فوزي عمار
في زمنٍ بات النسيان يعلو على الحقيقة، يعود صوتٌ من عمق المجتمع الليبي ليُذكّرنا بأنَّ بعض الرجال لا يُكتبون بالحبر، بل يُنقشون بالألم. وأن البحث الأكاديمي يمكن أن يكون مقاومة، وأن المؤرخ يمكن أن يتحوّل إلى حارسٍ يقظٍ على بوابة تاريخ الشر.
إنه الدكتور علي عبداللطيف حميدة، الأكاديمي والمفكر السياسي الليبي والذي يعمل حاليًا رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة نيو إنجلاند بالولايات المتحدة الأمريكية.
الدكتور علي حميدة الذي نحت مصطلح " الشر" وادخله للقاموس الأكاديمي وحوّل قضية الإبادة الجماعية في ليبيا من فصلٍ مُغيّب في الهامش إلى مركز الصدارة في الأكاديمية الغربية.
وُلد الدكتور علي حميدة في ودان، تلك الواحة التي أنجبت رجالًا عرفوا معنى الجهاد ضد المحتل الإيطالي، فتربّى على حكايات الذاكرة الشفوية التي كانت الأجداد يروونها عن سنوات الشر، قبل أن يصبح فيما بعد الرجل الذي وثّق تلك الحكايات وأعطاها مكانتها الأكاديمية العالمية.
تعلّم علي حميدة في القاهرة، ثم في جامعة واشنطن؛ حيث نال الدكتوراه في العلوم السياسية عام 1990. ومنذ العام 1994 بدأ رحلة بحثٍ استمرت أكثر من عقدين ونصف العقد، بحثًا عن الحقيقة المدفونة في الأرشيف الإيطالي المُغلق، وفي ذاكرة الناجين الذين شهدوا أهوال معتقلات الفاشية بين 1929 و1934. هكذا تشكّل حميدة؛ مؤرخٌ لا يكتفي بما هو متاح، بل يبحث عمّا يريد الآخرون طمسه. تعلّم من علم الاجتماع التاريخي أن الحقيقة ليست حكرًا على الوثيقة الرسمية، فصار بحثه مزيجًا من الأرشيف والذاكرة الشفهية والتحليل المقارن، لا يُقرأ إلا وهو يُفكّك الرواية الاستعمارية من جذورها.
في كتابه "الإبادة الجماعية في ليبيا: الشرّ، تاريخ استعماري مخفي"، بلغ الدكتور علي حميدة ذروةً نادرة في البحث التاريخي. الكتاب الذي استغرق أكثر من عقدٍ ونصف من الدراسة الميدانية والأرشيفية في ثلاث قارات ولغات، لم يكن مجرد توثيق أكاديمي، بل كان صرخةً إنسانية تُشخّص جرائم الاستعمار الفاشي الإيطالي. انطلق فيه من حقيقة مركزية وهي أن آلاف الليبيين قُتلوا بين 1929 و1934 إما مباشرةً أو عبر الترحيل والاعتقال في 16 معسكرًا وأن هذه الجريمة ظلّت مُخفاة لعقود بسبب الصمت الإيطالي الرسمي وتواطؤ القوى الكبرى. لقد نجح حميدة في فضح هذا الصمت من خلال شهادات أكثر من 220 ناجيًا، وربطها بقراءة مقارنة مع دراسات المحرقة والإبادة الجماعية.
ما فعله الدكتور علي حميدة بالبحث التاريخي يمكن وصفه بدقة: لقد حوّله من توثيق للحدث إلى فعل مقاومة. لم يعد الكتاب مجرد دراسة أكاديمية، بل صار حجةً علمية تُدرّس في جامعات أمريكا وبريطانيا وأوروبا، ويُستشهد بها في المحافل الدولية. الكتاب الذي فاز بجائزة كتاب العام 2022 من الجمعية العلمية الأمريكية للدراسات المغاربية وشمال أفريقيا، تُرجم إلى الإيطالية، وأصبح مرجعًا لطلبة الجامعات في الغرب.
عندما أُقفلت في وجهه الأبواب ومنعته من العثور على الملفات الرئيسية للقضية في روما، تحول إلى التاريخ الشفوي في شرق ووسط ليبيا في عمل مضنى ونقل شهادات من عاصر وكانوا أحياء ليكتب شهادات حية تصبح هي الوثائق على عصر الشر.
في كتابه الأول "المجتمع والدولة والاستعمار في ليبيا"، الصادر بالإنجليزية عام 1994 تحت عنوان The Making of Modern Libya، لم يكن يكتب تاريخًا عاديًا، بل كان يقلب الطاولة على الرواية الاستعمارية. الدراسة التي ترجمت لاحقًا إلى العربية، وأعيد طبعها في نسخة ثانية عام 2009، غيّرت بشكل جذري الطريقة التي يُدرّس بها تاريخ ليبيا الحديث في الجامعات الغربية. لم يعد السرد يبدأ من الغزو الإيطالي كأنه حدث منفصل عن سياقه، بل أصبح يُقرأ كجزء من تاريخ رأسمالية عالمية وتوسع استيطاني عنصري.
لم يكتفِ بتوثيق الاستعمار، بل فكّك بنيته الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
وفي كتابه الثاني "الأصوات المنسية: السُلطة والفاعلية في ليبيا الاستعمارية وما بعد الاستعمارية" الصادر عام 2005 واصل مشروعه في إنقاذ الضحايا من غياهب النسيان. لقد آمن بأن التاريخ لا يُكتب فقط من أوراق المنتصرين، بل من أنفاس المهزومين أيضًا. جمع شهادات شفهية من ناجين، وربطها بالتحليل الأرشيفي، فأنتج تاريخًا من الأسفل، كما يسميه المؤرخون.
ثم جاء الكتاب الأكبر: "الإبادة الجماعية في ليبيا: الشر، تاريخ استعماري مخفي". المنشور بالعربية والإنجليزية، والمترجم أيضًا إلى الإيطالية. خمسة وعشرون عامًا من البحث المضني بثلاث لغات. 220 شاهدًا ناجيًا. 16 معسكر اعتقال. كل هذا ليقول للعالم ما حاولت روما طمسه: أن آلاف الليبيين قُتلوا أو رُحّلوا أو ماتوا في معتقلات الفاشية بين عامي 1929 و1934. لم يكن كتابًا. كان صفعة على وجه الصمت الأكاديمي الغربي.
وكما أن التاريخ لا يُعدّ تاريخًا إلا إذا وقف في وجه المنتصر، فإن حارس الذاكرة لا بد أن يدفع الثمن.
الدكتور علي حميدة دفع الثمن.. لقد طُرد من الأرشيفات الإيطالية. وأُغلقت في وجهه أبواب المؤسسات. قال له مؤرخ إيطالي صادق: لا تضيع وقتك، لأنهم إما أزالوا أو دمروا أو زيفوا الأدلة الأرشيفية. لكنه لم يستسلم. حوّل الطرد إلى ميدان، والصمت إلى شهادة. عاد إلى ليبيا كل صيف. جاب الصحراء. جمع الحكايات من أفواه من بقي حيًا. بنى جسرًا بين الذاكرة الشفوية والعلم الأكاديمي؛ فصار البحث مزيجًا نادرًا من التحليل السياسي المقارن، والأنثروبولوجيا الاجتماعية، والعمل الميداني الشاق.
هذا هو الدكتور علي حميدة: رجل يكتب التاريخ كأنه يحفر قبرًا للنسيان، ويحاضر كأنه يوقظ أمة، ويحاور كأنه يطلب من الضحايا أن ينطقوا من جديد.
والأمر لا يتوقف عند الكتابة. كان ثالث شخص في التاريخ يُمنح كرسي "لودكي" للآداب والعلوم في جامعة نيو إنجلاند للفترة 2010-2011، وهو منصب أكاديمي مرموق لا يُمنح إلا لمن بلغ قمة التميز البحثي.
حصل على جائزة أفضل باحث علمي في الولايات المتحدة عام 1993. وحصل على جائزة "كاس كينيلي" في التميز الأكاديمي. وجائزة "فيليب شحادة". وجائزة المجلس الوطني للبحوث والعلوم الاجتماعية.
لكن الجائزة التي تختصر كل هذا المجد جاءت عام 2022: جائزة الجمعية العلمية الأمريكية للدراسات المغاربية وشمال أفريقيا لكتاب العام، عن "الإبادة الجماعية في ليبيا". الجائزة التي استلمها في دنفر، كولورادو، وسط نخبة الأكاديمية الغربية، من رجل ولد في ودان، وتربى على حكايات الجهاد ضد الطليان.
استلام الجائزة ليست لحظة مجد شخصي. كان لحظة اعتراف غربي بأن الجريمة التي حاولت إيطاليا دفنها، والتاريخ الرسمي الليبي تجميلها، لم تعد قابلة للإنكار. ابن ودان لم يكتب ليطرب. كتب ليقيم الحجة. ولقد أقامها.
وفي 2024، دخل اسم الدكتور علي حميدة القائمة القصيرة لزمالة "غوغنهايم" المرموقة، ليصبح أول عضو هيئة تدريس في جامعة نيو إنجلاند يصل إلى هذه المرحلة. لم يتوقف. لم يسترح. لم يقبل أن يكون تاريخ الشر مجرد ذكرى، بل جعله علمًا يُدرّس، ومرجعًا يُستشهد به، وجرحًا لا يُشفى.
وحتى الشِعر لم ينساه. في أوائل 2025، صدر ديوانه الأول "من يغني معي معزوفة الفرح؟" وهو مختارات من قصائد البدايات والحلم بين 1970 و1978. وكأن الرجل بعد أن وثّق الشر، أراد أن يعود إلى حيث بدأ إلى الفرح الأول، إلى الحلم الذي سبق كل هذا الألم. كان يبحث عن الجمال، فوجد الشر يسكن في قلب الجمال نفسه، فقرر أن يفضحه.
