وليد الخفيف
طوينا صفحة خليجي 27، بتتويج المنتخب السعودي بلقب مُستحق، وتنظيم متميز عكس ما تمتلكه المملكة العربية السعودية الشقيقة من إمكانات مادية وبشرية، مدعومة بشغف جماهيري واهتمام حكومي، يجعلها جديرة باستضافة أكبر المسابقات الرياضية على مختلف المستويات.
ومن الآن، تبدو المملكة مؤهلة لتقديم نسخة استثنائية من كأس آسيا 2027، بما تمتلكه من مقومات تنظيمية وبنية أساسية ورياضية متطورة. ونجاحها في هذا الاستحقاق الآسيوي سيكون نجاحًا لكل العرب، ومصدر اعتزاز لنا جميعًا؛ الأمر الذي يستدعي تضافر الجهود، كلٌّ من موقعه، لدعم الأشقاء في المملكة وإنجاح هذا الحدث القاري.
غير أن ما يستحق التوقف عنده، بعيدًا عن أجواء البطولة ونجاحاتها، هو حجم الأعباء المالية التي تتحملها الدولة المُستضيفة لكأس الخليج، في مقابل ما يعود عليها من عوائد مباشرة، ومدى عدالة المعادلة المالية التي تحكم العلاقة بين الاتحاد الخليجي والدولة المنظمة.
فبحسب التقارير الإعلامية المتداولة بشأن خليجي 27، تتحمل الدولة المستضيفة قيمة الجائزة المالية للبطل، المقدرة بمليون دولار أمريكي، وللوصيف 500 ألف دولار، في حين تذهب حقوق النقل التلفزيوني إلى الاتحاد الخليجي، دون تخصيص حصة مباشرة من هذه العوائد للبلد المنظم.
ولا تقف المسألة عند هذا الحد؛ إذ يحصل الاتحاد الخليجي، وفق الآلية المشار إليها، على 30% من إيرادات تذاكر المباريات، إلى جانب عوائد الرعايات والإعلانات كاملة، وبذلك تبدو المعادلة بحاجة إلى مراجعة تضمن توازنًا أكبر بين الإيرادات المحصلة والأعباء المالية والتنظيمية التي تتحملها الدولة المضيفة.
والمفارقة أن احتفاظ الاتحاد بحقوق النقل التلفزيوني لم ينعكس إيجابا ولم يحقق الجودة المطلوبة، بحسب ما أثير في التغطيات الإعلامية، على مستوى النقل الذي شهدته بعض مباريات البطولة، وما وصفته التقارير الإعلامية السعودية بـ"الضعيف"؛ الأمر الذي استدعى اللجنة المنظمة السعودية لتأمين نقل مباراتي نصف النهائي على نفقتها الخاصة بجودة أعلى، وفق ما تداولته وسائل إعلام سعودية.
وهنا يبرز سؤال آخر يتعلق بالقيمة المالية المحددة لحقوق النقل التلفزيوني، وما إذا كانت تتناسب مع حجم البطولة وقيمتها التسويقية، وهي قيمة تستدعي إيضاح الأسس التسويقية التي استند إليها تقديرها، ومقارنتها بالقيم المتداولة لحقوق مسابقات أخرى، مع مراعاة اختلاف الأسواق والجاذبية التجارية والحقوق المشمولة في كل عقد.
حقوق النقل التلفزيوني ليست مجرد بند مالي، بل أحد أهم مصادر تمويل البطولات الرياضية، ومن الطبيعي أن تخضع قيمتها وآليات تسويقها للمراجعة والتقييم، بما يضمن تعظيم العوائد وتوسيع نطاق المشاهدة، بدلًا من أن تتحول قيمتها المرتفعة إلى عائق أمام انتشار البطولة.
وفي ظل هذه المعادلة، قد تجد الدولة المستضيفة نفسها أمام ضرورة التعويل على العوائد الاقتصادية غير المباشرة، المتمثلة في تنشيط حركة الطيران والسياحة والفنادق والمطاعم والأسواق، بفعل توافد الجماهير لمتابعة المباريات، وهي مكاسب مهمة بلا شك وإن كانت غير مباشرة، ولكنها لا تعفي من ضرورة تحقيق التوازن بين ما تنفقه الحكومات على استضافة البطولة وما تحصل عليه من عوائد مباشرة، خصوصًا أن حجم الاستفادة الاقتصادية يختلف من دولة إلى أخرى تبعًا لإمكاناتها وظروفها.
ولعل من المناسب هنا التذكير بأن اتحاد كأس الخليج العربي لكرة القدم أُشهر في 21 مايو 2016، وانتُخب القطري حمد بن خليفة بن أحمد آل ثاني رئيسًا له حتى الان، والإماراتي مروان بن غليطة نائبًا للرئيس، وفي سبتمبر 2021، تولى العُماني سالم بن سعيد الوهيبي منصب نائب الرئيس، ثم جُدد اختياره في مايو 2023، ثم استقال من منصبة قبل كأس خليجي 27، واعتمدت استقالته، والمجلس الآن بدون نائب.
ومن هذا المنطلق، أرى أن مراجعة آلية إدارة الاتحاد ودوراته الانتخابية تستحق النقاش، بما يعزز تكافؤ الفرص بين الاتحادات الأعضاء، ويضمن تداول المسؤولية وفق قواعد واضحة ومتفق عليها.
كما أن إعادة النظر في النظام الأساسي واللوائح المالية والتنظيمية، بما يكفل مشاركة أكثر إنصافًا للدولة المستضيفة في العوائد، باتت ضرورة تفرضها متطلبات الاستدامة المالية للبطولة.
إن القضية هنا ليست اعتراضًا على وجود اتحاد خليجي مستقل، ولا انتقاصًا من دوره في تطوير البطولة، وإنما دعوة إلى تعزيز الشفافية والحوكمة، وإيجاد معادلة أكثر عدالة بين الجهة المنظمة والدولة المستضيفة والاتحادات الأعضاء.
فإذا كان الاتحاد يحصل على النصيب الأكبر من العوائد التجارية، بينما تتحمل الدولة المستضيفة جانبًا معتبرًا من النفقات، فإنَّ السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين تُوجَّه هذه الموارد المالية، وكيف تُوزَّع أوجه الإنفاق؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ليست ترفًا إداريًا؛ بل حق أصيل للاتحادات الأعضاء، ومسؤولية تقع على عاتق الجمعية العمومية والجهات التنفيذية المعنية؛ فالإفصاح عن الإيرادات والمصروفات، ونشر التقارير المالية المدققة، وتوضيح آليات توزيع العوائد، كلها خطوات تعزز الثقة وتدعم استدامة البطولة.
لقد بقيت كأس الخليج على مدى عقود مساحة تجمع الأشقاء، وتمنح الجماهير ذاكرة مشتركة تتجاوز حدود المنافسة داخل الملعب، والحفاظ على هذه المكانة لا يتحقق بالتنظيم الناجح وحده، بل يحتاج أيضًا إلى منظومة مالية عادلة وشفافة، تضمن ألا تتحول استضافة البطولة إلى عبء غير متوازن على بعض الدول، وأن تتوزع مسؤولياتها ومكاسبها بروح الشراكة الخليجية.
فالبطولة ملكٌ للجميع، ونجاحها مسؤولية الجميع؛ والعدالة في توزيع الأعباء والعوائد هي الضمان الحقيقي لاستمرارها وتطورها.
