غزة - الوكالات
تفاقمت الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة مع تأثير أول منخفض جوي على القطاع خلال الموسم الحالي، إذ تسببت الأمطار الغزيرة والرياح في غرق عشرات آلاف الخيام ومراكز الإيواء، وإلحاق أضرار واسعة بممتلكات النازحين، وسط تحذيرات من كارثة إنسانية مع اقتراب فصل الشتاء واستمرار النقص الحاد في مستلزمات الإيواء ومعدات الإنقاذ.
وقالت السلطات المحلية في غزة، السبت، إن تداعيات المنخفض الجوي طالت نحو 350 ألف نازح، فيما غمرت مياه الأمطار قرابة 70 ألف خيمة في مناطق متفرقة من القطاع، وفق تقديرات الدفاع المدني، الذي حذر من أن آلاف الأسر باتت دون مأوى آمن يحميها من البرد والأمطار.
أرقام تكشف حجم الكارثة
وتشير تقديرات الدفاع المدني إلى أن تداعيات المنخفض الجوي شملت جميع مراكز الإيواء في القطاع، فيما تلقى الجهاز 2166 نداء استغاثة من عائلات تضررت خيامها جراء الأمطار، لم تتمكن طواقمه من الاستجابة سوى لـ218 بلاغا منها، في ظل محدودية الإمكانات المتاحة.
وفيما يتعلق بالاحتياجات العاجلة، أكد الدفاع المدني أن القطاع بحاجة إلى نحو 300 ألف خيمة لتوفير المأوى للنازحين، بينما قدّر مسؤول في لجنة الطوارئ أن الاحتياجات تشمل أيضا 200 ألف كرفان، في وقت قدرت فيه وزارة التنمية الاجتماعية الحاجة إلى 200 ألف خيمة و300 ألف شادر لاستبدال الخيام المهترئة وتوفير الحماية للأسر المتضررة.
وأدت الرياح والأمطار إلى انهيار ثلاثة منازل جزئيا في مخيم النصيرات وسط القطاع، دون تسجيل إصابات، كما انهار سقف منزل في حي الزيتون بمدينة غزة. وحذر الدفاع المدني من أن أكثر من ألفي مبنى متضرر وآيل للسقوط معرضة للانهيار، ما لم تتوفر المعدات اللازمة للتعامل معها.
وفي مدينة غزة، بلغت كميات الأمطار نحو 60 مليمترا، بحسب البلدية، أي ما يعادل قرابة 15% من المعدل السنوي للأمطار، فيما تراوح ارتفاع المياه التي غمرت مخيمات النازحين في دير البلح بين نصف متر ومتر، وفق مراسلين ميدانيين.
وقدّر المكتب الإعلامي الحكومي الخسائر الأولية الناجمة عن المنخفض الجوي بنحو 3 ملايين دولار، في وقت انتشرت فيه 30 فرقة ميدانية للدفاع المدني للتعامل مع البلاغات الطارئة.
خيام غارقة وغياب المأوى البديل
وتحولت مخيمات النزوح إلى برك مائية، بعدما تسربت مياه الأمطار إلى الخيام المصنوعة من الشوادر البلاستيكية والأقمشة البالية، وأتلفت الفراش والأغطية والملابس ومقتنيات العائلات، ما دفع آلاف الأسر إلى مغادرتها والبحث عن أماكن أكثر أمانا، في ظل غياب البدائل.
وقال مدير الدفاع المدني في محافظة غزة رائد الدهشان إن ضعف الإمكانات وغياب معدات الإنقاذ ومستلزمات الإيواء يحولان دون التعامل مع حجم الأضرار، موضحا أن الخيام القائمة لم تعد توفر الحماية اللازمة للسكان من الأمطار والبرد.
وأضاف أن طواقم الدفاع المدني رصدت تسرب المياه إلى داخل الخيام، التي تؤوي أطفالا ومرضى وأشخاصا مبتوري الأطراف، مشيرا إلى أن بعض المنازل المتضررة من القصف أصبحت مهددة بالانهيار بفعل الأمطار والرياح، مع تساقط كتل إسمنتية على السكان والخيام المجاورة.
وأكد الدهشان أن الجهاز لا يمتلك حاليا خياما أو شوادر لإيواء المتضررين، وأن مهامه تقتصر على إنقاذ الأرواح وإجلاء السكان من المواقع الخطرة، مطالبا بإدخال الخيام والكرفانات ومواد البناء ومعدات الإنقاذ وسيارات الإطفاء بصورة عاجلة.
مخاطر إضافية في المناطق الساحلية
وفي جنوب القطاع، تواجه مخيمات النزوح في منطقة المواصي غرب خان يونس مخاطر متكررة نتيجة تجمع مياه الأمطار وتشبع التربة، فضلا عن تعرض الخيام القريبة من الشاطئ للرياح والأمواج والمد والجزر.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 125 ألف عائلة تقيم في خيام بمحاذاة الشريط الساحلي، ما يجعلها عرضة لمخاطر انجراف الخيام وتضررها مع اشتداد الأحوال الجوية.
كما تسببت الأمطار في تعطيل العملية التعليمية داخل عدد من مراكز التعليم المؤقتة المقامة في الخيام، بعدما غمرت المياه الفصول وأتلفت الكتب والوسائل التعليمية، وحولت ساحات المدارس إلى برك من الطين.
وفي ميناء غزة، امتدت التداعيات إلى الجانب البيئي، مع اختلاط مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي، في ظل تضرر شبكات البنية الأساسية جراء الحرب، ما يزيد المخاوف من انتشار الأمراض والأوبئة بين النازحين.
تحذيرات صحية وتعليمية
وتتفاقم المخاطر الصحية مع تعرض الأطفال والرضع وكبار السن للبرد والرطوبة داخل خيام لا توفر الحد الأدنى من الحماية، فضلا عن اختلاط مياه الأمطار بمياه الصرف الصحي والمياه العادمة.
وحذر وزير الصحة الفلسطيني ماجد أبو رمضان من تزايد المخاطر الصحية والبيئية التي تهدد النازحين مع بداية فصل الشتاء، مشددا على ضرورة إدخال مساعدات إيواء عاجلة تشمل خياما مقاومة للأمطار ومساكن مؤقتة ومواد للتدفئة.
من جانبها، قالت وزارة التربية والتعليم في غزة إن الأطفال يواصلون الدراسة في ظروف إنسانية صعبة، بعدما تسببت الأمطار في غرق الخيام التعليمية وإتلاف الكتب والمستلزمات الدراسية.
وفي السياق ذاته، حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من عدم كفاية مخزون إمدادات الطوارئ في القطاع لتلبية احتياجات الأسر المتضررة من الأمطار الغزيرة، مطالبا بإدخال الإمدادات الشتوية بصورة عاجلة.
كما شددت المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في غزة أماني الناعوق على حاجة السكان إلى حلول إيواء مستدامة تنهي معاناتهم المتكررة مع كل موسم للأمطار.
مطالبات بفتح المعابر وإدخال المساعدات
وطالب الدفاع المدني والمنظمات الإنسانية المجتمع الدولي والدول الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار والجهات المعنية بإدارة القطاع بالتدخل العاجل، وفتح ممرات إنسانية تسمح بإدخال الخيام والكرفانات والمعدات اللازمة لإنقاذ السكان والتعامل مع آثار المنخفض الجوي.
وتأتي هذه التداعيات في وقت يعيش فيه نحو 2.4 مليون فلسطيني أوضاعا إنسانية بالغة الصعوبة، وسط تضرر البنية الأساسية ونقص المأوى والخدمات الأساسية، واستمرار آثار الحرب الإسرائيلية على القطاع.
وتشير أحدث بيانات وزارة الصحة في غزة إلى سقوط 1610 شهداء ونحو 6 آلاف جريح منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ما يعكس استمرار التحديات الإنسانية والصحية التي يواجهها السكان، بالتزامن مع دخول موسم الشتاء.
