أسماء مقيبل
تسير التنمية بخطى ثابتة حين تتكامل جهود المؤسسات العامة والخاصة مع طاقات المجتمع؛ فإلى جانب المشاريع الحكومية الكبرى وخطط الشركات، التي تظل الركيزة الأساسية للتنمية، برزت المبادرات المجتمعية كشريك فاعل يكمل هذه المسيرة ويضيف إليها بعدًا إنسانيًا أقرب إلى الناس.
والمبادرة، حين تنطلق، إنما تولد من حاجة يلمسها أصحابها في واقعهم، فيقرر أفراد مؤمنون بجدوى العمل أن يسهموا بجهدهم في دعم مسيرة التنمية، إلى جانب ما تقدمه الجهات الرسمية من برامج ومشاريع. ومن واقع تجربة شخصية في العمل المجتمعي، أستطيع أن أشهد على هذا الدور التكاملي عن قرب؛ فمنذ عام 2016، أطلقتُ في محافظة ظفار مبادرة "ضياء الزهر" لتمكين المرأة والأسرة المنتجة، كفكرة فردية بسيطة، هدفها إيجاد حلقة وصل تسويقية ومجتمعية تجمع النساء المنتِجات في مختلف ولايات المحافظة.
ومنذ تلك البداية المتواضعة، وصلت المبادرة إلى أكثر من 500 امرأة وأسرة منتجة، وتعلمتُ أن قيمة المبادرات الحقيقية تكمن في قربها من الناس، وفي قدرتها على الوصول إلى فئات قد تحتاج إلى جهد تكميلي إلى جانب البرامج الرسمية، كربات المنازل، والأسر المنتجة، والشباب الحرفيين، وكبار السن.
ومع مرور السنوات، ومن خلال ما نظّمته المبادرة من منصات تسويقية جمعت ربات الأعمال المنزلية، والأسر المنتجة، ورائدات الأعمال؛ فقد أتيحت لنا الفرصة لأن نتلمس المحاور الثلاثة التي تقوم عليها أي مبادرة مجتمعية ناجحة:
أولًا: التمكين الاقتصادي من القاعدة؛ ذلك أن المبادرة الناجحة لا تقدم مساعدة مؤقتة سرعان ما يزول أثرها، بل تفتح باب رزق حقيقي؛ تحوّل مهارة كانت حبيسة جدران البيت إلى دخل مستدام يعزز استقرار أسرة بأكملها، ويسهم في الوقت ذاته في دعم الاقتصاد المحلي.
ثانيًا: الحفاظ على الهوية والإنتاج المحلي؛ من خلال الاهتمام بالحرف التقليدية والتراثية عبر ورش العمل والبرامج التدريبية التي تضمن نقل الخبرات بين الأجيال وصون الإرث الثقافي العريق.
ثالثًا: بناء الوعي المجتمعي وشبكات التواصل؛ من خلال خلق بيئة تشاركيه تدمج الطاقات الشابة والخبرات النسائية في منصات تفاعلية، مما يعزز روح التكافل، ويفتح آفاقًا أوسع للتعاون وتبادل الخبرات بين أفراد المجتمع المحلي.
وختامًا.. إنَّ ما تعلمته من مسيرة هذه المبادرة على مدى سنوات، هو أن استمرارية أي مبادرة مجتمعية ونموها لا يكفيهما الحماس الفردي وحده، بل يحتاجان إلى احتضان حقيقي وتكامل مع الجهات المعنية. فالمبادرة تزرع البذرة الأولى، لكنها تظل بحاجة إلى دعم هذه الجهات، عبر التدريب والتأهيل، وتسهيل إجراءات التسويق والترخيص، حتى تتحول من جهد تطوعي مؤقت إلى أثر تنموي مستدام يخدم المجتمع بأكمله، ضمن منظومة تنموية متكاملة تجمع جهد المؤسسات العامة والخاصة وعطاء المجتمع.
