عبدالنبي الشعلة
عجيب، وإن لم يكن مستغربًا، أمر الأنظمة الاستبدادية التوسعية، أينما وُجدت وبأي جلباب تجلببت؛ فهي قد تحقق في بداياتها بعض النجاحات والاختراقات، مستفيدةً من عنصر المفاجأة، أو من ضعف خصومها وترددهم، فتتوهم أن ما أحرزته قدر دائم، وأن قوتها عصية على التراجع. لكن ما إن تبلغ ذروة اندفاعها حتى يبدأ العد التنازلي، وتتحول المغامرات التي صنعت صعودها إلى عوامل تسرّع سقوطها.
ولعل النظام النازي في ألمانيا أحد أبرز الأمثلة التاريخية؛ فقد حقق انتصارات عسكرية مذهلة في بداية الحرب، وسيطر خلال فترة قصيرة على أجزاء واسعة من أوروبا، ثم انتهى إلى تدمير ألمانيا وسقوط النظام نفسه. وخلال المسافة الفاصلة بين الصعود والانهيار، تلجأ مثل هذه الأنظمة إلى تحوير الحقائق، وتحويل الإخفاقات إلى نجاحات، والهزائم إلى انتصارات، أو إلى «نكسات عابرة» في أحسن الأحوال؛ كما حصل لنا بعد هزيمة حرب 1967.
ولا يبدو أن النظام الحاكم في إيران سيشذ عن هذه القاعدة. فقد أصبحت إيران، في حقبة ولاية الفقيه، تملك قدرة على التعطيل والتخريب تفوق بكثير قدرتها على البناء والإصلاح والتنمية. لكنها ترتكب خطأ فادحًا حين تظن أن القدرة على إلحاق الضرر بالآخرين دليل قوة أو برهان انتصار.
فالنظام الإيراني يستطيع تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، لكنه لا يستطيع السيطرة عليه وإدارته بصورة مستقرة. ويستطيع إرباك سوق الطاقة العالمي وعرقلة الصادرات النفطية لدول المنطقة، لكنه عاجز عن تصدير نفطه بصورة طبيعية وضمان موارد مستقرة لشعبه. كما يستطيع استهداف المنشآت الاقتصادية والبنية التحتية الخليجية، بصورة مباشرة أو من خلال حلفائه وأذرعه، لكنه لا يستطيع حماية اقتصاده من الانهيار أو عملته من التدهور.
وكان الهجوم الأخير، المنطلق من الأراضي العراقية، على محطات في خط النفط السعودي «شرق–غرب»، وما أدى إليه من توقف مؤقت، مثالًا واضحًا على هذه المعادلة: القدرة على التعطيل من دون امتلاك بديل، وإلحاق الضرر بالآخر من دون تحقيق مكسب حقيقي لإيران أو لشعبها.
والأخطر أن النظام، بهذه السياسة، يهدم جسور التعايش المستقبلي بين إيران ومحيطها. فالدول قد تتجاوز الخلافات السياسية، لكنها لا تنسى بسهولة من استهدف أمنها ومنشآتها واقتصادها وحياة مواطنيها. وكما أصبح التعايش مع النظام النازي مستحيلًا بعد الجرائم التي ارتكبها بحق شعوب أوروبا، بات التعايش مع النهج الذي يحكم إيران اليوم بالغ الصعوبة. أما التعايش مع إيران أرضًا وشعبًا، فهو حتمية جغرافية وتاريخية ومصلحة مشتركة، ولكن في ظل نظام جديد يحترم حسن الجوار وسيادة الدول.
وعندما اندلعت الاحتجاجات الشعبية الإيرانية، ابتداءً من 28 ديسمبر 2025، على خلفية الأزمة الاقتصادية قبل أن ترتفع شعاراتها مطالبةً بإسقاط النظام، كتبتُ أنها قد تكون الانتفاضة التي تطيح به، أو أحد المسامير الأخيرة في نعشه. وقد تمكّن النظام من قمعها بوحشية، ولا سيما خلال يومي 8 و9 يناير 2026، وسط تفاوت كبير في أعداد الضحايا؛ فبينما تحدثت تقديرات مستقلة عن عشرات الآلاف، أقرت السلطات الإيرانية نفسها بسقوط 3,117 قتيلًا، بينهم نحو مئتين من أفراد الأمن.
لكن قمع الاحتجاجات لا يعني معالجة أسبابها. قد تنجح القوة في إخلاء الشوارع، لكنها لا تستطيع القضاء على الغضب أو إعادة الثقة إلى شعب أنهكته الأزمات. وما لم تتغير الأسباب، فإن الاحتجاج المؤجل يظل قابلًا للانفجار من جديد، وربما بصورة أشد وأوسع.
والتاريخ يثبت أن قادة الأنظمة الاستبدادية نادرًا ما يستوعبون تجارب من سبقوهم. فهتلر واصل القتال حتى أبواب برلين، ثم انتحر بعدما تحولت ألمانيا إلى أنقاض. ومعمر القذافي تمسك بالحكم حتى انتهى مقتولًا، ولا تزال ليبيا تدفع ثمن أربعة عقود من حكمه. وصدام حسين غزا الكويت، ثم قاد بلاده إلى الحروب والحصار والدمار، وانتهى معلّقًا بحبل المشنقة.
والمشكلة أن هؤلاء القادة لا يتمسكون بالسلطة لأنهم يجهلون حجم الكارثة، بل لأنهم يدركون أن التخلي عنها قد يضعهم أمام المحاسبة. ولذلك يزداد خطاب الانتصار ارتفاعًا كلما اقتربت الهزيمة، ويصبح الاعتراف بالخطأ أخطر على النظام من مواصلة الطريق إلى الهاوية.
لقد عاش النظام الإيراني، منذ عام 1979، في مواجهة شبه دائمة مع محيطه الإقليمي والمجتمع الدولي. واستنزفته الحرب العراقية–الإيرانية طوال ثماني سنوات، ثم استنزفته العقوبات والعزلة ومغامرات التوسع الخارجي، وصولًا إلى المواجهات العسكرية الأخيرة التي دمرت جانبًا كبيرًا من منشآته العسكرية والنووية والدفاعية، وأطاحت عددًا من أبرز قياداته السياسية والعسكرية، وفي مقدمتهم المرشد علي خامنئي.
وفي الوقت نفسه، بدأت منظومة الأذرع التي بذل النظام في بنائها جهودًا طائلة وأنفق أموالًا هائلة تتفكك أو تفقد الكثير من قوتها في لبنان وسوريا وغزة، بينما تواجه أذرعه في العراق واليمن ضغوطًا متزايدة. وهذا التفكك يمثل أبرز أوجه فشل استراتيجية «تصدير الثورة»، ويكشف أن النفوذ الذي لا يستند إلى قبول الشعوب واستقرار الدول لا بد أن يتآكل مهما طال الزمن.
ويتزامن ذلك مع انهيار العملة، وارتفاع التضخم والبطالة، واتساع الفقر، وتصاعد الإحباط داخل المجتمع الإيراني، فضلًا عن فراغ واضطراب في هياكل القيادة العليا. وعندما تجتمع أزمة الشرعية مع الإنهاك الاقتصادي، والانقسام السياسي، وفقدان الحلفاء، وتنامي الغضب الشعبي، فإن بقاء النظام يصبح أكثر صعوبة، وإن كان تحديد موعد سقوطه أمرًا لا يمكن الجزم به.
ومهما يكن شكل التحول المقبل وتوقيته، فعلى دول الخليج العربية أن تستعد له بعقلانية وحذر، لا بروح الانتقام أو التشفي. فإذا قام في طهران نظام جديد، فسيرث دولة منهكة وشعبًا دفع ثمنًا باهظًا. ومن الحكمة أن نمد يدنا إلى إيران الجديدة، وأن نساعدها على العودة إلى قواعد حسن الجوار واحترام السيادة وعدم التدخل في شؤوننا، وأن نتيح لها الاستفادة من التجربة الخليجية في التنمية وبناء الدولة وإدارة الاقتصاد.
إن سقوط النظام، إن وقع، يجب ألا يكون سقوطًا لإيران، بل بداية لإنقاذها؛ فالمنطقة لا تحتاج إلى إيران ضعيفة أو ممزقة، وإنما إلى إيران مستقرة ومسالمة ومزدهرة. ذلك هو الانتصار الحقيقي: أن تتحول القدرة من هدم الجسور إلى بنائها، ومن تصدير الأزمات إلى صناعة السلام، ومن تعطيل مستقبل الآخرين إلى بناء مستقبل أفضل للشعب الإيراني وللمنطقة بأسرها.
