في ظلال المولد الأغر واغتيال الذاكرة

 

 

 

 

محمد عمار عيسى **

في غمرة احتفاء الأمة الإسلامية بنفحات المولد النبوي الشريف؛ ذلك الحدث الكوني الذي بزغ فيه نور الهداية، تتجلى عظمة الذكرى في تجديد العهد مع الرسالة وصاحبها صلى الله عليه وسلم. إن المولد محطة فكرية وروحية تدعونا لإحياء النهج النبوي في ألفة القلوب، وإعادة جمع كلمة المسلمين حول الركيزة الأولى؛ حيث التحم آل بيته الأطهار وصحابته الأخيار في نسيج رسالي صلب، صاغه صاحب المولد صلى الله عليه وسلم ليكون بنيانًا واحدًا لا يقبل التجزئة.

إن اللحظات المأساوية التي قامت فيها تيارات العنف بتدمير معالم تاريخية كبرى، كمن فجروا قبر نبي الله يونس ذي النون في الموصل عام 2014، مُتجرِّئين على مقدسات أُمَّة هدموا إرثها، ومحطمين مرقد نبي نادى ربه من ظلمات الحوت فنجاه الله، امتدت لتطال محاولاتهم المستمرة لطمس قيمة قامات زلزلت العالم بأسره، كأبي بكر وعمر وعثمان والإمام علي بن أبي طالب، وسبطي النبوة الإماميْن الحسن والحسين، وبقية آل البيت الأطهار؛ بصفتهم يمثلون معًا الجبهة التاريخية الصلبة والمدرسة الأخلاقية الواحدة التي شيدت حضارة الإسلام.

داخل المقال.jpeg
 

هذا السلوك العنيف يضعنا أمام حقيقة قطعية؛ فهؤلاء ضد الإسلام الحنيف الذي يقيم أركانه على الرفق، واحترام الرموز، وصيانة دماء البشر، متخلفين عن عمد عن الأوامر الإلهية الصريحة بصيانة المحبة والتي تظهر في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَتُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (الأحزاب: 33). والحقيقة هي أن هذه الجماعات مجرد "أدوات وظيفية" لتفتيت المنطقة، ليكون عدوها هو المستفيد الأول من تمزقنا واقتتالنا الهامشي، في معركة يُغذِّيها للأسف من يشربون الطائفية كشرب الماء نتيجة الشحن والتعصب المقيت دون وعي بحجم المحرقة التي يساقون إليها!

بصفتي كاتبًا يخطو خطواته الأولى في عالم الفكر، أرفض تمامًا الانقسامات المذهبية والحدود الطائفية الضيقة، أنا أؤمن بالإنسان أولًا وبالجوهر الإنساني الذي يوحدنا: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13).

ومن أجل العدالة والإنصاف، لا أرى في هؤلاء الخلفاء الراشدين وأصحاب رسول الله المُبجَّلين، ولا في سبطي النبوة الإماميْن، أي ملكية حصرية لطائفة بعينها؛ بل إن هذه الرؤية القاصرة هي تفكيك لروح الرسالة وتأميم طائفي لرموز الأمة جمعاء؛ ولعل في وقوف السبطين الإماميْن الحسن والحسين ذودًا عن الخليفة عثمان بن عفان بأمرٍ من أبيهما الإمام علي كرم الله وجهه، الشاهد الأبرز تاريخيًا على هذا التلاحم الرسالي لدرء وإخماد أبواق الفتنة؛ فهؤلاء الكرام قامات جسدت قيم التضحية والحكمة والعدل التي تهم البشرية قاطبة. وللعلم فإننا كمسلمين لا تصح صلاتنا إلا بالصلاة على محمد وعلى آل محمد.

وحين يستهدف التطرف هذه الرموز الجليلة؛ فهو يحاول اغتيال الذاكرة وتجهيل الأجيال، إن معركتنا اليوم هي معركة وعي وبناء مفاهيم؛ لكشف زيف من يتحدثون بلغة الإقصاء، وتجاوز عقلية الخنادق نحو فضاء فكري أرحب يتسع للإنسانية والحوار والبحث عن الحقيقة.

وهنا يتجلَّى لنا الوعي الشعبي في أبهى صوره العفوية، كالموقف الإنساني الراقي للمواطن المصري "الحاج مصطفى" الذي قام بتوزيع الماء البارد على المارة في الشارع إحياءً لذكرى استشهاد الإمام الحسين رضي الله عنه؛ تلك الذكرى التي تظل منارة إنسانية تلهم كل حُرّ وحي الضمير بقيم الفداء والحرية.

هذا السلوك البسيط في مظهره، العميق في جوهره، يثبت أن الشعوب في فطرتها تتجاوز التصنيفات الضيقة، وتترجم المحبة إلى سلام وعطاء.

إنها دعوة صادقة لصحوة فكرية شاملة تلقي بالعصبية في البحر، وتجعل العقل وتحطيم القوالب الجاهزة هما الأساس، لنبني وعيًا جديدًا يتجاوز انقسامات الماضي ويعيد صياغة واقعنا على أساس العلم، والإخاء، والإنصاف؛ فالوعي وحده تسلم به المجتمعات، وتظل العقول حرة مستنيرة نابضة بالنور والسلام.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل بيته الأطهار وصحابته الأخيار، الذين شكَّلوا معًا بنيانًا مرصوصًا يشد بعضه بعضًا إلى يوم الدين.

** كاتب سوري

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z