د. فهد بن سيف المنذري
لعلّ كثيرًا من أفراد المجتمع ومؤسساته يجهلون الجهد المضني الذي يبذله أصحاب المبادرات الثقافية في سبيل إقامة فعالية مؤثرة وناجحة، يمتد أثرها الإيجابي لأيام وشهور قادمة؛ بدءًا من أهم مرحلة وهي التخطيط والإعداد، ومرورًا بالتنسيق واختيار الضيوف والمشاركين وتهيئة المكان والتغطية الإعلامية، وانتهاءً بالتقييم والإحاطة بالملاحظات التي خلصت إليها الفعالية بهدف التطوير وتحسين الأداء.
وهذا يفسر طول المُدد الزمنية أحيانًا بين فعالية وأخرى؛ فالعمل الثقافي الرصين لا يولد في لحظته، ولا يقوم على الارتجال، وإنما تسبقه جهود متواصلة وأعباء إدارية ومالية وإعلامية، قد يتحمل جانبًا كبيرًا منها أصحاب المبادرة أنفسهم. ومن هنا ينبغي تعاون شرائح المجتمع ومؤسساته للخروج بثقافة عالية المستوى، بعيدة عن الاستهلاك، راقية في مضمونها وهدفها ورسالتها.
إلا أن ظاهرة المطالب المالية التي يسعى إلى تحصيلها بعض المدعوين لإحياء الأنشطة والمناسبات المختلفة، أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه العمل الثقافي، ولا سيما حين تأتي من بعض الشعراء أو مقدمي البرامج أو المتحدثين والضيوف، وبمبالغ قد تفوق أحيانًا قدرة الجهة المنظمة، وربما تستنزف جانبًا كبيرًا من ميزانية الفعالية.
ولا اعتراض هنا على مبدأ المكافأة المالية في ذاته؛ فمن حق صاحب الخبرة والتجربة أن يُقدَّر جهده، خاصة إذا استلزمت المشاركة سفرًا وإقامة وتحضيرًا ووقتًا. لكن الإشكال يبدأ حين تتحول المشاركة الثقافية إلى مساومة مالية، أو حين تُفرض مبالغ كبيرة على مبادرات أهلية محدودة الإمكانات، وكأن القيمة الثقافية للضيف لا تُقاس إلا بحجم المقابل الذي يطلبه.
والمفارقة أن أصحاب المبادرات قد يعملون لأسابيع أو أشهر دون أن يتقاضوا شيئًا، بل ربما دفعوا من أموالهم الخاصة لإنجاح المناسبة، ثم يجدون من لا يسأل أولًا عن طبيعة المبادرة ورسالتها وجمهورها، وإنما يبدأ سؤاله: كم المُقابل؟
إنَّ الثقافة في جوهرها رسالة قبل أن تكون سوقًا، وشراكة مجتمعية قبل أن تصبح عقدًا ماليًا. وليس المطلوب إلغاء المقابل المادي، وإنما ترشيده، ومراعاة طبيعة الجهة المنظمة وإمكاناتها، وتحقيق التوازن بين حق الضيف في التقدير، وحق المبادرة الثقافية في أن تجد من يساندها بدلا من أن يرهقها.
فإذا تحولت كل دعوة ثقافية إلى فاتورة، وكل مشاركة إلى مساومة، ضاقت مساحة العمل التطوعي، وأُرهقت المبادرات الجادة، وربما انطفأ كثير منها قبل أن تؤتي ثمارها.
