د. مجدي العفيفي
،،،،
(1) إمبراطورية معلّقة على الرف
حين تحدّث الرئيس الصيني عن أن العرب والمسلمين يفترض أن يكونوا قوة عظمى، لم يكن المعنى الذي يستوقفنا في هذه الفكرة مجرد رأي سياسي عابر، ولا مجاملة دبلوماسية تقتضيها علاقات الدول، بل هو المفارقة الهائلة بين ما تمتلكه هذه الأمة من مقومات القوة، وما انتهت إليه من واقع لا يتناسب مع حجم إمكاناتها.
فلنتأمل الخريطة قليلًا.
من المحيط الأطلسي إلى جنوب شرقي آسيا، تمتد رقعة واسعة من العالم العربي والإسلامي، تتوزع فيها الثروات الطبيعية، وتتنوع المناخات والموارد، وتلتقي فيها طرق التجارة القديمة والحديثة، وتجاور أهم الممرات البحرية التي تعبرها حركة الاقتصاد العالمي.
وفي هذه الرقعة وما يتصل بها من فضاءات بشرية واقتصادية، يعيش أكثر من مليار ونصف المليار إنسان، يحملون لغات وثقافات وتقاليد علمية وحضارية متنوعة، ويشكلون قوة بشرية هائلة لو أُحسن تنظيمها وتوجيه طاقاتها.
وتحت أقدام هذه الشعوب وفوق أراضيها ثروات من النفط والغاز والمعادن والأراضي الزراعية والموارد البحرية، فضلًا عن إمكانات هائلة في الطاقة الشمسية والرياح، وعن أسواق واسعة تستطيع أن تكون قاعدة لصناعة متقدمة وتجارة مزدهرة وتكامل اقتصادي حقيقي.
(2) قطب لا شريك...
هذه ليست مجرد أرقام تُستعرض في المؤتمرات، ولا مزايا جغرافية تُذكر في كتب السياسة، بل هي عناصر قوة كان يمكن أن تجعل من العالم العربي والإسلامي قطبًا مؤثرًا في الاقتصاد العالمي، وشريكًا لا يمكن تجاوزه في صياغة القرارات الدولية، وقوة قادرة على حماية مصالح شعوبها والمشاركة في رسم مستقبل العالم.
لكن المفارقة أن هذه الإمبراطورية الممكنة لا تزال معلّقة على الرف؛ حاضرة في الخرائط، وفي الأرقام، وفي حسابات الخبراء، وغائبة، بدرجات متفاوتة، عن ميادين الإنتاج العلمي والتكنولوجي والتكامل الاقتصادي والتأثير السياسي المستقل.
إنها قوة تمتلك كثيرًا من عناصر الوجود، لكنها لم تستكمل شروط الفعل.
وليس المقصود بالإمبراطورية هنا أن تعود الأمة إلى عصور الفتح والسيطرة على الآخرين، أو أن تستبدل تبعية بتبعية، بل أن تبلغ من القوة ما يحمي استقلالها، ويصون كرامة شعوبها، ويمنحها القدرة على اتخاذ قراراتها، ويجعلها شريكًا في الحضارة الإنسانية، لا مجرد سوق لمنتجات الآخرين، أو مصدر للمواد الخام، أو ساحة تتصارع فوقها القوى الإقليمية والدولية.
فالقوة الحقيقية لا تعني إخضاع الآخرين، وإنما امتلاك القدرة على حماية الذات، وإنتاج المعرفة، وصناعة الثروة، وإقامة العدل، والمشاركة في بناء عالم أكثر توازنًا.
(3) أين ذهبت هذه القوة؟
ليس من الإنصاف أن نحمّل الاستعمار وحده مسؤولية كل ما انتهت إليه أوضاعنا، وإن كان الاستعمار قد أدى دورًا بالغ الخطورة في تفكيك المنطقة، ونهب مواردها، وإعادة رسم حدودها، وإقامة ترتيبات سياسية واقتصادية خدمت مصالحه. فقد ترك وراءه دولًا مثقلة بالتبعية، واقتصادات مشوهة، ومجتمعات دفعت أثمانًا باهظة من دمائها واستقرارها ومواردها.
غير أن التاريخ لا يعفينا من مسؤولية الحاضر، ولا يجوز أن يتحول الماضي إلى تفسير أبدي لكل إخفاق، مهما كان حجم أثره.
لقد مضت عقود طويلة على استقلال معظم الدول العربية، وتراكمت خلالها ثروات هائلة، وظهرت جامعات ومؤسسات ومراكز علمية، وتوافرت فرص واسعة لبناء اقتصاد إقليمي متكامل. ومع ذلك، لم يتحقق من هذه الإمكانات ما يتناسب مع حجمها، وظلت مساحات واسعة من العالم العربي والإسلامي تعاني ضعف الإنتاج، وتفاوت التنمية، والاعتماد على الخارج في مجالات استراتيجية.
لقد أُنفقت أموال طائلة، وعُقدت اتفاقات كثيرة، وأُعلنت مشروعات كبرى، لكن السؤال الذي ظل يطارد التجربة هو: لماذا لم تتحول الثروة إلى استقلال اقتصادي، ولم يتحول العدد إلى قوة علمية، ولم تتحول الجغرافيا إلى شبكة مصالح مشتركة؟
(4) النفط والتكنولوجيا والجيوش
إن امتلاك النفط لا يعني امتلاك التكنولوجيا التي تستخرجه وتطوره وتحوّله إلى منتجات عالية القيمة.
وامتلاك المال لا يعني امتلاك القدرة على توظيفه في بناء صناعة وطنية متقدمة. وامتلاك الجامعات لا يعني بالضرورة امتلاك منظومة بحث علمي قادرة على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى ابتكار.
أما امتلاك الجيوش، فلا يكفي وحده لصناعة الأمن إذا ظل القرار الاستراتيجي مرتهنًا، أو غابت الرؤية التي تربط القوة العسكرية بأهداف وطنية واضحة.
هنا تبدأ المأساة الحقيقية: حين تصبح الثروة وسيلة للاستهلاك بدل أن تكون قاعدة للإنتاج، وحين يُستورد العقل التقني بدل أن تُبنى البيئة التي تنتجه، وحين تتحول الدولة إلى مشترٍ دائم لما يصنعه الآخرون، حتى في المجالات التي تستطيع، بالتخطيط والاستثمار والصبر، أن تطور فيها قدراتها الذاتية.
ولعل أخطر صور هدر القوة أن بعض الدول التي تمتلك موارد مالية ضخمة لا تزال تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الخارج في الغذاء والتكنولوجيا والصناعات الاستراتيجية، بينما تتباين قدرتها على تحويل الأموال إلى معرفة ومؤسسات إنتاجية مستقلة.
ولا يعني ذلك أن الاستيراد أو الاستثمار الخارجي عيب في ذاتهما، فهما جزء طبيعي من الاقتصاد العالمي، وإنما تكمن المشكلة في الاعتماد الذي لا يصاحبه بناء للقدرات المحلية، وفي الشراكات التي لا تنتهي إلى نقل المعرفة وتوسيع الإنتاج.
(5) الثروة التي لا تتحول إلى قوة
تتجلى هذه المفارقة بوضوح في موارد الطاقة. فقد منحت الثروات النفطية والغازية عددًا من الدول العربية مكانة مهمة في الاقتصاد العالمي، ووفرت لها عوائد مالية واسعة.
وكان يمكن لهذه العوائد أن تكون أساسًا لنهضة صناعية وعلمية متكاملة، تنشئ أجيالًا من الباحثين والمهندسين، وتؤسس صناعات متقدمة، وتدعم الأمن الغذائي والمائي، وتخلق فرص العمل، وتفتح أمام الشباب أبواب المستقبل.
وقد تحققت بالفعل إنجازات تنموية مهمة في بعض البلدان، ولا يصح إنكارها أو اختزال تجاربها في الإخفاق.
لكن ما زال التحدي الأكبر قائمًا: كيف تتحول الثروة الطبيعية إلى قدرة إنتاجية تستمر حتى حين تتراجع أسعار الموارد أو تتغير ظروف الأسواق العالمية؟
فالدولة القوية ليست التي تستطيع شراء حاجاتها فحسب، بل التي تمتلك قدرة متنامية على إنتاج جزء متزايد منها، وتطوير التكنولوجيا المرتبطة بها، وتدريب أبنائها على صناعتها وصيانتها، وبناء مؤسسات تستطيع المنافسة والابتكار.
ومن هنا، فإن السؤال ليس كم نملك من المال، بل ماذا نصنع بهذا المال؟ وليس كم نستورد، بل ماذا نتعلم من الاستيراد؟ وليس كم نعلن من المشروعات، بل كم مشروعًا يتحول إلى إنتاج حقيقي، ومعرفة متراكمة، وفرص عمل مستقرة، وقيمة مضافة تبقى داخل الاقتصاد الوطني.
وللسردية بقية.. إذا كان في العُمر بقية!
