الممرات البحرية في قلب الصراع على التجارة العالمية

 

 

 

محمد أحمد سلامة

 

ربما يكون من الخطأ النظر إلى ما يحدث في مضيقي هرمز وباب المندب، وإلى التهديدات التي طالت حركة الملاحة المرتبطة بقناة السويس، باعتباره مجرد أزمات أمنية منفصلة، فالممرات البحرية لم تعد مجرد طرق لعبور السفن ونقل البضائع والطاقة، بل أصبحت جزءا من معادلة أوسع تتداخل فيها التجارة والنفوذ والأمن ومصالح القوى الكبرى.

وفي قلب هذه المعادلة تقف الصين، التي بنت جانبا مهما من قوتها الاقتصادية على التجارة الدولية، وعلى شبكة واسعة من طرق وموانئ ومشروعات «الحزام والطريق» التي تربطها بالشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، ولذلك فإن أي اضطراب طويل في الممرات البحرية التي تمر عبرها التجارة بين الشرق والغرب لا يمكن فصله عن التنافس المتزايد بين بكين وواشنطن وحلفائهما.

ومن هذه الزاوية، فإنَّ التصعيد في هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، وما يرتبط بقناة السويس، يلفت الانتباه إلى مضيق آخر قد يستحق مراقبة أكبر خلال المرحلة المقبلة: مضيق جبل طارق، فهو ليس مجرد ممر مائي يفصل بين أوروبا وأفريقيا، وإنما يمثل البوابة التي تصل المحيط الأطلسي بالبحر المتوسط، وأي اضطراب كبير في هذه المنطقة ستكون له انعكاسات على حركة التجارة والطاقة بين أوروبا والمتوسط وشمال أفريقيا، كما قد يؤثر في خطوط الملاحة المتجهة نحو قناة السويس والشرق الأوسط.

وما يجعل هذا الاحتمال جديرًا بالنقاش أن العالم شهد خلال السنوات الأخيرة نمطًا متكررًا: يبدأ الأمر باضطراب أمني في أحد الممرات البحرية، ثم تتجه الدول الكبرى إلى تعزيز وجودها العسكري تحت عنوان حماية الملاحة وتأمين السفن التجارية، وقد ظهر هذا الأمر بوضوح في البحر الأحمر وباب المندب، كما أصبحت منطقة هرمز في صلب التوترات العسكرية والأمنية الأخيرة.. لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل يمكن أن ينتقل هذا النموذج، بصورة أو بأخرى، إلى جبل طارق؟

ليس المقصود بالضرورة اندلاع مواجهة عسكرية داخل المضيق، فقد تبدأ الأزمة بحوادث محدودة، أو توترات مرتبطة بسفن تجارية، أو نشاط عسكري، أو احتكاكات بين أطراف إقليمية ودولية، ثم تتطور تدريجيا إلى مطالب بتعزيز الوجود العسكري والأمني بحجة حماية الملاحة ومنع أي تهديد محتمل.

ويكتسب جبل طارق أهمية خاصة حيث إن وجود أطر أمنية وبحرية أوروبية وأطلسية في المنطقة يعني أن أي أزمة كبيرة لن تبدأ من فراغ، فهناك بالفعل بنية عسكرية واستخباراتية وأمنية يمكن تعزيزها أو توسيع نطاق عملها إذا ظهرت مبررات جديدة لذلك.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة المتمثل في امتلاك القدرة على المراقبة والتأثير والتحكم في درجة انسيابية الملاحة خلال الأزمات، لا إغلاق المضائق أو منع دولة بعينها من استخدامها.. وهذا فارق مهم، فالتجارة العالمية لا تحتاج إلى إغلاق طريق بالكامل حتى تتضرر، فارتفاع تكاليف التأمين، وزيادة أسعار الشحن والطاقة، واضطرار السفن إلى اتخاذ طرق أطول، كلها عوامل يمكن أن تجعل بعض المسارات أقل جاذبية وأكثر كلفة، وتؤثر في سلاسل الإمداد حتى من دون إغلاق فعلي للممرات البحرية.

ومن هنا تبدو الممرات البحرية جزءًا من أدوات الضغط في التنافس بين القوى الكبرى، فالولايات المتحدة وحلفاؤها يمتلكون حضورًا عسكريًا وأمنيًا في عدد من المواقع البحرية المهمة، بينما تعتمد الصين بصورة كبيرة على شبكة التجارة البحرية التي تربطها بالأسواق الأوروبية والأفريقية والشرق أوسطية.

ولا يعني ذلك بالضرورة وجود خطة تستهدف إغلاق طرق التجارة الصينية، بقدر ما يعكس حقيقة أكثر تعقيدا، من يملك القدرة على حماية الممرات أو مراقبتها أو التأثير في أمنها يمتلك ورقة مهمة في أوقات الأزمات.

وهذه المعادلة تحمل مخاطر مباشرة على دول الخليج، فالخليج ليس مجرد محطة على طريق التجارة الصينية، وإنما مركز رئيسي للطاقة والتجارة والاستثمار، وأي اضطراب في مضيق هرمز ينعكس سريعا على اقتصادات المنطقة وعلى الأسواق العالمية، كما أن دول الخليج لا مصلحة لها في أن تتحول مياهها والممرات المحيطة بها إلى ساحات مواجهة مفتوحة بين القوى الكبرى.

لذلك تبدو المصلحة الخليجية أقرب إلى الحفاظ على توازن العلاقات مع مختلف القوى الدولية، وضمان حرية الملاحة، والعمل على إبقاء الممرات البحرية بعيدة قدر الإمكان عن منطق الصراع المفتوح، وهذا يتطلب تعاونا خليجيا وإقليميا أوسع مع الدول المطلة على البحر الأحمر والمتوسط، لأن أمن هذه الممرات مترابط أكثر مما يبدو على الخريطة.

وبالنظر إلى الصورة كاملة، فإن هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق ليست مجرد نقاط متفرقة على خريطة الملاحة العالمية، إنما هي حلقات متصلة في شبكة واحدة تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، وتمر عبرها كميات ضخمة من التجارة والطاقة، ولهذا فإنَّ استمرار التنافس بين الولايات المتحدة والصين وتحوله من منافسة تجارية واقتصادية إلى منافسة على طرق التجارة ومصادر الطاقة والبنية التحتية قد يجعل هذه الممرات أكثر حضورا في الحسابات الجيوسياسية خلال السنوات المقبلة.. وقد لا تكون المعركة القادمة حول من يسيطر على المضائق، وإنما حول من يمتلك القدرة على التأثير في أمنها وكلفة المرور عبرها وقت الأزمات.

وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن تهم دول الخليج تحديدا، فما يمكن أن يمثل ورقة ضغط في الصراع بين القوى الكبرى، قد يتحول في الوقت نفسه إلى مصدر تهديد للاستقرار الاقتصادي والأمني في المنطقة، ولذلك فإنَّ حماية الممرات البحرية لا ينبغي أن تُترك بالكامل لحسابات القوى الكبرى، بل يجب أن تكون جزءا من رؤية إقليمية تضع أمن المنطقة وحرية التجارة والملاحة في مقدمة أولوياتها.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z