جان يعقوب جبور
الطب والإعلام يبدوان للوهلة الأولى مجالين مختلفين: الأول يهتم بتشخيص المرض وعلاجه والوقاية منه، والثاني يهتم بنقل المعلومات إلى الجمهور وصناعة النقاش العام. لكن التاريخ يكشف أن العلاقة بينهما كانت دائمًا أعمق من ذلك بكثير. فمنذ أن خرج الطب من فضاء المعرفة المحدودة بين الطبيب والمريض إلى المجال العام أو الصحة العامة، أصبح الإعلام شريكًا أساسيًا في تشكيل صورة المرض، ونشر المعرفة الصحية، والتأثير في سلوك المجتمعات، بل وفي تحديد الطريقة التي تنظر بها الشعوب إلى الأطباء والأخصائيين الصحيين والمؤسسات الصحية والأوبئة والدواء.
قبل ظهور الصحافة الحديثة، كانت المعلومات الطبية تنتقل أساسًا عبر الكتب والمخطوطات والتعليم الشفهي والمؤسسات الدينية والعلمية. وكان انتشار المعرفة بطيئًا ومحدودًا بالقدرة على القراءة والكتابة وبعدد المراكز العلمية. لكن اختراع الطباعة في أوروبا غيّر المعادلة تدريجيًا. أصبح بالإمكان نشر الكتب الطبية على نطاق أوسع، ثم ظهرت المجلات والدوريات المتخصصة التي سمحت للأطباء بتبادل نتائج الملاحظات والتجارب والدراسات. وهكذا لم يعد الطبيب يعتمد فقط على ما تعلمه من أستاذه أو ما راكمه من خبرة شخصية، بل أصبح جزءًا من مجتمع علمي يتبادل المعرفة عبر الحدود.
ومع نشوء الصحافة الجماهيرية في القرن التاسع عشر، دخل الطب مرحلة جديدة. لم تعد المعلومة الطبية موجهة إلى الأطباء وحدهم، بل أصبحت موضوعًا للصحف اليومية والمجلات العامة. الأمراض المعدية، الولادات، النظافة، التغذية، اللقاحات، الكحول، التدخين، الصحة النفسية والحوادث أصبحت موضوعات تهم ملايين القراء. ومع اتساع المدن وظهور الأحياء المكتظة وانتشار الأوبئة، أصبح نقل المعلومات الصحية جزءًا من إدارة الأزمات الصحية نفسها. كان هذا التحول مهمًا بصورة خاصة خلال الأوبئة. فعندما تنتشر عدوى مجهولة أو خطرة، لا يحتاج المجتمع إلى المستشفيات والأطباء فقط، بل يحتاج أيضًا إلى معلومات دقيقة يستطيع الناس فهمها والتصرف على أساسها. أين ينتشر المرض؟ كيف ينتقل؟ ما أعراضه؟ كيف يمكن الوقاية منه؟ متى يجب طلب العلاج؟ وما الإجراءات التي ينبغي اتخاذها في الأماكن العامة؟ هذه الأسئلة تجعل الإعلام جزءًا من منظومة الاستجابة الصحية، لا مجرد ناقل خارجي للأخبار.
لكن العلاقة بين الصحة العامة والإعلام لم تكن دائمًا إيجابية. فالصحافة تستطيع أن تنشر المعرفة، لكنها تستطيع أيضًا أن تنشر الخوف. ويمكن لعنوان مبالغ فيه عن مرض أو وباء أن يخلق حالة من الهلع لا تتناسب مع الخطر الحقيقي. كما يمكن لمعلومة طبية غير دقيقة أن تنتشر خلال ساعات، بينما يحتاج تصحيحها إلى أيام أو أسابيع. ومع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح هذا التحدي أكبر، لأن المعلومة الصحية لم تعد تمر بالضرورة عبر محرر أو صحفي أو مؤسسة علمية قبل وصولها إلى الجمهور. وهنا تظهر مسؤولية مشتركة بين الطبيب والإعلامي. الطبيب يمتلك المعرفة العلمية، لكنه ليس بالضرورة مدربًا على التواصل الجماهيري. والصحفي يمتلك مهارات البحث والتحقيق وصياغة المعلومات، لكنه ليس طبيبًا. وعندما يعمل الطرفان بصورة جيدة، يمكن أن تتحول المعرفة الطبية المعقدة إلى معلومات مفهومة دون التضحية بالدقة العلمية.
ومن أهم التحولات في تاريخ العلاقة بين المجالين ظهور الصحافة الطبية المتخصصة. فقد أصبحت المجلات العلمية وسيلة أساسية لنشر الدراسات والنتائج السريرية، ثم تطورت قواعد التحكيم العلمي والإفصاح عن تضارب المصالح ومعايير البحث الطبي. وبذلك أصبح الإعلام الطبي، بمعناه الواسع، جزءًا من البنية التي تقوم عليها الممارسة الطبية الحديثة. لكن لا يمكن تجاهل الجانب التجاري. فالطب أصبح أيضًا صناعة ضخمة تشمل الأدوية والمستشفيات والأجهزة الطبية والتأمين والخدمات الصحية. ومع ذلك أصبحت وسائل الإعلام سوقًا مهمًا للإعلان الصحي. وهنا نشأت إشكالية دقيقة: متى يكون الإعلام ناقلًا للمعلومة الصحية، ومتى يتحول إلى أداة تسويقية؟
كما لعب الإعلام دورًا مهمًا في تغيير نظرة المجتمع إلى بعض الأمراض. أمراض كانت تُعامل في الماضي باعتبارها موضوعات محرجة أو مرتبطة بالوصمة أصبحت اليوم جزءًا من النقاش العام. الحديث عن السرطان، وفيروس نقص المناعة البشرية، والصحة النفسية، والإدمان، والأمراض المزمنة، وصحة المرأة والرجل، ساهم في كسر جزء من الصمت الاجتماعي الذي كان يحيط بها. وفي هذا المجال، لم يكن الإعلام ناقلًا للتغيير فقط، بل كان في بعض الأحيان أحد العوامل التي ساعدت على حدوثه.
وجاءت جائحة "كوفيد-19" لتكشف بصورة غير مسبوقة حجم العلاقة بين الطب والإعلام. أصبح الجمهور يتابع يوميًا أرقام الإصابات والوفيات، ويتابع تصريحات العلماء والوزارات والمنظمات الصحية، ويناقش اللقاحات والعلاجات وإجراءات الوقاية. وفي الوقت نفسه، انتشرت كمية هائلة من المعلومات الخاطئة والمضللة. وأصبح من الواضح أن إدارة الوباء ليست إدارة للمرض فقط، بل إدارة للمعلومات أيضًا. خلال الأزمات الصحية، تصبح الثقة عاملًا طبيًا بقدر ما هي عامل إعلامي. فإذا فقد المواطن ثقته بالمؤسسات الصحية، قد يرفض اللقاح أو يتجاهل النصائح الوقائية أو يلجأ إلى مصادر غير موثوقة. وإذا فقد ثقته بالإعلام، قد يبحث عن معلوماته من حسابات مجهولة أو مصادر لا تخضع لأي تدقيق. ولذلك فإن بناء الثقة لا يتحقق بكثرة البيانات وحدها؛ بل بالشفافية والاعتراف بعدم اليقين وتصحيح الأخطاء عندما تظهر الأدلة الجديدة.
وهنا يمكن القول إن الطب والإعلام يلتقيان عند مفهوم أساسي هو "المعرفة من أجل الإنسان". فالطبيب يحتاج إلى إعلام يستطيع نقل العلم من دون تشويه، والإعلام يحتاج إلى طب يستطيع شرح العلم بلغة يفهمها الجمهور. وفي عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه الشراكة أكثر تعقيدًا. لم يعد الصحفي ينافس صحفيًا آخر فقط، بل ينافس ملايين المنشورات ومقاطع الفيديو والمعلومات التي تنتجها الخوارزميات والمستخدمون. وقد يكون التحدي الأكبر في السنوات المقبلة هو كيفية الحفاظ على الفرق بين المعلومة الطبية المبنية على الدليل وبين المحتوى الذي يبدو علميًا لكنه لا يستند إلى دليل كافٍ. فليس كل طبيب مؤهلًا للحديث عن كل موضوع، وليس كل شخص يحمل لقبًا علميًا مصدرًا موثوقًا في جميع المجالات، وليس كل دراسة منشورة تعني أن نتيجتها أصبحت حقيقة نهائية. العلم يتطور، والنتائج تتغير، والتوصيات الطبية يمكن أن تتبدل مع ظهور أدلة جديدة.
لذلك يحتاج الإعلام الصحي الحديث إلى صحفيين قادرين على قراءة الدراسات وفهم حدودها، وإلى أطباء وعلماء قادرين على التواصل بوضوح مع الجمهور، وإلى مؤسسات إعلامية تضع الدقة العلمية فوق الإثارة. ويحتاج الجمهور نفسه إلى قدر من الثقافة الصحية والإعلامية يمكنه من طرح السؤال الأهم: من أين جاءت هذه المعلومة، وما الدليل عليها؟ وبين المعرفة ونقلها تقع مسؤولية كبيرة. فالكلمة الإعلامية قد تشجع شخصًا على طلب العلاج في الوقت المناسب، وقد تنقذ حياة عندما تنشر معلومة صحيحة عن الوقاية، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى ضرر إذا نشرت الخوف أو الوهم أو العلاج الزائف.
ولهذا فإن مستقبل العلاقة بين الطب والإعلام لا ينبغي أن يقوم على أن يتحدث الطبيب مكان الصحفي أو أن يتحول الصحفي إلى طبيب، بل على شراكة مهنية واضحة: طبيب يحترم حق الناس في المعرفة، وصحفي يحترم حدود العلم، ومؤسسة إعلامية تحمي الاستقلال التحريري، وجمهور يمتلك القدرة على التمييز بين الدليل والادعاء. عندها يصبح الإعلام امتدادًا للطب الوقائي، وتصبح المعلومة الصحية نفسها جزءًا من الرعاية الصحية، لأن علاج المرض لا يبدأ دائمًا داخل غرفة العمليات أو عيادة الطبيب، بل قد يبدأ أحيانًا من جملة صحيحة تصل إلى الإنسان في الوقت المناسب.
