علي بن محمد بن جمعة اللواتي
كيف نعرف أنَّ سياسات التنمية والتنويع الاقتصادي تُحقق غايتها؟ أرى أنَّ أقوى اختبار عملي لها هو صحة القطاع الخاص: هل تتسع قاعدة المؤسسات القادرة على تحقيق أرباح مستدامة، وإعادة الاستثمار، ورفع الإنتاجية؟ وهل تتنوع مصادر دخلها وأسواقها، وتزداد قدرتها على النمو دون اعتماد دائم على دعم استثنائي؟
صحة القطاع الخاص تكشف مدى تحوّل السياسات إلى فرص قابلة للاستثمار، ومدى قدرة هذه الفرص على بناء مؤسسات تستمر وتتوسع. وتكتسب هذه الدلالة قوتها حين يشمل التحسن مؤسسات وقطاعات متعددة، وتستند الأرباح إلى قيمة مضافة وكفاءة وقدرة على المنافسة.
ومن هذا المنطلق، يصبح تمكين القطاع الخاص من الربح والنمو في صميم مسؤولية التنمية. فنحن ننتظر منه أن يستثمر، ويوظّف المواطنين، ويطوّر مهاراتهم، ويبتكر، ويُسهم في الإيرادات العامة والمشروعات المجتمعية. وكل هذه الأدوار تحتاج إلى قدرة اقتصادية تحملها وتتيح استمرارها.
الربح عائد لصاحب الاستثمار، وهو أيضًا مورد تستطيع المؤسسة أن تبني به مستقبلها. فمن الأرباح المحتجزة تموّل توسعًا، وتستقطب كفاءات، وتطوّر أنظمة، وتكوّن احتياطيًا يساعدها على تجاوز التقلبات. ومع تراكم هذه الموارد، تصبح أقدر على اتخاذ قرارات يمتد عائدها إلى سنوات.
أما المؤسسة التي تكاد إيراداتها تغطي التزاماتها، فتظل خياراتها ضيقة. قد ترى فرصة جيدة، لكنها تعجز عن تمويلها. وقد تدرك حاجتها إلى موظفين أكثر تأهيلًا، لكنها تؤجل استقطابهم. وقد ترغب في دخول سوق جديدة، لكن كلفة التجربة واحتمال تأخر العائد يتجاوزان قدرتها.
وتُبنى القدرة عبر دورات متتابعة من العمل والربح وإعادة الاستثمار. وحين تتعطل هذه الدورة، يتعثر معها الانتقال من نشاط محدود إلى مؤسسة تستطيع التوسع وتحمل مسؤوليات أكبر. لذلك، يستحق السؤال عن جدوى الأعمال وعوائدها مكانًا واضحًا عند تقييم السياسات الاقتصادية.
ويرتبط ذلك بنشاط الحركة الاقتصادية واتساع الطلب، بما في ذلك ما تولّده مشروعات المرساة من فرص متكررة للتوريد والخدمات والأنشطة المساندة. ويتسع أثرها حين تستطيع المؤسسات المحلية الوصول إلى هذه الفرص وبناء أعمال مربحة حولها.
ومن العلامات الدالة على جاذبية بيئة الأعمال أن تجد الفرص والاستثمار مساحة أوسع في أحاديث الناس، وأن يرى أصحاب الخبرة في تأسيس مشروع مسارًا يستحق الدراسة. وحين يفكر موظف مستقر في الانتقال إلى عمله الخاص استنادًا إلى طلب حقيقي وعائد يبرر مخاطرة محسوبة، فإنَّ ذلك يعكس ثقته بإمكان بناء مستقبل من خلال النشاط الاقتصادي. وتكتسب هذه الثقة أساسًا أقوى حين تستند إلى تجارب مؤسسات نجحت ونمت، وأظهرت للآخرين أن الاستثمار يمكن أن يثمر.
غير أن صحة المؤسسة تتصل أيضًا بقدرة قياداتها على توجيه وقتها واهتمامها إلى تطوير أعمالها. فهذه موارد محدودة، وطريقة استخدامها تؤثر في مستقبل المؤسسة.
يمكن لصاحب القرار أن يقضي وقته في تطوير منتج، أو اكتساب عميل، أو بناء فريق، أو دراسة توسع، ويمكن أن تستهلك جزءًا كبيرًا منه متابعة معاملة متعثرة، أو معالجة تضارب في الاشتراطات، أو ملاحقة مستحقات تأخر سدادها. وفي الحالتين يكون منشغلًا، لكن الأثر الاقتصادي لهذا الانشغال مختلف.
وهنا تظهر كلفة لا يسهل رصدها في الحسابات: كلفة الفرص التي لم تجد وقتًا كافيًا للدراسة والتنفيذ. فقد تنتهي المشكلة بعد أشهر، لكن الوقت الذي استهلكته لا يعود، وربما تكون فرصة الاستثمار قد تغيرت، أو تراجع استعداد صاحب العمل لخوض تجربة جديدة.
وإذا تكرر ذلك، فقد تصبح الإدارة بارعة في معالجة التعثر، بينما تتراجع المساحة المخصصة للتطوير. تستمر المؤسسة، وتبذل قياداتها جهدًا كبيرًا، لكن هذا الجهد لا يتحول بالقدر نفسه إلى نمو.
وقد يمتد أثر هذه الضغوط إلى قرار المواطن بالاستمرار في النشاط التجاري. فحين يتضاءل العائد مقارنة بالجهد والمخاطر، قد يختار بعض أصحاب الأعمال الانسحاب، وقد يصبح الاكتفاء بحضور اسمي مقابل دخل محدود أكثر إغراءً من الإدارة الفعلية، بما قد يهيئ مجالًا لممارسات التجارة المستترة. وهذا احتمال يستحق النظر ضمن أسباب متعددة لهذه الممارسات؛ إذ تستدعي مواجهتها، إلى جانب الرقابة والإنفاذ، الاهتمام بجدوى المشاركة الفعلية للمواطن واستمرار تراكم خبرته التجارية.
لذلك، فإنَّ قدرة القيادات على تخصيص وقت أكبر للتطوير والاستثمار علامة تستحق الاهتمام عند النظر إلى صحة القطاع الخاص. فالمؤسسة تحتاج إلى مساحة للتفكير في مستقبلها، وإلى قدرة على تنفيذ ما تخطط له.
وتحتل البنية التشريعية والرقابية موقعًا أساسيًا في بناء هذه البيئة. فوضوح الحقوق والالتزامات، وحماية المنافسة، واتساق تطبيق القواعد، تمنح المؤسسات أساسًا أكثر استقرارًا للاستثمار. وتزداد فاعلية المنظومة حين تتناسب متطلباتها وكلفة الامتثال لها مع طبيعة النشاط وحجم مخاطره.
وقد تكون لكل جهة مبرراتها عند وضع متطلب مُعين، بينما تتحمل المؤسسة الأثر المتراكم للمتطلبات مجتمعة، فإجراء يبدو بسيطًا لدى جهة واحدة قد يصبح جزءًا من سلسلة طويلة من الموافقات والبيانات المتكررة لدى جهات متعددة. ولذلك، ينبغي تقييم المنظومة من خلال تجربة المؤسسة معها كاملة، إلى جانب تقييم كل إجراء على حدة.
ويقتضي ذلك وضوح الاختصاصات، وتبادل البيانات، وتناسق الاشتراطات، وتقليل تفاوت التفسير والتطبيق. كما ينبغي أن يصاحب تعديل القواعد وقت مناسب للتكيف، ومسار واضح لحسم الخلافات والتظلم من القرارات.
والسؤال الذي يوجّه هذه المراجعة هو: هل تحقق المتطلبات الحماية المقصودة، وهل يمكن تحقيقها بطريقة أبسط وأكثر تناسبًا مع المخاطر؟ ففاعلية الرقابة تظهر في قدرتها على حماية الحقوق وضبط المخالفات، مع تمكين المؤسسة الملتزمة من فهم واجباتها والوفاء بها ضمن إجراءات واضحة وقابلة للتوقع.
وتتضح أهمية بناء القدرة حين تواجه المؤسسة المحلية شركة أجنبية راكمت حجم أعمال وخبرة وعلاقات تمويل وتوريد في أسواق أوسع. وقد تجد المؤسسة نفسها مطالبة بمجاراة هذه الإمكانات، بينما لا تزال تبني سجل أعمالها وفريقها وقاعدتها المالية.
ويكتسب هذا التحدي أهمية خاصة في الاقتصادات الصغيرة، حيث قد يحد الطلب المحلي من فرص التراكم والتوسع. فالفارق بين المؤسسات قد يعكس سنوات من التعلم والاستثمار، إلى جانب الاختلاف في كفاءة الإدارة وجودة المنتج.
وقد يكون تفوق الشركة الأجنبية مستحقًا. لكن السؤال التنموي يظل قائمًا: هل نتيح لشركاتنا فرصة بناء أدوات المنافسة، أم نتوقع منها بلوغ مستوى النضج قبل أن تتوافر لها شروط الوصول إليه؟
يمكن للاستثمار الأجنبي أن يضيف خبرات وفرصًا مهمة، وتتسع فائدته حين يسهم في تطوير موردين وشركاء محليين. وبالتوازي، يحتاج الاقتصاد إلى مسار تنمو عبره مؤسساته، من خلال فرص عادلة للوصول إلى الأعمال، وتمويل يلائم دورة النشاط، وحوافز تربط التوسع بتحسين الأداء. وعندما تتمكن المؤسسات المحلية من المنافسة والتوسع إلى أسواق جديدة، يصبح ذلك شاهدًا على تراكم قدرة اقتصادية قابلة للاستمرار.
تظهر صحة القطاع الخاص في اتساع قاعدة المؤسسات التي تحقق أرباحًا مستدامة، وتتمتع بسيولة سليمة، وتعيد الاستثمار، وترفع إنتاجيتها، وتوسّع أسواقها. وتزداد هذه الصحة رسوخًا حين تتراجع، مع نضج المؤسسات، حاجتها إلى دعم استثنائي متكرر للاستمرار، وتتعزز قدرتها على المنافسة والربح استنادًا إلى إنتاجيتها وجودة ما تقدمه. وتكتمل دلالة هذه الصحة حين تبادر المؤسسات إلى توظيف المُواطنين وتأهيلهم وبناء مسارات مهنية مجدية لهم.
كما يظهر امتداد هذا النجاح في نمو مساهمتها في الإيرادات العامة من الضرائب والرسوم نتيجة اتساع نشاطها وأرباحها، وفي تزايد مشاركتها الطوعية والمستدامة في المشروعات الاجتماعية والخيرية. وهكذا تتحول القدرة التي تتراكم داخل المؤسسات إلى فرص عمل وموارد ومبادرات ينتفع بها المجتمع.
وتقع على أصحاب الأعمال مسؤولية إدارة مواردهم بكفاءة، وتحمل نتائج قراراتهم، وتوظيف جزء من أرباحهم في بناء قدرة تدوم. وتدعم السياسات هذا الاتجاه حين تجعل الاستثمار في الكفاءات والإنتاجية والتوسع خيارًا مجديًا.
وعند تقييم سياسات التنمية والتنويع، ينبغي أن نعود إلى هذا الاختبار: هل أصبح القطاع الخاص أكثر قدرة على الربح والاستثمار والإنتاج والمنافسة؟ وهل ترافق نموه ونضجه مع تراجع اعتماده على دعم استثنائي متكرر؟ وهل اتسع أثر نجاحه في التوظيف والمالية العامة والمشاركة المجتمعية؟
وإذا اتسعت هذه القدرة، وتنوعت مصادرها، واستمر أثرها، فقد بدأت السياسات تؤتي ثمارها. أما إذا ظلت المؤسسات تكافح لمجرد البقاء، فإنَّ الفجوة بين الطموح والنتيجة تستحق المراجعة. فصحة القطاع الخاص هي المحك العملي لقدرة الاقتصاد على تحويل خططه إلى ازدهار مستدام.
