أقدار الأحمر العُماني مع أسود الرافدين في خليجي 27

حمد الناصري 

في ليلة تساوت فيها دراما الأرقام وأقدار القرعة بين عُمان والعراق، شهد ختام دور المجموعات في بطولة كأس الخليج العربي سيناريو درامياً نادراً، تجسدت فيه عبقرية كرة القدم في أبهى تجلياتها الحسية؛ حيث وضعت تضاريس الأرقام المتنافِسين أمام تساوٍ مطلق ومعجز شلّ ميكانيكية القواعد الرياضية الجافة، ليتحول مصير التأهل من أقدام اللاعبين في المستطيل الأخضر إلى أقدار القرعة اليدوية الفاصلة في فندق إنتركونتننتال بجدة. ويعيد هذا التلاحم العجيب إلى الأذهان تاريخاً طويلاً من الصراع الكروي العريق بين الكرتين العُمانية والعراقية في دورات الخليج، منذ اللقاء الأول الذي جمعهما في الدورة الرابعة بدوحة قطر عام 1976 ، مروراً بالنهائي التاريخي الشهير والمشحون بالوجد الشفهي في البصرة عام 2023.

إن ميزان التحليل السوسيو-رياضي لهذه المواجهة يبرهن على أن طاقة العطاء البشري للفريقين كانت تنبع من أرومة حماسية واحدة، بعد أن تماهيا في كل شيء؛ إذ حصد الأحمر العُماني وأسود الرافدين أربع نقاط لكل منهما، وسجّل كل هجوم أربعة أهداف، واستقبلت شباك كل منهما خمسة أهداف، ليتطابق فارق الأهداف عند سالب واحد، وتتساوى الكفة تماماً في المواجهة المباشرة بالتعادل بهدف لكل شبكة. هذا الاتزان الرقمي النادر هو صدى حقيقي لندية أزلية؛ فالكرة العُمانية التي تجرعت مرارة الخسائر الكبيرة في البدايات أمام عمالقة الجيل العراقي الذهبي في أواخر السبعينيات، عادت لتصنع كبرياءها الخاص بداية من ثلاثية الدورة السابعة عشرة في الدوحة، وصولاً إلى رباعية مسقط الشهيرة عام 2009 التي مهدت لصك اللقب العُماني الأول. 

وتجلت ذروة الإثارة الأنثروبولوجية في اللحظات الأخيرة من مباراة عُمان والكويت؛ فحين أحرز اللاعب العُماني مصعب الشقصي الهدف الثالث الحاسم في الدقيقة الرابعة والثمانين، دفعه الابتهاج العفوي البشري إلى خلع قميصه، ليوجه إليه الحكم بطاقة صفراء طارت بالأفضلية الانضباطية الكاملة التي كانت تنفرد بها سلطنة عُمان. وبسبب هذا الاحتفال البشري العفوي، تعادل المنتخبان تماماً في معيار اللعب النظيف بإجمالي خمس بطاقات صفراء لكل طرف دون وجود أي بطاقة حمراء، مما أجبر اللجنة المنظمة على اللجوء إلى خيار القرعة لحسم وصافة المجموعة رفقة المنتخب السعودي. إن هذا الامتداد الفريد ليس تقليلاً من متانة الأداء الفني، بل هو انتصار لدراما الوجود الإنساني التي ترفض الأطر الميكانيكية الصماء، وتعلن بقاء اللعبة كائناً حياً محكوماً بأقدار خفية تتوارث الجماهير روايتها بذهول وإعجاب. 

خُلاصة القول: يتأكد لنا بيقين ساطع أنّ كرة القدم تُعزز دائماً من قدرة المنتخب المُستحق بعطائه المُتجدد، فحين تتكافأ الفرص في ليلةٍ احتكمت لأقدار "القرعة اليدوية" كانت العدالة الإلهية هي المبتدأَ والخبرَ الحاسم الذي أنصف الأحمر العُماني وأعلن تأهله الرسمي إلى نصف النهائي؛ لتبقى هذه القرعة الفاصلة بمثابة الختام المنصف لملحمة بدنية استثنائية، وتظل إثارتها بالغة الأثر، حيةً في ذاكرة وجدان الجماهير الخليجية وهي تزف الأحمر لمواصلة مشواره نحو اللقب.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z