محمد بن عيسى البلوشي **
لم تكن السنوات الست الماضية من مسيرة المجالس البلدية في المحافظات مجرد مرحلة تشغيلية عابرة، بل كانت خاضعة لرصد وقراءة مُتأملة من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه؛ حيث لم تقتصر على تقييم الأداء الإداري فحسب، وإنما غاصت في عمق أثرها وتأثيرها على ممارسة اللامركزية الفاعلة، ومدى جاهزيتها للاضطلاع بدور محوري في التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، وقدرتها على استثمار المزايا النسبية لكل محافظة لتغدو مراكز جذب استثماري ومحركات تنموية مُستدامة.
وقد تجلّى هذا الاهتمام السامي في أبهى صوره من خلال التوجيه الكريم القاضي بـ«إجراء تقييم شامل للاختصاصات الممنوحة للمجالس البلدية والأدوار التي تقوم بها، وتكامل عملها مع أعمال المحافظين»؛ وهو توجيه استراتيجي يتجاوز حدود التقييم الإداري الشكلي ليؤكد حرص جلالته -أعزه الله- على تأسيس منظومة عمل وطنية متكاملة في المحافظات، تستند إلى قواعد راسخة من اللامركزية الإدارية والاقتصادية والاستثمارية؛ وتستثمر كافة المقومات المحلية لتوليد فرص متجددة وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي واستيعاب الطاقات والكفاءات الوطنية.
وبالرجوع إلى الأُطر التشريعية المنظمة، ولا سيما المادة (21) من قانون المجالس البلدية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (126/2020)، نجد أنها حددت 26 اختصاصًا تدور في معظمها حول إبداء الرأي، والاقترحات، والمتابعة، والمشاركة، والمشورة. وأمام التحولات التنموية الراهنة، تبرز الحاجة الماسة إلى إعادة هندسة هذه الاختصاصات وتطويرها لتنسجم عمقًا ومضمونًا مع التوجيهات السامية، وبما يكفل الانتقال بها من الأدوار الاستشارية التقليدية إلى أطر التمكين اللامركزي الفاعل، المرتبط بطبيعة كل محافظة وخصوصيتها ومقوماتها التنافسية.
وحتى تؤدي هذه المراجعة التقييمية أهدافها الاستراتيجية، نرى أن مستقبل العمل البلدي في المرحلة المقبلة يتطلب الارتكاز على 3 أركان رئيسية:
أولًا: التمكين القيادي وحوكمة الإجراءات بمكاتب المحافظين؛ حيث إنَّ تطوير المنظومة التنفيذية للعمل البلدي يستلزم في المقام الأول تقييم وتأهيل الكوادر القيادية والتنفيذية بمكاتب المحافظين، وإعادة بناء وحوكمة بيئة الإجراءات الإدارية. فالتمكين التشريعي الصريح قد يصطدم أحيانًا بضعف الجاهزية القيادية أو التردد في اتخاذ القرار وتحمل تبعات التطوير والتغيير؛ وهي ملكات قيادية وإرادة إدارية تتطلب صناعة استراتيجية مستمرة للقيادات المحلية وتوفير بيئة تنظيمية محفزة للابتكار المسؤول.
ثانيًا: مواءمة المهام وفق المزايا النسبية والبيئة الجغرافية للمحافظات؛ حيث تتفاوت المحافظات العُمانية في إمكاناتها وبنيتها التحتية؛ فبينما تمتلك محافظات مثل مسقط وظفار وشمال الباطنة مقومات استثنائية ونضجًا إداريًا متراكمًا نتاج إشراف مباشر سابق مكَّنها من بناء نماذج بلديّة متقدمة، تحتاج المحافظات الحدودية إلى صلاحيات استثنائية مرنة تمكنها من التعامل مع ديناميكيات عابرة للحدود وتفاصيل تنموية خاصة. وفي المقابل، تتطلب المحافظات الساحلية صلاحيات نوعية توجّه العمل البلدي نحو استحقاقات "الاقتصاد الأزرق" والاستثمار الاستراتيجي في الثروة البحرية والموانئ؛ وكذلك النظر إلى ممكنات المحافظات الداخلية. ومن هنا، فإن المنظومة الناجحة هي التي تجمع بين «إطار عمل وطني موحد» يضمن التناسق العام، و«مسارات صلاحيات خاصة» تستجيب لخصوصية كل محافظة وتسمح لقياس أثرها التنموي بدقة.
ثالثًا: حوكمة الأداء وتفعيل قياس الأثر المجتمعي؛ فاستدامة نجاح المجالس البلدية مرهونة بتأسيس أدوات عملية لقياس الأداء وحوكمة الأنشطة على مدار الدورة الانتخابية وبشكل سنوي دوري. وتتجلى أهمية هذه الأدوات في تقديم قراءة موضوعية لمدى قرب المجلس من تطلعات المجتمع المحلي، ومدى مرونته في التعاطي مع التحديات التنموية واستثمار الفرص أمامه وتحقيق الغايات المعتمدة في خطة المحافظة؛ حيث يمثل حوكمة الأداء والقياس المستمر الضمانة الأساسية لتحويل الخطط إلى نتائج ملموسة.
وعلى الضفة الأخرى من الشراكة التنموية، يبرز البُعد الوطني المسؤول الذي شدد عليه جلالة السلطان- أيّده الله- بقوله: «ضرورة المشاركة الفاعلة لفئات المجتمع وحسن الاختيار في الانتخابات، لما له من أهمية في رفد المجلس بالكفاءات التي يُعوَّل على خبراتها الارتقاء بأعمال المجالس البلدية في المرحلة المقبلة»؛ ويضع هذا التأكيد السامي المجتمع أمام مسؤوليته الوطنية في اختيار الأكفاء ومَن يمتلكون الرؤية والخبرة. فبينما تتولى الحكومة بناء المنظومة التشريعية والهيكلية وتوفير الممكنات المادية والإدارية، يتولى المجتمع مهمة ضخ دماء الكفاءة والخبرة عبر صندوق الانتخاب؛ في صورة تتجلى فيها أبهى معاني الشراكة الوطنية الشوروية التي أرساها أبناء عُمان عبر تاريخهم الممتد.
وكذلك تتطلب هذه المرحلة تطوير بعض مواد قانون المجالس البلدية بما يتيح اختيار عضوين من ذوي الكفاءة والخبرة المشهودة في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والقيادية والإدارية، دون اشتراط التفرغ التام أو العمل في الوظيفة العامة. ويعود السبب في ذلك إلى أن اشتراط التفرغ أو عدم شغل وظيفة عامة قد يثني الكثير من الكفاءات الوطنية والخبرات النوعية المتخصصة في القطاع الخاص والقطاعات الأكاديمية والتنموية عن الانضمام للمجالس والإسهام في رفدها بمرئيات استثمارية وإدارية حاسمة، مما يستدعي إيجاد مرونة تشريعية تسمح بالاستفادة من هذه الخبرات حسب توفر الكفاءات في كل محافظة.
واستكمالًا لهذا المسار التمكيني، وتزامنًا مع الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تبرز فرصة استراتيجية لتمكين الأعضاء الجدد فور فوزهم، من خلال استثمار الخبرات الأكاديمية والقيادية المتراكمة لدى الأكاديمية السلطانية للإدارة بالتعاون مع وزارة الداخلية، لتصميم «برنامج قيادي تخصصي في الإدارة البلدية والتنمية المحلية» يهدف إلى إكساب الأعضاء الجدد المعارف والأدوات الاستراتيجية والقيادية اللازمة، لترجمة خبراتهم إلى مخرجات تنموية تتواكب مع تطلعات رؤية "عُمان 2040" وتستجيب للتوجيهات السامية الكريمة.
** إعلامي وباحث اقتصادي
