ناصر أبوعون
إنّ التتلْمُذَ على العلماء واقتفاء أثرهم كان في العصور الغابرة على ثلاثة أوجه لا أكثر؛ فأوّلها، التَتَلْمُذٌ بـ(المراسلة) دون رؤية بصريّة، لاستحالة شدّ الرحال إليه، إمّا لبُعد الشُّقة الجغرافيّة، وإمّا لضيق ذات اليد، وفي هذا الصِّنف يتحصّل التلميذ على علم الأستاذ بالعناء والمثابرة، والمجاهدة في نسخِ المتون تارة، وشراء الأصول تارة أخرى، وتتبّع المنقول عن شيخه وجمعه، وتصفيته مما وقع فيه من دخيل على علم الأستاذ سهوًا أو قصدًا من النسّاخ، وأمَّا الصِّنف الثاني من التلمذة فيكون بـ(القراءة)، وتتبع آثار الشيخ والسير على طريقته ومنهاجه أو كما يقول علماء البلاغة بـ"وقوع الحافر على الحافر"؛ كقول الفرزدق: [أتعدل أحسابا لئاما حماتها/ بأحسابنا إنّي إلى الله راجع]، وكقول جرير: [أتعدل أحسابا كراما حماتها/ بأحسابكم إنّي إلى الله راجع]. وأمّا الصنف الثالث من التلمذةِ فيكون بـ(المواجهة والمشافهة والمجالسة والمؤانسة) وجهًا لوجهٍ بين التلميذ وأستاذه، والقراءة عليه، والنَّهْل من معين علمه بالمواظبة على دروسه، والأخذ من علمه بالملازمة لمجلسه، وهذا الصِّنف الأوثق مُتابعةً، والأشدّ أثرًا، والأوقع نفعًا في التلميذ، وقد انعقدت من العروة الوثقى للعلاقة بين (الأستاذ) الشيخ العلَّامة الفقيه سعيد بن عامر الطائيّ، و(التلميذ) المُحقّق سعيد بن خلفان الخليلي في صباه ويفوعته، فكانت تلمذةً بـ(المشافهة والمجالسة والمؤانسة) وجهًا لوجه، فانطبع أثر (المُعلّم) سعيدٍ الطائيّ في صدر وحافظة (التلميذ) سعيدٍ الخليليّ؛ فقَرَضَ (منظومته في علم التصريف)؛ وهو تحت كنف شيخه وعمره يومها لم يتجاوز السادسة عشرة.
الخليليّ في مجلس الطائيّ
أمّا عن شيوخ العلّامة المُحقق سعيد الخليليّ، في مرحلة النشأة والتكوين، إبان فترة طفولته وصباه ويفوعته، والتي بدأ فيها تأليفه العلمي مُبْكِرًا جدًا قُبيل (السادسة عشرة) من عُمره على وجه التقريب؛ وهي ميزةٌ لم ينافسه فيها أقرانه وقرناؤه من مشاهير العلماء العرب والعُمانيين قديمًا وحديثًا، لكونها هِبَةً رَبَّانيّةً، وعلامة اصطفائيّة، أوقدت جذوتَها بيئةٌ تربويّة حازمة وحاضنة، والفضل يعود فيها في أول الأمر ومنتهاه إلى امرأة عفيفةٍ وشيخين جليلين؛ أمّا المرأة العفيفة، فـ(والدته)، التي دأبت منذ مولده عام 1226هـ/1816م، في قرية بوشر، على توجيهه وإرشاده، وشمّرت ساعديها لإعداده، وحَثِّه على اقتفاء أثر أجداده من العلماء والأئمة، وأمّا الشيخ الأول الذي أرشده وشدّ مئزره في توعيته وتربيته؛ فكان جدّه "الشيخ أحمد بن صالح الخليليّ، والذي كان مقيمًا في بوشر، ولقّنه علوم الكتاب العزيز، ودرَّس له القرآن الكريم فختمه على يده المباركة، وأفاد منه كثيرًا، وهو في سِنٍ مبكرة من عمره المبارك". (1)
وأمّا الشيخ الثاني، الذي تتلمذ على يديه المُحقق سعيد بن خلفان الخليليّ؛ بالمواجهة والمجالسة والمشافهة والمؤانسة، فهو الشيخ العلّامة الفقيه سعيد بن عامر بن خلف بن صالح بن محمد بن صالح بن سعيد بن علي الطيوانيّ/ الطائيّ، وكان من علماء بوشر ورجال الفقه النجباء في قرنه. فعقب وفاة والد العلّامة المحقق عهِد به جدُّه أحمد إلى الشيخ سعيد بن عامر الطيوانيّ / الطائيّ؛ فلَّقنه العديد من أمهات الكتب؛ وقرأ عليه: متن[طهارة القلوب]، و[شرح لامية الولاية والبراءة] المنسوب إلى أبي بكر أحمد بن النضر العمانيّ، و[شرح رائية الصلاة] لأبي نصر الشيخ عبد الله بن عمر بن زياد، وغيرها من الأصول. وكان ذلك "قُبيل أن يجاوز العلّامة المحقق السنة السادسة عشرة من عُمره، ومن غريب الأمور ومنتهى التوفيق الإلهيّ ما قام به المحقق الخليليّ فترة دراسته على الشيخ الطيوانيّ؛ إذ غاب عن شيخه فترةً حتى خشي عليه، فأتى الطيوانيّ والدته يسألها عن تلميذه النجيب، فعادت الوالدة – الحريصة على ابنها والمرشدة له إلى الخير – بالتأنيب والتقريع، تسأل: ما له غاب عن شيخه؟ فعاد إلى شيخه الطائيّ حاملًا ما يفصح عنه الاعتذار؛ إنها (ألفيّة في علم التصريف). قد مَنَّ بها الرحمن المُوفِّق على هذا الفتى، وهو لم يجاوز السادسة عشْرة من عمره، وإنّ المرء ليحار من تأليفه في علم التصريف، والذي يشق على كبار العلماء، إلا أنّ الشيخ صاغها في قالب النظم المتسم بالعذوبة والبساطة". (2)
الخليلي في عوابي الخروصيّ
إنّ كثيرًا من المصادر والمراجع التي طالعتها حول سيرة ومسيرة العلَّامة المحقق سعيد بن خلفان الخليليّ كانت تُهمّل الشيوخ الأساتذة الأوّلين له، وتتخطّى، بل تُهمل فترَة طفولته وصِّباه ويفوعته في قرية بوشر وواديها الواقع في قلب مسقط، وتنتقل مباشرة إلى فترة شبابه، وتحيل هذه المصادر الأستاذيّة والتأثير المباشر في الشخصية العلميّة للعلّامة المُحقق العلمية إلى الشيخ العلّامة ناصر بن جاعد الخروصي، والذي لم يَثبُت بالدليل القطعيّ أنّه كان من قاطني العاصمة مسقط، بل لم يستوطن قرية بوشر مطلقًا طوال سني حياته، ولم يلتقيه المحقق الخليلي، إلا في فترة شبابه إبان نضوجه العلميّ وانقداح جذوة التحصيل العلميّ في نفسه التوّاقة لجمع العلوم في صدره، فارتحل إلى الشيخ ناصر بن جاعد، في موطنه بقرية (العليا) بولاية العوابي، ليجلس بين يديه، ويأخذ عنه ما تناهى إلى سمعه من تآليف في العلوم الشرعية والمتون اللغوية، فعبّ في صدره ما وسعه، وكرع من معين علمه، فحفظ عنه:[التهذيب بالنحو القريب]، و[مبدأ الكشف في علم الصرف]، و[فلك الأنوار ومحك الأشعار]، و[الحق اليقيـن والنور المبين]، و[تنوير العقول في علم قواعد الأصول]، و[الإخلاص بنور العلم والخلاص من الظلم].
وظلَّ العلّامة المحققُ سعيد الخليليّ مُلازمًا لشيخه العلّامة ناصر بن جاعد الخروصيّ إلى أن ارتحل إلى زنجبار عام 1250هـ برفقة السيد سعيد بن سلطان، حتى توفي يوم الجمعة 25 من شهر جمادى الأولى، سنة 1262 هـ ودُفِن هناك بقرية (متوني). ومن جهة أخرى فإنّ البحوث الرَّصينة المنشورة في مجلات علمية مُحكّمة فضلًا عن المصادر الشفاهيّة الثِّقة أكدت أنّ العلّامة (المحققُ) سعيد الخليليّ في مطلع شبابه، ارتحل عن بوشر وانتقل إلى (الرستاق)، وظلّ يتردد ما بين الرستاق والعوابي طلبًا للعلم على أيدي شيوخها والثقات من علمائها، ثم استقرّ به المُقام بولاية (سمائل)، وقد "التقيت بالشيخ راشد الإسماعيلي بمنزله الكائن بـ(الحيل الشمالية)(3)، فنَسَّقَ لي الاتصال الهاتفي بالشيخ خالد بن عبدالله بن سيف الخروصيّ، فأجريتُ معه مخابرةً هاتفية يتمحور فحواها حول سؤال رئيس، هو: هل استوطن الشيخ العلّامة ناصر بن جاعد الخروصيّ في بوشر أو مسقط إبان فترة إقامته في عُمان قبل ارتحاله إلى زنجبار؟، فأكد لي: "أنّ الشيخ العلّامة ناصر بن جاعد الخروصي لم يسكن مسقط أو بوشر، بل ظلّ مُقيما بـ(عليا) العوابي طوال سني حياته، فلمّا انتقل إلى زنجبار ومكث فيها 12 عامًا وكلما عاد إلى عمان بين فترة وأخرى يذهب لزيارة المحقق سعيد بن خلفان الخليليّ بولاية سمائل في منزله الشهير هناك باسم بيت (السبحية)".(4)
لماذا باع الخليليّ أملاكه في بوشر؟
وتكشف لنا مخطوطةٌ قديمة مصدرها هيئة الوثائق عن قيام المحقق سعيد بن خلفان الخليليّ ببيع أملاكه في قرية (بوشر بني عمران) بُغية في سبيل هدف سامٍ يحتاج من العون الماليّ والصبر والمؤونة ما لا تحتمله خزائن الأموال بعد أن عزم على الانتقال إلى ولاية سمائل وتأسيس مدرسة علمية وفقهيّة هناك، وكان الشاهد على صكّ البيع إمام المسلمين عزان بن قيس، وكتبها بيده حمد بن سعيد بن عامر الطيواني/ الطائيّ، بتاريخ يوم الرابع والعشرين من شهر شعبان سنة 1287 هـ. وهذا نصُّ المخطوطة: [بسم الله الرحمن الرحيم.. أَشْهدني وأقرّ عندي الشيخ سعيد بن خلفان بن أحمد الخليليّ أنّه قد باع أمواله الأصول الكائنة في بلد بوشر بني عمران، وهي المال المُسمَّى الخب، والمال المسمّى مقصورة البيت، والمال الذي خلّفه خميس البريدي، والمال المسمّى بدوع السِّدرة مع البيت، وبماله في هذه البلدة من خراب وعمار، وبماله المعتاد لسقي هذه الأموال إلى السيد هلال بن أحمد بن سيف البوسعيدي بسبعة آلاف قرش فضّة إفرنسيسي، ومائتي قرش فضة إفرنسيسي بيعًا قَطْعًا منقطعًا بإقراره على نفسه بذلك، وكتبه بيده وشَهِدَ به الفقيرُ حمد بن سعيد بن عامر الطيوانيّ بتاريخ يوم 24 من شهر شعبان سنة 1287 هـ.. هذا صحيح: سعيد بن عامر بيده.. شَهِدْتُ بذلك أنا إمام المسلمين عزان بن قيس وكتبته بيدي].
مدرسة الخليليّ بمسجد الطائيين
لقد ضحّى العلّامة المحقق سعيد بن خلفان الخليليّ بالغالي والنفيس من أملاكه التي ورثها عن أجداده في سبيل تأسيس مدرسة علميّة بولاية سمائل، وقام فيها منفردًا بمهمة تدريس العلوم العربية والفقهية للراغبين من أبناء عُمان، وقطع على العهد على نفسه أن يتكفّل من حُرِّ ماله برعاية الطلاب والنفقة على الدارسين. وأمّا عن تاريخ هذه الحقبة؛ فقد كتب الشيخ محمد بن عبدالله الخليليّ في مُذكّرة مرقونة له غير مطبوعة عن نشأة مدرسة الخليليّ العلمية السمائلية فقال:"افتتح العلّامة مدرسته في المسجد القريب من بيت السبحية بعلاية سمائل، واسمه (مسجد رجب) نسبةً إلى من بناه، من آل سعد من قبيلة طيء، المنحدرون من نسل مازن بن غضوبة، وكان العلّامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي يجد الترحيب والمناصرة والتأييد من آل سعد الطائيين، الذين هم سادة المدينة وأغنياؤها، وما إن بدأ العلّامة المحقق بممارسة دوره في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ضاق منه مناصروه وطالبوه بإغلاق المدرسة، ومغادرة سمائل. ولم تكن القبائل الأخرى قادرة على مواجهتهم لقلة عددهم ولضعفهم الماديّ؛ فانصاع العلّامة المحقق لقرار الخروج من سمائل، حتى اجتمع بنو رواحة على مناصرته وأمّنوه وعاهدوه فاستقرّ في سمائل وواصل دوره التعليميّ". (5)
المصادر والمراجع
(1) الحجي وآخرون، 1427 هـ/ 2006م، الإنتاج الفكري، دراسة تحليلية للمؤلفات العمانية الموسوعية، ط1، سلطنة عمان، وزارة التراث والثقافة، ص: 78
(2) الخليلي 2020، ترجمة لمدرسة العلّامة الخليليّ، مذكرة مرقونة غير مطبوعة، نقلًا عن بحث قام به: خلفان البوسعيدي وآخرون، المجلة الدوليّة للدراسات الإسلاميّة المتخصصة، المجلد: 5، العدد: 1، 2020، ص: 18- 19
(3) مقابلة مع الشيخ راشد الإسماعيلي، بمنزله بالحيل الشمالية، في اليوم العاشر من شهر أبريل 2026م.
(4) اتصال هاتفي مع الشيخ خالد بن عبدالله بن سيف الخروصيّ، في اليوم الحادي عشر من شهر أبريل 2026م.
(5) خلفان البوسعيدي وآخرون، المجلة الدوليّة للدراسات الإسلاميّة المتخصصة، المجلد: 5، العدد: 1، 2020، ص: 17
