نصف الحقيقة أخطر من الكذب

 

 

 

يارا الحايك **

 

أخطر ما يمكن أن يُقال عن إنسان ليس بالضرورة كذبًا كاملًا، بل قد يكون نصف حقيقة؛ حقيقة انتُزعت من سياقها، أو رواية رُويت من زاوية واحدة، ثم تُرك لنا أن نبني عليها حكمًا كاملًا؛ فالكذب الصريح قد يدفعنا إلى الشك، أما نصف الحقيقة فيمنحنا شعورًا زائفًا بأننا نملك الصورة كاملة.

ومع ذلك، كثيرًا ما نتعامل مع أول رواية تصل إلينا وكأنها الحقيقة النهائية. نسمع شكوى من طرف، فنتعاطف معه، ثم ننتقل من التعاطف إلى الحكم، ومن الحكم إلى اتخاذ موقف، وربما إلى قرار يغيّر علاقة أو يهدم ثقة، قبل أن نسأل السؤال الأهم: هل سمعت الطرف الآخر؟

لقد سمعنا جميعًا قصة ليلى والذئب، لكننا سمعناها بلسان ليلى. صدقنا روايتها، تعاطفنا معها، وأصدرنا حكمنا على الذئب. غير أننا لم نتوقف لنسأل: ماذا لو كان للذئب رواية أخرى؟ ماذا لو أن ما وصل إلينا لم يكن سوى جزء من القصة؟

ليس المقصود تبرئة الذئب أو تكذيب ليلى، وإنما استحضار قاعدة أعمق: لا تجعل أول رواية تسمعها آخر حقيقة تبحث عنها.

وهذه القاعدة نجد لها مثالًا بالغ الدلالة في قصة يوسف عليه السلام. فقد جاء إخوته إلى أبيهم يعقوب عليه السلام برواية تبدو مكتملة: {قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف: 17].

ثم جاءوا بالقميص، وأرادوا أن يجعلوا منه شاهدًا على روايتهم: {وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} [يوسف: 18].

لكن الحقيقة لم تكن في الرواية التي سمعها الأب، ولا في الدليل الذي قُدّم إليه.

ولهذا جاء التوجيه القرآني واضحًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].

فتبيّنوا، ليست هذه الكلمة مجرد دعوة إلى التأكد من خبر، بل منهج في التفكير وموقف أخلاقي. فالإنسان يميل بطبيعته إلى القصص السهلة والأحكام السريعة؛ لأنها تمنحه شعورًا باليقين، بينما الحقيقة غالبًا أكثر تعقيدًا، وتحتاج إلى وقت وأسئلة واستماع. والأخطر أننا لا نستقبل الروايات بعقل محايد دائمًا. فإذا كانت لدينا صورة مسبقة عن شخص، فقد نبحث، من حيث لا نشعر، عما يؤكدها ونتجاهل ما ينقضها. فإذا قيل لنا إن فلانًا متكبر، فقد نفسر صمته على أنه غرور، واعتزازه برأيه على أنه تعالٍ، واختلافه معنا على أنه سوء طبع. وهكذا لا نعود نرى الإنسان كما هو، بل كما قيل لنا إنه هو.

تلك هي خطورة الصورة النمطية: أن تدين الإنسان قبل أن تمنحه فرصة للكلام، وفي معظم الأوقات نجده عكس ما قيل عنه.

كم من شخص دخل حياتنا متأخرًا لأن صورته وصلتنا قبله؟ وكم من علاقة انتهت لأننا اكتفينا بتفسير طرف واحد؟ وكم من إنسان حملناه مسؤولية موقف لم نعرف ظروفه، ثم اكتشفنا بعد فوات الأوان أن القصة كانت أكثر تعقيدًا مما ظننا؟

وهنا ينبغي أن نفرق بين الحذر والحكم، وبين الاستماع والتصديق، وبين حسن الظن والسذاجة. فالتأني لا يعني إلغاء العقل، والاستماع إلى الطرف الآخر لا يعني منحه البراءة تلقائيًا. المطلوب هو العدل: لا تمنح ثقتك بلا دليل، لكن لا تمنح إدانتك بلا دليل أيضًا.

لذلك، حين تنقل إليك "ليلى" شيئًا عن "الذئب"، لا تتعجل في إغلاق القضية. اسمع ليلى، ولكن اجلس مع الذئب أيضًا. لا تستبدل رواية برواية، بل ابحث عن الحقيقة بين الروايات.

النضج الفكري لا يظهر في سرعة إصدار الأحكام، وإنما في القدرة على تأجيل الحكم حتى تكتمل الصورة. والقوة ليست أن تكون أول من يتخذ موقفًا، بل أن تمتلك شجاعة مراجعة موقفك حين تظهر حقيقة جديدة.

وقبل أن نحكم على إنسان، ربما يجدر بنا أن نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا لكنه كاشف: هل سمعت قصته، أم سمعت عنه فقط؟ فقد لا تكون المشكلة أن ليلى كذبت، ولا أن الذئب قال الحقيقة؛ ربما كانت المشكلة أننا اكتفينا بسماع ليلى.

فلا تجعل نصف الحقيقة حكمًا كاملًا؛ فنصف الحقيقة قد يكون أخطر من الكذب.

** كاتبة سورية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z