"عسكرة الخليج"

 

حروب وصراعات متواصلة.. فهل كُتب على المنطقة العيش تحت النار؟!

 

حرب الخليج الأولى استمرت 8 سنوات وخلفت مليون قتيل وأضرارا اقتصادية بالغة

غزو الكويت مثّل زلزالا عصف بالمنطقة وأعاد تشكيل استراتيجياتها الأمنية

"عاصفة الصحراء" بداية التواجد الأمريكي في المنطقة

غزو العراق بداية انزلاق المنطقة إلى أتون الصراعات العسكرية

"عاصفة الحزم" ضد الحوثيين في اليمن تواصلت تداعياتها على المنطقة حتى اليوم

الحرب الأمريكية الإيرانية زعزعت استقرار المنطقة وألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي

التطورات الأخيرة في اليمن تزيد مخاوف توقف حركة التجارة وإمدادات الطاقة عالميا

 

 

الرؤية- عبدالله الشافعي

تزداد حدة التصعيد العسكري الأمريكي الإيراني في المنطقة يوماً بعد يوم، لتدخل المواجهات مرحلة جديدة تشمل "حرب الناقلات" والتي أثرت بشكل كبير على استقرار المنطقة وعلى إمدادات الطاقة العالمية، لتصبح منطقة الخليج أمام تحديات اقتصادية وجيوسياسية كبيرة ومعقدة تنعكس آثارها على الأوضاع الاقتصادية والتنموية.

ولم تكن هذه الأزمة -التي تسببت فيها الولايات المتحدة الأمريكية بشن هجوم مفاجئ على إيران في 28 فبراير الماضي خلال انعقاد جولات المفاوضات- هي الأولى من نوعها التي تشهدها المنطقة، فهذا التصعيد العسكري الواسع أعاد للأذهان الحروب والصراعات التي شهدتها العقود الماضية، بدءا من حرب الخليج الأولى ثم حرب الكويت والغزو الأمريكي للعراق والأزمة اليمنية وما تبعها من عمليات لـ"عاصفة الحزم" وأخيرا الحرب الأمريكية الإيرانية وتبعاتها وتطورات الأوضاع في مضيق هرمز ومضيق باب المندب، وكأن منطقة الخليج كُتب عليها العيش دائما تحت وطأة الحروب.

وإذا ما بدأنا الرصد من عام 1980، سنجد أن منطقة الخليج شهدت حروبا وصراعات متتالية في 1980 و1991 و2003 و2015 و2025 وحتى الآن، إذ كانت البداية من حرب الخليج الأول التي نشبت بين العراق وإيران في سبتمبر 1980 وانتهت في أغسطس 1988 وخلفت أكثر من مليون قتيل، وألحقت أضرارا بالغة باقتصاد البلدين.

ولقد اندلعت الحرب لعدة أسباب، وعلى رأسها الدعاية الإيرانية القائمة على تصدير الثورة واشتداد الخلاف بين العراق وإيران حول ترسيم الحدود خاصة في منطقة شط العرب المطلة على الخليج العربي الغني بالنفط بالإضافة إلى الاشتباكات العسكرية المتقطعة بين البلدين.

ومع تواتر الحوادث القتالية على الحدود، قرر مجلس قيادة الثورة العراقية في 22 سبتمبر 1980، شنَّ حملةٍ عسكرية ضد إيران، وتقدم الجيش العراقي سريعا، وكان تقدير القيادة العراقية يقول إن الحرب ستكون خاطفة ومحدودة لظنها أن الجيش الإيراني كان ضعيفا بعد حملة اعتقالات نفذتها السلطات الإيرانية الجديدة لعدد من كبار قادة الجيش الإيراني إبان عهد الشاه.

وبينما كانت الحرب تدور رحاها على الأرض، كانت هناك حرب أخرى تستهدف ناقلات النفط والسفن التجارية للبلدين قبل أن تتوسع لتشمل الدول الداعمة، ومن ذلك مهاجمة سفن حربية إيرانية عددا من السفن التجارية الكويتية ما دعا الكويت إلى طلب المساعدة الدولية لحماية سفنها.

وبحلول أغسطس 1988، يُقدر خبراء اقتصاديون كلفة 8 سنوات من الحرب بأكثر من 400 مليار دولار، فضلا عن كلفة بشرية أهم وهي أكثر من مليون قتيل وأضعاف ذلك من المصابين والمعوقين، كما خلَّفت دمارا واسعا في البنية التحتية للبلدين وألحقت ضررا كبيرا بالمنشآت النفطية التي هي قوام اقتصاديهما.

وبعد عامين من وقف الحرب العراقية الإيرانية، شهدت منطقة الخليج زلزالا عصف بالمنطقة وذلك بغزو القوات العراقية للكويت في الثاني من أغسطس عام 1990، إذ اخترقت قوات من 20 ألف جندي الحدود مع الكويت من أربعة محاور، وفي غضون ساعات استولت هذه القوات مدعومة بسلاح الطيران العراقي على العاصمة الكويت.

أكمل الجيش العراقي سيطرته على البلاد في يومين، وأعلنت بغداد "تحرير الكويت من حكم آل الصباح"؛ وفي 4 أغسطس نصّبت حكومة جديدة للبلاد موالية للعراق دامت أربعة أيام.

وفي 9 أغسطس 1990 أعلن العراق ضمّ الكويت، وقال إنها أصبحت المحافظة العراقية التاسعة عشرة، وأغلق كل السفارات الموجودة فيها وألغى كل سفاراتها في العالم، كما غير العراق اسم العاصمة الكويت إلى "كاظمة" قائلاً إنها عادت إلى "الوطن الأم".

ولقد تطورت الأحداث سريعاً بإعلان تشكيل تحالف دولي شاركت فيه أكثر من 30 دولة بقيادة الولايات المتحدة، واكتسب "شرعيته" الدولية بعد اعتماد مجلس الأمن قراره رقم (678) يوم 29 نوفمبر 1990، والقاضي باستخدام "كل الوسائل اللازمة" -بما فيها استعمال القوة العسكرية ضد العراق- ما لم يسحب قواته من الكويت، وحدد القرار يوم 15 يناير 1991 موعدا نهائيا لذلك الانسحاب.

وحين اكتملت الترتيبات الميدانية لقوات التحالف، وانقضت المهلة الممنوحة للعراق للخروج من الكويت؛ تحولت الأزمة إلى مرحلتها الأخيرة التي تمثلت في استخدام القوة العسكرية لإرغام العراق على هذا الانسحاب، ففي فجر السبت 17 يناير 1991 بدأت قوات التحالف حملة جوية مُكثفة شملت الأراضي العراقية كلها سمتها "عاصفة الصحراء"، وكانت أحيانا بمعدل ألف غارة جوية في اليوم. في الوقت الذي أعلن فيه الرئيس العراقي صدام حسين -عبر الإذاعة العراقية- أن "أم المعارك قد بدأت".

ومن بين الخطوات التي اتخذها العراق ضد "عاصفة الصحراء" قصف إسرائيل وعدة مدن سعودية والبحرين، وسكب ما يقارب مليون طن من النفط الخام في مياه الخليج العربي، والسيطرة على مدينة الخفجي السعودية ذات الأهمية الإستراتيجية (معبر لحقول النفط شرقي السعودية)، لكن سرعان ما استعادتها قوات سعودية وقطرية.

ومع تصاعد العمليات العسكرية، قرر العراق في 25 فبراير 1991 الموافقة على الانسحاب وفقاً لشروط الانسحاب المعلنة من التحالف الدولي، ومع تزاحم الآليات العسكرية العراقية في طريق العودة، قام طيران التحالف بقصفها وجرى تدمير 1500 آلية عسكرية وقتل مئات الجنود العراقيين.

وتسبب الغزو العراقي في خسائر بشرية ومادية فادحة للكويت، وحسب الأرقام الرسمية الكويتية فإن الغزو أدى إلى مقتل 570 شخصا ونحو 605 من "الأسرى والمفقودين"، وخلف خسائر وأضرارا هائلة تمثلت في إشعال 752 بئرا نفطية مما أنتج كوارث بيئية جسيمة وأوقف إنتاج النفط مدة طويلة. كما تعرض العراق -خلال مدة الحرب البالغة 40 يوما- للقصف بأكثر من مائة ألف طن من المتفجرات، بما في ذلك مئات الأطنان من ذخائر اليورانيوم المنضّب، وهو ما أدى إلى سقوط ما بين سبعين ألفا ومئة ألف قتيل في صفوف الجيش العراقي (مقابل 505 جنود من قوات التحالف، 472 منهم أميركيون)، وجرح قرابة 300 ألف جندي، وأسر ثلاثين ألفا آخرين.

وعاد الهدوء للمنطقة مرة أخرى لكنه لم يدم طويلا، لأن أمريكا قررت غزو العراق عام 2003 بذريعة امتلاكه أسلحة دمار شامل، مما أدى لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين، وخسائر بشرية قُدرت بمليون قتيل ومصاب وملايين المشردين، وخسائر مادية للطرفين تقدر بتريليونات الدولارات، وانزلاق البلاد في عنف طائفي بلغ ذروته خلال 2006-2007.

ولقد استمرت عمليات الغزو -الذي أطلقت عليه واشنطن ولندن "عملية الحرية من أجل العراق"- من بدايته وحتى احتلال بغداد 19 يوما، واجهت فيها القوات الغازية مقاومة من الجيش العراقي الذي كان يقاتل دون غطاء جوي.

أما الفترة الواقعة بين لحظة سقوط العاصمة بغداد وحتى نهاية ديسمبر 2007 فقد بلغ فيها عدد العمليات العسكرية الأميركية بالعراق ما يناهز 569 عملية عسكرية، تتفاوت المحافظات والمناطق العراقية في كثافتها فيها، حيث تأتي بغداد أولا ثم محافظة الأنبار ثم بقية المحافظات، ونُفذ 35% منها في عام 2007 وحده.

وقد وصل عدد الجنود الأميركيين في العراق ذروته عام 2007 بانتشار 170 ألف جندي ثم بقي حوالي خمسين ألفا منهم لدى انتهاء العمليات القتالية في أغسطس 2010.

وفي 18 ديسمبر 2011، أعلنت الولايات المتحدة أن جيشها أكمل انسحابه من العراق ذلك اليوم. وكانت بريطانيا بدأت سحب قواتها من جنوبي العراق مطلع أبريل 2009 وأكملته بشكل نهائي يوم 22 مايو 2011.

ومع بدء الهدوء الحذر في المنطقة وانقشاع غبار المعارك في العراق، لاحت في الأفق حرب أخرى في عام 2015 بإعلان السعودية تشكيل تحالف عربي وتنفيذ عمليات عسكرية باسم "عاصفة الحزم" ضد جماعة "أنصار الله" الحوثيين في اليمن، وهي حرب طال أمدها واستمرت تداعيتها حتى اليوم.

وبعد أقل من 10 سنوات من "عاصفة الحزم"، دخلت المنطقة بأكملها في دوامة التصعيد العسكري مع تنفيذ المقاومة الفلسطينية عملية "طوفان الأقصى" في أكتوبر 2023، لتتوالى الأحداث بعد ذلك سريعا لتشمل المنطقة بأكملها، وعلى إثرها تقصف إيران إسرائيل وتنشب حرب سميت بحرب الـ18 يوما، ثم تندلع حرب أكبر بدأتها أمريكا وإسرائيل في 28 فبراير 2026 ضد إيران وتستمر حتى الآن.

وهذه الحرب الأخيرة شملت دول الخليج، إذ استهدفت إيران القواعد الأمريكية في المنطقة، وأغلقت مضيق هرمز لتتأثر إمدادات الطاقة العالمية، ثم تتحول الحرب بعد ذلك إلى حرب اقتصادية باستهداف ناقلات النفط من قبل الطرفين.

وفي الأيام القليلة الماضية، شهدت الساحة اليمنية تصعيدًا ميدانيًا متسارعًا مع توسع العمليات العسكرية على عدة محاور، إلى جانب قصف عدة مدن في السعودية واستهداف خط شرق-غرب السعودي، وإعلان جماعة "أنصار الله" مؤخرا السيطرة على كامل الساحل الغربي وعدة جزر استراتيجية متحكمة في مضيق باب المندب.

ومع كل هذه الحروب والصراعات المستمرة لأكثر من 4 عقود، فإن هذه الأحداث الدامية تؤكد أن منطقة الخليج كلما اقتربت من تحقيق قفزات تنموية تظهر الصراعات العسكرية فجأة لتعيق النهوض الاقتصادي وتستنزف موارد هذه المنطقة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z