قراءة في قصيدة "بدر منير" للشاعر صالح بن عيسى الطائي

 

 


ناصر أبوعون

في هذه القصيدة المعنونة بـ(بدرٌ منير) للشاعر العُمانيّ صالح بن عيسى بن صالح بن عامر الطائيّ استحضار مكثَّفٌ لذاكرة المكان/ ولاية (بوشر)، وفي القلب منها مزرعة (سيبا المال)، التي أهداها السلطان تيمور بن فيصل بن تركي البوسعيدي لوالده الشيخ عيسى بن صالح بن عامر الطائيّ قاضي قُضاة مسقط، يستعيد من خلالها الشاعر ذكريات الزمن الجميل، ومراتع الصِّبا في (بيت الفُوْق) بصحبة أخيه الشيخ حمد بن عيسى.. وفيها لم يتابع الشاعر بناء معمار قصيدته على نهج القدماء بالوقوف على الأطلال وآثار ديار الطائيين الدارسة في ولاية بوشر، ولم يستدعِ محبوبة افتراضيّة مسايرةً لفصيل الشعراء الكلاسيكيين، بل استدعى ظاهرة البرق كطقسٍ مناخي مُعتاد، فبدأ مطلع قصيدته بوصف مكان وزمان عاصفته الراعدة: (أَبَرْقٌ لَاحَ مِنْ صَوْبِ الْقُصُوْفِ/ غُرُوبًا فَاسْتَطَالَ بِهِ وُقُوفِي)؛ و(البرق) هنا ليس ظاهرة طبيعيّة، بل استثارة وهِزّة للذاكرة الاجتماعية؛ فومضة البرق الصاعقة عادت بالشاعر إلى مرابض الطفولة، وارتدّت به من الواقع إلى الماضي، ونقلت الشاعر من متابعة المشهد الحِسِّي إلى الجو العائليّ.

القصيدة.jpeg

وفي ضوء نظرية التأويل والتّلقي المضفورة في المنهج التداولي وعلم اللسانيات تتبدّى قصيدة (بدرٌ مُنير) كبِنْيَة دلالية مفتوحة على عالم واسع من التأويلات، ومن ثَمَّ يمكن استنطاق القصيدة عبر تتبّع سلسلة الإشارات المرسلة منها والمحمولة على لغتها؛ فقوله: (أَبَرْقٌ لَاحَ) إشارة إلى طبيعة البرق المعتادة في ذاكرة القراء، ولكنّ الشاعر استدعى (البرق) ليلعب دور المثير والمُحفّز للذاكرة الإنسانيّة؛ وتجسَّد هذا المعنى في البيت التالي، في قوله:[ذَاكَرَنِي الْأَحِبَّةَ فِي قَدِيمِ/
وَأَرْبَابَ الْمَكَارِمِ وَالضُّيُوْفِ]؛ وهنا تجاوز (البرق) وجوده الفيزيائي إلى وظيفة نفسيّة بحتة، حيث تحوّل إلى علامة استذكارية جلبت معها ذكريات الطفولة ومرابع الحنين إلى بيت عائلة الطائيين في ولاية بوشر، وهي محاولة من الشاعر لإعادة إنتاج الماضي عبر فِعْل التذكّر، ومن ثَمَّ استطاع خرق أُفُق التَّوقّع لدى القراء والمتلقين، الذين انتظروا من الشاعر بناءً على معنى البيت الأول أن ينسج لهم قصيدة غزليّة أو طلليّة، اعتمادًا على ما توحي به كلمات (البرق، الغروب، الأحبة، القديم)، وهي ألفاظ مألوفة في ذاكرة الإنسان العربيّ؛ لكن الشاعر خرق أُفُق توقعاتهم فأنشأ قصيدة يدور غرضها الرئيس استعادة العلاقات الإنسانية من خلال الحنين للأمكنة والأحبة.

ذاكرة المكان

في هذه القصيدة يتبيّن لنا أنَّ الشاعر صالح بن عيسى الطائيّ كان يتأمّل مسقط رأسه، وملاعب صباه في (ولاية بوشر) ويستذكر كهوف جبالها، ويتخيّل (مزرعة سيبا المال) وآكامها، ليس بوصفها خرائط جغرافيّة مؤطَّرة بالمعالم التاريخية، بل بوصفها وعاءً لذاكرته وتقلباته وتقلبّاته بين أطرافها؛ في قوله: [وَ(بُوْشَرَ) مَرْتَعُ الْآبَا بِعَصْرٍ/ فَلَسْتَ تَلْقَى شُرُوْرَ الصُّرُوْفِ]، وقوله: (تُذَاكِرُنِي بِأَيَّامِي بِـ(سِيْبَا)/ قَضَيْتُ رُبُوعَهَا بَيْنَ الْكُهُوْفِ)؛ وإذا كانت هذه الأماكن ذات وظيفة نصّيّة إلا إنها علامات إِحاليّة استدعت تاريخ ومعالم ولاية بوشر خارج فضاء القصيدة؛ فالقاريء العُمانيّ لها سيستدعي على الفور فضاء ولاية (بوشر) بثقافتها، وتراثها الشعبيّ وخارطة توزّع القبائل التي كانت تقطن فيها، والشخصيات التي أسهمت في صناعة تاريخها، بينما القاريء غير العُمانيّ، سينظر لمعالم(بوشر) بوصفها علامات إحاليّة، تأخذه إلى أيام شبابه ومواطن طفولته وتستحضر الذّاكرة الجمعيّة.

المفارقة الزمنية

في القصيدة وقف الشاعر صالح الطائي في المنطقة الوسطى ما بين جُنْحين زمنيين: حاضر يتأسف على انقضائه، وماضٍ تستدعيه الأحداث من قعر الذاكرة وتضعه في مواجهة الحاضر؛ وهذه مفارقة زمنية وحقل دِلاليّ مركزيّ، تكرر معجمه بصورة لافتة بين ظهراني القصيدة كشفت عنه ألفاظ: (قَدِيم، بِعَصْرٍ، أَيَّامِي، عُهُودُكُمْ، تَقَضَّتْ، الدَّهْر، طَوَالَ حَيَاتِهِ)؛ وإذا ما تأمّلنا قوله:[عُهُودُكُمْ بِـ(بُوشَرَ) قَدْ تَقَضَّتْ/كَذَاكَ الدَّهْرُ فِي أَمْنٍ وَخُسُوْفِ]؛ عثرنا على مفارقة دِلاليّة تولّدت من الفعل (تَقَضَّتْ) بما يحمله من معاني الفوات الانتهاء من جهة، ومحاولة الشاعر استعادة ذاكرة الماضي ومنحه حياة جديدة في الحاضر من جهة أخرى، وهذه المفارقة من أهم المفاتيح التأويلية في القصيدة؛ فالماضي رغم انقضائه زمنيًّا إلا أنه مازال باقيًا في وجدان الشاعر والزمن ليس كرونولوجيا تتعاقب في تسلسل تاريخيّ، بل كان هذا الزمن قوة تضغط بعنف وسببًا للفقد.

الفعل التداوليّ

قد يظن البعض أنّ نداء الشاعر لأخيه حَمَد بن عيسى:[فَيَا (حَمَدُ) قَرِيضُكَ قَدْ أَتَانِي/ كَشَمْسٍ أَسْفَرَتْ بَعْدَ الْكُسُوْفِ] خطابٌ مباشر؛ بل فعلٌ تواصليّ بامتياز بين الشاعر دلّت عليه كلمة (قَرِيضُكَ) رغم بُعْد المساحة الجغرافيّة والمسافة الزمنية بين الأخوين. ومن ثَمَّ يمكننا تحديد العناصر الأربعة للمستوى التداوليّ في القصيدة، وهي: (المرسل، والمخاطب، والرسالة، والسياق التواصليّ)، ثم جاءت الاستعارة في قوله: (كَشَمْسٍ أَسْفَرَتْ بَعْدَ الْكُسُوْفِ) لتمنح الرسالة قيمة وجدانيّة أعلى تكثيفًا؛ فكما تعود الشمس عَفيّة متوهّجة بعد ظاهرة الكسوف، تعود الصلة الإنسانيّة بين الشاعر وأخيه حمد وعائلته الطائيّة بعد غياب. ومن منظور تداوليّ فإن محتوى الرسالة رغم أهميته إلا أنه هزّ شجرة وجدان الشاعر، فتساقطت رُطب الماضي الجميل، ورجعت به إلى أيام صباه في (بوشر وسيبا المال). ومن ثَمَّ يمكننا القول: إنَّ الرسالة تحوّلت من نصّ داخل القصيدة إلى مثير ومحفّز لإنتاج نصّ ذاكرويّ بامتياز.

معياريّة الماضي

 [وَفِي عَصْرِ ابْنِ تَيْمُورَ سَعِيدٍ/ تُصَانُ عَنِ الْمَفَاسِدِ وَالدُّفُوْفِ] في هذا البيت تحوّل الزمن الماضي إلى مرآة تعكس شكل الحاضر، واتخذ من زمن السلطان تيمور مقياسًا معياريًّا يُحاكم من خلاله الواقع الذي يعيش فيه، وفي البيت مقابلة بين عصرين؛ عصر تيمور الذي رآه أكثر محافظةً على القيم، في مقابلة حاضر يراه من خلال المعايشة أقل التزامًا بمنظومة القيم العمانية المتوارثة؛ ومن ثَمَّ صار الزمن الماضي موقفًا قِيَميًّا يحاكم به واقعه المعاصر، ومن خلال نظرية التلقي يمكننا إعادة قراءة هذا البيت الشعريّ بوصفه دِلالة على تحوّل الذاكرة الشخصية إلى ذاكرة اجتماعية، ونقد واقعيّ للمتغيّرات الاجتماعية، واستدعاء صورة المجتمع العماني المحافظ، والحنين إلى القيم الاجتماعيّة العُمانية المتوارثة، وبناء ثنائية الماضي/الحاضر.

(بدر) الاسم والدلالة

يقول الشاعر: [وَبَدْرٌ لَمْ يَزَلْ بَدْرًا مُنِيْرًا/ شَفَاهُ اللهُ مِنْ أَلَمِ السَّفُوْفِ] فاسم بدر في هذا البيت استدعى تفاعلا بين (الاسم والمعنى)، فـ(بدر) عَلَمٌ ابن أخيه حمد، و(بدر) القمر المنير/ النور والأمل)، فلمّا مَرَض (بدرُ) ابن أخيه رفض الشاعر أن تنطفيء صورة (البدر/القمر) في وجدانه، وهذه من أجمل العلامات التأويلية في القصيدة؛ فاسم (بدر) يحمل مستويين: المستوى الأول، وهو اسم (بدر بن حمد بن عيسى الطائيّ) ابن أخي الشاعر، والمستوى الثاني، وهو الثقافي والدلاليّ حيث اكتمال لقمر واستدارته وتوهّجه بالإضاءة؛ ولهذا تأتي عبارة: [لَمْ يَزَلْ بَدْرًا مُنِيْرًا] للتأكيد على أن مرض الجسد لا يمحو القيمة الجمالية والروحية للابن بدر. وفي قوله: [شَفَاهُ اللهُ] انتقل الشاعر بلغة الخطاب من صيغة الوصف إلى الصيغة الدُّعائيّة، وهذه الجملة الخبريّة من المنظور التداوليّ تحوّلت إلى فِعْلٍ كلاميّ إنجازيّ ذي وظيفة وجدانية واجتماعية ودينيّة، حيث تحولت معه اللغة من كونها وسيلة إخبارية إلى فعلٍ تضامنيّ، لإظهار (التعاطف، والتعلّق، والرجاء، والمشاركة الوجدانية) مع أخيه الشيخ حمد بن عيسى في محنة مرض ابنه بدر.

ترابط الحقول الدلالية

عبر ستة حقول دلالية تفاعلت فيما بينها، سنكتشف نوعًا متعاليا من الاتساق المعجميّ، يؤكد على أن القصيدة ليست رزنامة من الأبيات المتجاورة، بل قماشة واحدة من نسيج معجميٍّ ذي لُحمة متماسكة. ومن أهم وسائل الاتساق النّصيّ: (تكرار الأسماء والإحالات، والضمائر)؛ كما في قوله: [فَصَالِحُ لَمْ يَزَلْ لِلْبَدْرِ أَبًا/ وَصَالِحُ لَا يَزَالُ لَكُمْ وَفِيًّا]، فقد ظهر اسم الشاعر (صالح بن عيسى) مرتين، كشاعر يستذكر الماضي، ثم ينتهي به المطاف ليظهر في صورة الأب الرمزي والحامي لابن أخيه بدر وفاءً لأخيه حمد، ثم تكرر اسم ابن أخيه (بدر)، فبدأ أولًا بوصفه مريضا ثم تحوّل إلى به ليكون رمزًا للنور، ثم أصبح موضوعًا للوفاء والرعاية؛ فضلا عن تكرار بعض أسماء الأمكنة، وهذا التكرار ليس حشوًا، بل إن الاسم كلما تكرر عاد بدلالة جديدة ومعنى جديدًا. أمّا عن الحقول الدلاليّة التي أشرنا إليها أعلاه فهي:[حقل الذاكرة](قديم، عصر، عهودكم، تقضّت، الدهر)، و[حقل الأمكنة](بوشر، سيبا، الكهوف، ربوعها)، وحقل العلاقات الإنسانية(الأحبة، أرباب، الضيوف، حمد، العم، بدر، صالح)، و[حقل النور](برق، شمس، أسفرت، بدر، منير)، و[حقل المرض](ألم، الحتوف، السفوف)، و[حقل القيم](المكارم، تصان، الأمان، الوفاء، ينافح)،

المسار الدلالي للعلامات

ترتكز قصيدة (بدرٌ منير) للشاعر صالح بن عيسى الطائيّ على شبكة مترابطة من العلامات، يمكننا اختزال مسارها الدلاليّ بطريقة خَطيّة على النحو التالي: [مثير حسيّ، ثم ذاكرة، ثم مكان، ثم زمن، ثم إنسان، ثم مرض، ثم دعاء، ثم وفاء]؛ فالبرق في السماء استدعى (ذاكرة الشاعر)، والذاكرة استدعت (الأهل والأحبة)، والأحبة استدعوا (ولاية بوشر المكان)، وبوشر استدعت (منظومة القيم العُمانيّة) في عصر السلطان تيمور، ثم جاءت برقيّة الشيخ حمد بن عيسى لأخيه الشاعر صالح فاستدعت (سيبا المال)، والأيام المشتركة بين الأخوين)، ثم انتقل الخطاب الشعريّ إلى ابن أخيه (بدر)، الذي بدوره استدعى (النور والدعاء والرعاية)، ثم انتهت القصيدة بالوفاء، وهذا يؤكد على أن هذه القصيدة ليست مجرد نستالوجيا/ حنين للماضي بل قصيدة تقاوم الفقد بالوفاء وتقاوم النسيان بالذاكرة.

تأويل وتداوليّة

إذا كانت عملية تأويل معاني القصيدة هي بحث فيما وراء المعاني المباشرة؛ فإن التداوليّة توظَّف لتعين القاريء على فهم المعاني في سياقاتها الاستعماليّة؛ فعبارة: (فَيَا حَمَدُ) لا يمكن فهم وظيفتها كاملة إلا باستحضار علاقة الشاعر بالمخاطَب، وعبارة: (وَصَالِحُ لَا يَزَالُ لَكُمْ وَفِيًّا) لا تعني الإخبار بالوفاء، بل تؤدي فعلًا اجتماعيًا يتمثل في تجديد العهد أمام المخاطب والمتلقي. ومن هنا فإن المعنى يتولّد عبر عمليّة التفاعل الديناميّ بين: (اللغة + السياق + العلاقة بين المتخاطبين + المعرفة الثقافية + خبرة القاريء) ومن ثَمَّ يمكن تحديد النواة الدِّلاليّة العميقة للقصيدة في العبارة الآتية: إذا كانت عوامل التعرية الزمنية تستطيع محو الأمكنة، إلا أنها لن تكون قادرة على محو الذاكرة الإنسانية الصادقة، وسيقف الإنسان عاجزًا أمام الكثير من القصص الصادقة المعبِّرة عن الوفاء الإنسانيّ؛ ولهذا تأتي نهاية قصيدة (بدرٌ منير) ذات دلالة بالغة:[فَـ(صَالِحُ) لَمْ يَزَلْ لِلْـ(بَدْرِ) أَبًا/ وَ(صَالِحُ) لَا يَزَالُ لَكُمْ وَفِيًّا/ طَوَالَ حَيَاتِهِ وَإِلَى الْحُتُوْفِ]؛ فعبارة (لم يزل) وعبارة (لا يزال) تؤسّسان لمعنى (الاستمرار)، في مقابل الأفعال الدَّالة على (الانقضاء)؛ مثل (تقضَّت)؛ فـ(العهد قد ينقضي زمنيًا، لكن الوفاء لن ينقضي وجدانيًا)، ومن هذا المنطلق تأسستْ المفارقة المركزية في القصيدة.

 

الأكثر قراءة

z