محمد بن سلطان الساعدي
يعود هذا العنوان مجددًا إلى قراء جريدة الرؤية العُمانية، بعد أن كتبه الصحفي والمناضل اللبناني عبد الغني العريسي عنوانًا لافتتاحية في صحيفة «لسان العرب» عام 1913. وها هو يعود اليوم، بعد مرور أكثر من قرن على تلك السنوات البعيدة، لا لنكرر ما كُتب في ذلك الزمن، ولا لنستعيد ظروفه وأحداثه، وإنما لنستحضر من العنوان روحه القومية العربية، وما تحمله كلماته من معانٍ تدعونا إلى التأمل في واقعنا العربي، وإلى التساؤل عن المسافة التي تفصلنا عما يجمعنا من تاريخ ولغة وثقافة وروابط إنسانية.
لقد شدني هذا العنوان بما يحمله من إحساس بالانتماء إلى أمة واحدة، وبما يفتحه من باب للحديث عن حاجتنا اليوم إلى أن نقترب من بعضنا بعضًا، وأن نعيد الاعتبار للمحبة والتفاهم والاحترام المتبادل بين الشعوب العربية. فالعروبة ليست كلمة نرددها في المناسبات، ولا شعارًا نرفعه حين تتفق مواقفنا، ثم ننساه عندما تختلف آراؤنا. إنها قبل ذلك وبعده مساحة واسعة من المشتركات الإنسانية والثقافية والتاريخية، تجمع العربي بأخيه العربي، مهما تباعدت المسافات واختلفت الظروف وتنوعت التجارب.
ولأن لكل زمن أسئلته وتحدياته، فإن مقالتنا هذه تختلف في مضمونها عن الافتتاحية التي حملت العنوان في عام 1913. نحن نعود إلى الكلمات نفسها، لكننا نخاطب واقعًا عربيًا جديدًا، تتسارع فيه الأحداث، وتتداخل فيه وسائل التواصل، وتصل فيه الكلمة إلى ملايين الناس في لحظات قليلة. وهذا ما يجعل مسؤولية الكلمة اليوم أكبر، ومسؤولية الكاتب والصحفي والإعلامي أكثر أهمية؛ فالكلمة يمكن أن تقرّب المسافات وتفتح أبواب الحوار، كما يمكن أن توسع الخلافات إذا خرجت من دائرة العقل والاحترام إلى دائرة التجريح والإساءة.
ما أحوجنا اليوم إلى أن نستعيد تلك الروابط التي ظلت قائمة بين العرب رغم ما مرّت به بلدانهم من أحداث واختلافات. فالشعوب لا تُختصر في خلاف سياسي، ولا تُقاس علاقتها ببعضها بما يحدث في لحظة عابرة. هناك ذاكرة مشتركة، وبيوت عربية عاشت فيها أجيال على المحبة، وصداقات نشأت بين أبناء البلدان المختلفة، وأسر امتدت صلاتها عبر الحدود، وطلاب جمعهم العلم، ومثقفون جمعهم الكتاب، وصحفيون جمعتهم المهنة وهم يتابعون الأحداث وينقلونها إلى الناس. وهذه الروابط لا ينبغي أن تختفي خلف تعليق غاضب أو منشور يثير الخصومة بين شعبين.
وقد استحضرتُ في هذا السياق ما نُقل عن الإعلامي المصري الكبير خليل فهمي، حين ذهب إلى لبنان عام 1988 لتغطية الأحداث لصالح جريدة الأهرام المصرية، وما أدركه من أن الخلافات بين العرب، على شدتها، لا تلغي وجود روابط عميقة بينهم. وتبقى هذه الفكرة جديرة بالتأمل؛ لأن من يقترب من حياة الناس ويعايش ظروفهم يدرك أن العلاقات الإنسانية أوسع من الصور التي قد ترسمها الأخبار العاجلة أو المواقف المتباينة؛ فالناس في نهاية الأمر يتطلعون إلى الأمن والاستقرار والعيش الكريم، ويريدون لأبنائهم مستقبلًا أفضل، ويبحثون عن فرص العمل والتعليم والحياة الآمنة، وهي تطلعات تتشارك فيها المجتمعات العربية على اختلاف أوضاعها.
ومن هنا، فإن دعوتنا إلى التقارب لا تعني أن نتجاهل اختلافاتنا، أو أن نطلب من الجميع تبني رأي واحد في كل قضية؛ فالاختلاف أمر طبيعي بين الدول والمجتمعات، ولكل بلد ظروفه وأولوياته وتجربته الخاصة. لكن المهم هو أن نتعلم كيف ندير اختلافنا من دون أن يتحول إلى عداوة بين الشعوب، وأن نميز بين نقد موقف أو مناقشة سياسة وبين الإساءة إلى وطن بأكمله أو الانتقاص من شعبه. وليس من الحكمة أن نسمح لخلاف في وجهات النظر بأن يمحو سنوات من الأخوة والتعاون، وليس من الإنصاف أن نحكم على ملايين الناس بسبب موقف فرد أو حساب مجهول أو تعليق كُتب في لحظة انفعال.
ولعل من أكثر ما يحتاج إلى وقفة جادة في واقعنا اليوم ما نشاهده في بعض منصات التواصل الاجتماعي من تلاسن وتبادل للاتهامات، ومحاولات لإثارة الحساسية بين أبناء البلدان العربية. ففي هذه المنصات مساحة واسعة للحوار وتبادل المعرفة، لكنها قد تتحول أحيانًا إلى ساحة للصراع اللفظي، حين تُستخدم الكلمات لإهانة الآخرين أو تأجيج الخلافات أو نشر معلومات لا تستند إلى مصادر موثوقة. وقد يجد المرء نفسه أمام حساب لا يعرف صاحبه، ولا يدري إن كان يعبر عن رأي حقيقي أم يسعى إلى إثارة الجدل، ومع ذلك ينجر إلى معركة كلامية قد تمتد آثارها إلى أشخاص لم يكن بينهم أي خلاف في الأصل.
إنَّ العقل العربي مدعوٌ اليوم إلى التعامل مع هذه الممارسات بوعي ومسؤولية. وليس المطلوب أن نصمُت عن الخطأ، أو أن نتخلى عن حقنا في إبداء الرأي، وإنما أن نمارس هذا الحق بقدر من الحكمة والاحترام، وأن نتحقق من الأخبار قبل نشرها، وألا نسمح للاستفزاز بأن يقودنا إلى الإساءة. فليس كل ما يُكتب يستحق الرد، وليس كل خلاف يحتاج إلى معركة، وليس كل حساب على منصات التواصل يمثل شعبًا أو دولة. وقد يكون أفضل رد على بعض محاولات الاستفزاز هو عدم منحها ما تبحث عنه من انتشار، مع الاستمرار في الحوار الهادئ حين يكون الحوار ممكنًا ومفيدًا.
وهنا تبرز مسؤولية الأقلام العربية الشريفة، من المحيط إلى الخليج، في أن تكون جزءًا من الحل، لا جزءًا من المشكلة؛ فالقلم الذي يكتب في صحيفة، أو ينشر مقالًا، أو يقدم برنامجًا إذاعيًا أو تلفزيونيًا، أو يتحدث إلى جمهوره عبر منصات التواصل، يمتلك فرصة للتأثير في طريقة فهم الناس لما يجري حولهم. وهذه الفرصة تفرض عليه واجبًا أخلاقيًا ومهنيًا، يتمثل في نقل الوقائع بدقة، واحترام الشعوب، وتجنب التعميم، وفتح المجال أمام النقاش الذي يساعد على الفهم بدلًا من النقاش الذي لا ينتج سوى الخصومة.
إننا بحاجة إلى مبادرة ثقافية وإعلامية عربية تعيد الاعتبار إلى لغة الحوار، وتمنح مساحة أكبر للموضوعات التي تجمعنا. لماذا لا تتعاون الصحف العربية في نشر مقالات مشتركة عن الثقافة والتاريخ والتعليم والتنمية؟ ولماذا لا تتبادل البرامج الإعلامية استضافة الكُتّاب والمفكرين من مختلف البلدان، ليتحدثوا عن تجاربهم وأفكارهم بعيدًا عن ضجيج السجالات؟ ولماذا لا يخصص المثقفون والإعلاميون جزءًا من جهودهم للتعريف بالمنجزات العربية، وتسليط الضوء على المبادرات الناجحة، وتشجيع الشباب على معرفة بلدانهم العربية والتواصل مع نظرائهم فيها؟
وهذه الأفكار ليست بعيدة المنال، ولا تحتاج إلى اتفاق على كل القضايا حتى تبدأ. فقد يكون مقال واحد سببًا في تصحيح فكرة خاطئة، وقد تفتح مقابلة إعلامية نافذة للتعرف إلى مجتمع لم يعرفه المشاهد من قبل، وقد تسهم مبادرة ثقافية صغيرة في بناء علاقة تستمر سنوات. وما نحتاج إليه هو أن نمنح هذه الجهود اهتمامًا مستمرًا، وألا نترك المجال كله للأصوات المرتفعة التي تجد في الخلاف مادة سهلة للانتشار.
كما أن مسؤولية التقارب لا تقع على الصحفيين وحدهم، بل تشمل المؤسسات الثقافية والتعليمية، والمنتديات الأدبية، والجمعيات المهنية، والشباب الذين يستخدمون المنصات الرقمية كل يوم. فكل واحد منا يستطيع أن يبدأ من محيطه، بأن يحترم أخاه العربي، وأن يتعرف إلى ثقافته، وأن يتجنب نشر ما يسيء إليه، وأن يرفض تحويل الاختلاف إلى مناسبة للتقليل من شأن الآخرين. فالوحدة التي نتحدث عنها لا تبدأ بالضرورة من الاجتماعات الكبيرة والبيانات الرسمية، بل يمكن أن تبدأ من طريقة حديثنا، ومن الكلمات التي نختارها، ومن استعدادنا للاستماع إلى رأي مختلف من دون أن نفقد احترامنا لصاحبه.
ولا يعني الحديث عن العروبة أن نتجاهل خصوصية كل بلد أو أن نقلل من شأن هوياته الوطنية. على العكس، فإن احترام الأوطان العربية وسيادتها وتنوع مجتمعاتها هو أساس أي تقارب حقيقي. فلكل دولة تجربتها التي تستحق الفهم، ولكل شعب ما يعتز به من تاريخ وثقافة وإنجازات. وما يجمعنا لا يلغي هذا التنوع، بل يمنحنا فرصة للتعرف إليه والاستفادة منه. ويمكن للعربي أن يعتز بوطنه، ويعمل من أجل تقدمه، وفي الوقت نفسه يفرح لنجاح بلد عربي آخر، ويتعاطف مع شعب يمر بظروف صعبة، ويتمنى الخير للجميع من دون أن يرى في ذلك انتقاصًا من انتمائه الوطني.
إن ما يجمع العرب أكبر من أن تحصره خلافات عابرة، وأعمق من أن تمحوه كلمات قاسية تُكتب على شاشة هاتف. تجمعنا اللغة التي نحمل بها ذاكرتنا، والثقافة التي تناقلتها الأجيال، والأدب الذي قرأناه، والأغاني التي عرفناها، والحكايات التي سمعناها من آبائنا وأمهاتنا. وتجمعنا أيضًا طموحات متشابهة في بناء مجتمعات أكثر استقرارًا وازدهارًا، وفي توفير حياة أفضل لأبنائنا. وهذه المشتركات ليست بديلًا عن معالجة القضايا الصعبة، لكنها تمنحنا أرضية إنسانية نستطيع من خلالها أن نختلف ونتحاور ونبحث عن المصالح المشتركة.
ومن المهم كذلك أن نمنح الأجيال الجديدة صورة متوازنة عن محيطها العربي. فالشاب الذي يتابع الأخبار والتعليقات كل يوم قد يظن أن الخلاف هو الصورة الوحيدة للعلاقات العربية، إذا لم يجد أمامه ما يكفي من النماذج التي تعكس التعاون والتضامن والتبادل الثقافي. لذلك فإن الإعلام والتعليم والأسرة جميعها مطالبة بأن تقدم صورة واقعية، لا تقوم على المثالية المفرطة ولا على التشاؤم الدائم، بل تعرف الشباب بما تحقق من إنجازات، وتساعدهم على فهم التحديات، وتغرس فيهم احترام الآخرين والإيمان بأن التعاون قادر على فتح فرص جديدة.
ولعل أجمل ما يمكن أن تقدمه الأقلام العربية في هذه المرحلة هو أن تتعامل مع المحبة باعتبارها ممارسة يومية، لا مجرد كلمة جميلة في ختام المقالات؛ فالمحبة تظهر حين ننصف الآخرين، وحين نذكر إنجازاتهم كما نذكر إنجازاتنا، وحين نرفض الإساءة إلى الشعوب، وحين نتحرى الدقة قبل نشر الأخبار، وحين نعطي أصحاب الرأي المختلف فرصة لشرح مواقفهم. وتظهر أيضًا عندما نختار أن نكتب عن مشروع ناجح في بلد عربي، أو عن مبادرة إنسانية تستحق التقدير، أو عن شخصية ساهمت في خدمة مجتمعها، لأن معرفة الجوانب المضيئة في حياة الآخرين تساعد على بناء الاحترام المتبادل.
إن دعوتي اليوم إلى الكُتّاب والصحفيين والإعلاميين والمثقفين العرب هي أن نجعل من أقلامنا مساحة للتقارب، وأن نعيد إلى الكلمة دورها في بناء الجسور بين الناس. لسنا مطالبين بأن نكتب جميعًا بالطريقة نفسها، ولا أن نتفق على كل رأي، ولكننا نستطيع أن نتفق على أن كرامة الإنسان العربي تستحق الاحترام، وأن الإساءة الجماعية لا تصنع حلًا، وأن الحوار المسؤول أفضل من الخصومة التي لا تترك وراءها سوى مزيد من الشكوك. وإذا كان لكل منا جمهوره ومنبره وتجربته، فإن اجتماع هذه الجهود يمكن أن يصنع أثرًا طيبًا، ولو بدأ بخطوات صغيرة.
ولن تكون عودة المحبة العربية مسؤولية طرف واحد، كما لن تتحقق في يوم وليلة. إنها طريق يحتاج إلى الصبر، وإلى مبادرات متواصلة، وإلى مراجعة صادقة لطريقة حديثنا عن بعضنا. لكن البداية ممكنة، حين ندرك أن اختلافنا لا يمنعنا من التعاون، وأن احترامنا لأوطاننا لا يتعارض مع احترام بقية الأوطان، وأن نجاح العربي في أي مكان يمكن أن يكون مصدر فخر وأمل لأخيه العربي في مكان آخر.
أعود في ختام هذه المقالة إلى العنوان الذي استوقفني قبل أن أبدأ الكتابة: «باسم العرب نحيا وباسم العرب نموت». لقد عاد إلينا من صفحات صحيفة «لسان العرب» في عام 1913، ليمنحنا اليوم فرصة جديدة للتفكير في معنى الانتماء، وفي مسؤوليتنا تجاه حاضرنا ومستقبلنا. ولا أستعيده هنا بوصفه عبارة للمبالغة أو دعوة إلى تجاهل واقعنا، بل باعتباره تذكيرًا بأن بين العرب روابط تستحق الرعاية، وأن هذه الروابط يمكن أن تكون مصدر قوة حين تقوم على الاحترام والتعاون والوعي.
فلنجعل من هذا العنوان دعوة إلى الحياة والعمل والبناء، وإلى أن نمنح أبناءنا مستقبلًا تتسع فيه فرص المعرفة والتعاون، وتقل فيه مساحات الكراهية وسوء الفهم. ولتكن أقلامنا، من المحيط إلى الخليج، أقلامًا تعرف كيف تنتقد من دون تجريح، وكيف تختلف من دون خصومة، وكيف تدعو إلى الإصلاح من دون أن تسيء إلى شعب أو تنتقص من وطن. فالعرب لا يحتاجون إلى مزيد من الكلمات التي تفرقهم، بقدر حاجتهم إلى كلمات صادقة تذكرهم بما يجمعهم، وإلى أعمال تثبت أن الأخوة ليست مجرد ماضٍ نتغنى به، بل مسؤولية نحملها في حاضرنا.
باسم العرب نحيا، وباسم القيم التي تجمعنا نكتب ونتحاور ونعمل، وبالمحبة والاحترام نستطيع أن نفتح أبوابًا جديدة للتقارب، وأن نترك للأجيال القادمة إرثًا من التفاهم بدلًا من الخصومة. تلك هي الرسالة التي أتمنى أن تصل إلى كل قلم عربي يؤمن بأن الكلمة أمانة، وأن الإنسان العربي، أينما كان، يستحق أن يرى في أخيه سندًا وشريكًا في الأمل، لا خصمًا تصنعه خلافات اللحظة.
