د. عبدالله الأشعل **
الصراع بين إيران وأمريكا صراع إرادات، فلا إيران تستكين لإرادة ترامب، ولا ترامب يقبل الهزيمة أمام إيران، والهزيمة بهذا المعنى ليست عسكرية، وإنما هزيمة نفسية ألقت بظلالها على المنطقة بأسرها. أول آثار الصراع هو تهديد المصالح الأمريكية في الخليج وتأثر إيرادات دول الخليج. فالخليج أدرك أن الحماية الأمريكية وهمية، ويشير المعلقون إلى أن الخليج نفسيًا سوف تحفظ إيران أمنه بشروطها.
وقد سبق أن ذكرنا أن أمن الخليج لن تضمنه أمريكا ولا إيران، وإنما يضمنه الأمن القومي العربي، وهذا يحتاج إلى استعادة مصر لدورها وثقلها في العالم العربي، فليس في مصلحة العرب إضعاف مصر وعزلها عن قيادة العالم العربي، وإنما مصر هي البداية والنهاية لهذه المنطقة من الناحية الجيوسياسية، ولكن أهم التحديات لهذا الحل مؤقتة؛ ذلك أن أمريكا يتراجع وجودها في المنطقة، وإسرائيل إلى زوال، ولذلك سوف تتحرر المنطقة من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
وبالنسبة لمستقبل الصراع بين إيران وأمريكا، هذه مسألة معقدة، ولكن يترتب على الكلمة النهائية آثار عميقة في المنطقة وفي العالم، وكبار المُعلقين يرون أن إيران انتصرت سياسيًا، وإن نالها القدر الكبير من الدمار، ولو حسبنا مقدار التدمير الأمريكي لإيران مع الفوائد التي جنتها إيران من صمودها أمام القوة الأمريكية والإسرائيلية، تخرج إيران من المعادلة، وهي قد كسبت الجولة.
ولكن أمريكا تُغالط نفسها، وهذه المغالطة مرهونة ومؤقتة، فبعد هزيمة ترامب والحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية للكونجرس الشهر القادم سوف تتغير المُعادلة، وفي البيت الأبيض أعضاء في الإدارة الأمريكية يلحون على ترامب بقبول الأمر الواقع، ولكن تأبى شخصية ترامب ذلك. ويدرك الخليج هذه الحقائق، ولذلك ينتهز تراجع أمريكا ونفوذها في الخليج، ويصبح ساحة للمكاسب الإيرانية، ظنًا منه أنَّ إيران هي التي ستحمي مصالحه. ولن يحمي مصالح الخليج إلا مصر والأمن القومي العربي غالبًا.
والصراع الإيراني الأمريكي له دروس كثيرة، منها:
أولًا: تشير مراكز البحوث الأمريكية إلى أن ترامب وقع في الفخ الذي تجنبه كيندي في خليج الخنازير عام 1961. ومؤدى ذلك أن ترامب دخل مُغامرة إيران دون أن يعرف خطة للخروج منها.
ثانيًا: ترامب ضحى بالمصالح الأمريكية لمصلحة إسرائيل.
ثالثًا: السياسة الأمريكية عمومًا قصيرة النظر، لأنها قضت على صدام حسين الذي كان يحدث توازنًا مع إيران.
رابعًا: بسبب إسرائيل ورئيس الموساد، التبس على ترامب عدد من الحقائق والأوهام.
الحقيقة الأولى أن إيران هي فارس التي كانت دولة عظمى في الشرق، والروم كانوا الدولة الأخرى في الغرب.
والحقيقة الثانية أن الفرس يختلفون عن العرب، فبسطت إسرائيل الموقف لترامب، فالعرب يمكن أن يخضعوا لأمريكا وإسرائيل، ولكن الفرس، خاصة وهم يدافعون عن الإسلام والمسلمين، لديهم عزة الإسلام، كما قال وزير الحرب الأمريكي، لذلك مشكلة أمريكا مع إيران هي الإسلام.
أما الحقيقة الثالثة أن إسرائيل صورت لترامب أن اغتيال القيادات الإيرانية العسكرية والأمنية والسياسية من الصف الأول والثاني كفيل بإسقاط النظام الإيراني، وهي لا تفهم أن النظام الإيراني من الشعب، لا يسقطه إلا الإيرانيون.
والحقيقة الرابعة أن أمريكا تصورت خطأ أن الضغط الاقتصادي يمكن أن يثير الشارع الإيراني ضد النظام، وهم لا يدركون أن الشعب الإيراني في أزمته يزداد تمسكًا بنظامه، ولذلك سوف تفشل أمريكا في حربها الاقتصادية على إيران.
بينما الحقيقة الخامسة أن الشعب الإيراني في جزء منه كان ضحية الموساد والمخابرات الأمريكية، ولكن الحكومة الإيرانية طبقت القانون في مواجهة المتمردين العملاء، ولوحت أمريكا بالمساندة لهؤلاء المتمردين.
وكلما اقتربت أمريكا من الشعب الإيراني، حرصت الحكومة على تشديد قبضتها على هذا الشعب، متجاهلة تباكي أمريكا وإسرائيل على حقوق الإنسان، وهي شعارات زائفة.
خامسًا: أن أمريكا لم تفطن بأن الصراع مع إيران جاء عقب إبادة غزة، بعد أن اكتشف العالم كله حقيقة إسرائيل وعلاقتها بأمريكا، وطالبت بعض الدوائر الغرب بمحاكمة نتنياهو وترامب، وقد عكست كلمات الوفود في الجمعية العامة هذه الحقيقة، وأبرزها كلمة الرئيس أردوغان وإجراءات عمدة نيويورك الذي استعد للقبض على نتنياهو مجرم الحرب وتسليمه للجنائية الدولية.
الغريب أن ترامب يعترف بأن إجراءاته ضد إيران تنفيذ لرغبات نتنياهو، ظنًا منه أن بهذا الاعتراف يمكن أن ينقذه اللوبي الصهيوني من السقوط، ولا يعلم سقوط اللوبي الصهيوني وضعفه بدليل نتائج الانتخابات التمهيدية للكونجرس، حيث سقط معظم مرشحي الصهيونية العالمية، بينما فاز المسلمون الذين هم من أصول عربية وآسيوية.
وفي هذا إشارة إلى هزيمة اللوبي الصهيوني مرتين، فهو أضعف من أن يسند ترامب، ثم إن هذا اللوبي تراجع أمام زخم الإسلام والمسلمين. ونذكر أن 11 سبتمبر عام 2001 عقب سقوط الاتحاد السوفييتي كانت فضيحة مدوية للقوة الأمريكية التي حاولت أن تستغل المناسبة المشبوهة لمحاربة الإسلام والمسلمين. والعجيب أنه بعد مرور ربع قرن على هذه الحادثة لم يعترف أي مسؤول أمريكي بالحقيقة.
والخلاصة أن الصراع بين إيران وأمريكا لم تحقق أمريكا ولم تحدد أهدافه، ولا تعلم خطة للخروج منه، وخسرت أوروبا التي تمردت عليها دولها بسبب إسرائيل، ولذلك فإن دروسًا كثيرة يمكن تسجيلها من هذا الصراع.
** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا
