة الأركان: أنظمة تداول حديثة، وشركات وساطة، وقواعد للحوكمة والإفصاح، ومؤشر تتناقل الأخبار حركته كل يوم. ومع ذلك، قد يظل تمويل المصانع والفنادق وتوسعات الشركات معتمدًا أساسًا على البنوك، أو الخزانة العامة، أو أموال المؤسسين. عندها تكون البورصة أقل حضورًا في تمويل النشاط مما يوحي به اكتمال مؤسساتها.
وفي الاقتصاد نفسه، تكبر شركات خاصة وتحقق أرباحًا، ثم تختار البقاء خارج البورصة. وقد يُفسَّر ذلك بتحفظ أصحابها على الإفصاح أو تمسكهم بالسيطرة. لكن هذا التفسير لا يستوعب السؤال كله: ماذا لو كان البقاء خارج البورصة هو الخيار الأكثر جدوى لهم؟ وما الذي ينبغي أن يتغير حتى يصبح الإدراج قرارًا يستحق كلفته؟
لا يُفترض أن تحتكر البورصة تمويل الاقتصاد؛ فالقروض والشراكات والاستثمار الخاص تؤدي وظائف ضرورية. إنما يُنتظر منها أن توسّع الخيارات، وأن تصل بين مدخرات تبحث عن عائد وشركات تستطيع تحويلها إلى أعمال منتجة. وحين تضعف هذه الصلة، ينبغي البحث في بنية الاقتصاد وحسابات أطرافه، إلى جانب أنظمة البورصة وإجراءاتها.
ما وراء حركة المؤشر
هناك فرق بين تداول أسهم الشركات وتمويل نموها. فعندما يشتري مستثمر سهمًا من آخر، ينتقل المال إلى البائع، ولا يدخل خزينة الشركة. وحتى الطرح الأولي قد يجمع تمويلًا جديدًا للشركة، أو يتيح للملاك بيع جزء من حصصهم، أو يحقق الغرضين معًا.
وتداول الأسهم وظيفة مهمة؛ فإمكانية البيع تشجع المستثمر على الشراء أصلًا، وتساعد على تسعير الملكية وتنظيم انتقالها. لكن ارتفاع التداولات والمؤشر لا يعني بالضرورة أن الشركات حصلت على أموال إضافية لبناء مصنع أو دخول سوق جديدة.
لذلك، يحتاج قياس نجاح البورصة إلى سؤال مكمّل: كم تمويلًا جديدًا وصل عبرها إلى الشركات، وكيف استُخدم؟ وتكتمل الصورة بالنظر إلى ما حققه من إنتاجية وقيمة مضافة وفرص عمل مستدامة؛ فزيادة الأموال المجمّعة لا تكفي إذا اتجهت إلى توسعات ضعيفة الجدوى.
لماذا يختار المالك طريقًا آخر؟
يبدأ صاحب الشركة من حساب عملي: كم أحتاج؟ وما تكلفة المال؟ وما الالتزامات التي سترافقه؟
إذا كان البنك يعرف نشاطه، ويقبل ضماناته، ويوفر له التمويل بشروط مناسبة، فقد يبدو القرض أقرب الطرق. يحتفظ المالك بحصته في الأرباح والقرار، مقابل التزام بالسداد وتحمّل مخاطر المديونية. أما إصدار الأسهم فيخفف الاعتماد على الديون، لكنه يقتضي مشاركة الآخرين في الملكية والأرباح المستقبلية، والالتزام بالإفصاح والمساءلة.
ولنفترض أنَّ شركة تحتاج إلى 10 ملايين ريال للتوسع. إذا كانت تدفقاتها النقدية المتوقعة تكفي لسداد القرض، فقد يُفضِّل مالكها الاقتراض والاحتفاظ بحصته في الملكية. أما إذا كان التوسع يحتاج إلى سنوات قبل تحقيق إيرادات كافية، فقد يكون إصدار أسهم جديدة وطرحها للاكتتاب العام، مع إدراج الشركة في البورصة، أنسب؛ إذ تدخل حصيلة الاكتتاب إلى الشركة لتمويل توسعها، ويشارك المساهمون في مخاطرها وأرباحها، دون التزام بسداد أقساط كما في القرض. لذلك، يتوقف الاختيار على قدرة الشركة على السداد، وتكلفة كل بديل، واستعداد المالك لمشاركة الآخرين في الملكية.
وهنا تظهر «معادلة الإدراج»: تكاليف التجهيز والطرح والالتزامات المستمرة في كفّة، والتمويل والتقييم وسيولة الملكية وفرص النمو في الكفّة الأخرى. فإذا كانت الكلفة واضحة ومؤكدة، بينما بدا العائد محدودًا، فلن تكفي الدعوات والحوافز المؤقتة لتغيير القرار. وقد تكون الشركة مستعدة للإفصاح، لكنها لا ترى أن البورصة ستفهم نشاطها أو تمنحها تقييمًا مقنعًا.
ولا تتوقف المعادلة على استعداد المالك؛ فهي تتأثر أيضًا بما يبحث عنه المستثمر. فإذا انحصر الطلب الاستثماري في شركات ناضجة توزّع أرباحًا منتظمة، ضاقت الفرصة أمام شركات تحتاج إلى إعادة استثمار أرباحها لتمويل النمو. ولذلك، تحتاج البورصة إلى مستثمرين تختلف أهدافهم وقدرتهم واستعدادهم لتحمّل المخاطر وآفاقهم الزمنية، حتى تجد المشروعات التي تحتاج إلى وقت لتحقيق عوائدها رأس مال يناسبها.
حلقة يصعب كسرها
تعاني بعض البورصات من قلة الشركات وتواضع تنوعها؛ فيجد المستثمر خيارات محدودة. ويؤدي ضعف التداول والتغطية التحليلية إلى صعوبة تقييم بعض الأسهم أو تنفيذ صفقات كبيرة فيها. ويرى صاحب الشركة هذه البيئة، فيتردد في الإدراج، فتستمر محدودية الخيارات. وهذه هي «حلقة ضعف العمق»: قلة الخيارات تحدّ من جاذبية البورصة للمستثمرين، وضعف مشاركة المستثمرين يحدّ بدوره من جاذبيتها للشركات.
كل طرف يتخذ قرارًا مفهومًا من موقعه، لكن مجموع القرارات قد يُبقي البورصة محدودة الدور. ولهذا لا تنكسر الحلقة بالترويج وحده، ولا بمجرد إضافة شركات جديدة؛ إذ قد تُدرج الشركة ثم تصبح أسهمها ضعيفة التداول، فلا تقدم لغيرها سببًا مقنعًا للحاق بها. ويتطلب كسر الحلقة أيضًا معلومات موثوقة وتحليلًا مهنيًا يساعد المستثمرين على فهم الشركات وتقييمها.
هل توجد فرصة تستحق التمويل؟
قبل سؤال الشركات عن سبب عدم إدراجها، ينبغي سؤالها عما ستفعله بالأموال التي تجمعها؛ فشركة تعمل في سوق محدودة، ولا ترى طلبًا إضافيًا أو فرصة مجدية للتوسع، قد لا تجد مبررًا لجمع رأس مال جديد، خصوصًا إذا كانت أرباحها تكفي لتمويل احتياجاتها. وربما يكون نجاحها قائمًا على عدد قليل من العقود، أو على خبرة المؤسس وعلاقاته، بما يجعل توسيع النشاط أصعب من زيادة التمويل.
هنا تتصل وظيفة البورصة بسياسات المنافسة، وفتح الأسواق، وتنمية الصادرات، وإتاحة الفرص أمام الشركات الخاصة. فكلما اتسعت أمام الشركة فرص نمو قابلة للتنفيذ، أصبح بحثها عن رأس المال أكثر جدية. البورصة تستطيع تمويل التوسع، لكنها لا تصنع وحدها مبرراته.
وهكذا، يرتبط تنشيط الدور التمويلي للبورصة بوجود فرص تستحق الاستثمار، وشروط تجعل المشاركة مجدية للشركات والمستثمرين. ويبقى السؤال: كيف تتكوّن هذه الفرص، ومن يحوّلها إلى مشروعات قابلة للتمويل؟ وكيف تتكامل أدوار الدولة والقطاع الخاص والبورصة في ذلك؟
وهذا ما يتناوله الجزء الثاني من المقال.
