حمود بن علي الطوقي
تتجه بوصلة عُمان نحو أفريقيا، حاملةً إرثًا من التواصل الحضاري، ورؤيةً تستشرف فرص المستقبل. وتأتي زيارتا الدولة المرتقبتان لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إلى جمهوريتي بوتسوانا وأنجولا، لتمنحا العلاقات مع البلدين الصديقين مساحة جديدة للنمو، وتفتحا أمام التعاون آفاقًا أوسع في الاقتصاد والاستثمار والتنمية.
إعلان الزيارتين- وفي تقديري- يعكس اختيار هاتين الوجهتين نظرة سلطانية ثاقبة إلى ما تختزنه القارة الأفريقية من فرص، وإلى أهمية تنويع شراكات سلطنة عُمان، وتوسيع حضورها في أسواق تمتلك موارد وإمكانات يمكن أن تتكامل مع الخبرات والقدرات العُمانية؛ فالدبلوماسية الاقتصادية تكتسب قيمتها حين تفتح أمام الوطن أبوابًا جديدة، وتؤسس لمصالح مستدامة تعود بالنفع على الشعوب. ولا يمكن قراءة هذا التقارب بمعزل عن الجذور التاريخية للعلاقات العُمانية بأفريقيا؛ فصلة عُمان بالقرن الأفريقي وشرق أفريقيا ومنطقة البحيرات العظمى ليست وليدة اليوم، وإنما امتداد لتاريخ طويل من التواصل الإنساني والتجاري والثقافي. وقد أسهم الوجود العُماني في مجتمعات شرق أفريقيا والبحيرات العظمى في بناء روابط تجاوزت التجارة إلى صلات القربى والتبادل المعرفي والثقافي، لتبقى هذه الذاكرة المشتركة رصيدًا ثمينًا للتقارب.
واليوم، أرى أن الرؤية السامية لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- تمنح هذا الحضور أبعادًا متجددة، وتوسع دوائر الشراكة لتشمل دولًا في الجنوب الأفريقي، مثل بوتسوانا وأنجولا. وهو توجه يستثمر مكانة عُمان بوصفها شريكًا موثوقًا، وينظر إلى المستقبل بعين تبحث عن التكامل، وتؤمن بأن التعاون القائم على الاحترام والمنافع المتبادلة أقدر على الاستمرار.
وتقدم بوتسوانا نموذجًا لسرعة تطور الشراكات حين تتوافر الثقة والإرادة المشتركة. فقد شكلت زيارة فخامة الرئيس دوما جيديون بوكو إلى سلطنة عُمان في أكتوبر 2025 محطة مهمة في دفع التعاون، وشملت مناقشات حول فرص الطاقة والتعدين واللوجستيات والاستثمار والخدمات المالية، إلى جانب الاستفادة من التجربة العُمانية في إدارة الاستثمارات السيادية. زيارة الرئيس البوتسواني.
وتواصل هذا المسار في أبريل 2026، حين شهد جلالة السلطان المعظم وفخامة الرئيس البوتسواني توقيع اتفاقيات شملت استكشاف المعادن، وتطوير مرافق لتخزين المنتجات النفطية، ومشروعًا للطاقة الشمسية. ومن بينها اتفاقية تعاون بين شركة تنمية معادن عُمان وشركة الاستثمارات الاستكشافية في بوتسوانا، تعنى بالاستكشاف والتقييم الجيولوجي للثروات المعدنية، وصولًا إلى التطوير المشترك لمنجم منتج. الاتفاقيات العُمانية البوتسوانية.
وتكشف هذه الخطوات عن شراكة بدأت تأخذ ملامح عملية، وتؤسس لفرص يمكن أن تمتد إلى الخدمات الهندسية والتشغيل والصيانة والتدريب. ومن هنا، تكتسب الزيارة السامية المرتقبة أهميتها في تعزيز ما تحقق، وتهيئة المجال لمزيد من التعاون، وفتح فرص أمام الشركات العُمانية لتقديم خبراتها وخدماتها في أسواق جديدة.
أما أنجولا، فتمثل محطة مهمة أخرى في هذا التوجه. فقد شهدت زيارة فخامة الرئيس جواو مانويل لورينسو إلى سلطنة عُمان في ديسمبر 2024 توقيع اتفاقية للاستحواذ على حصة في منجمي «كاتوكا» و«لويلي»، ومذكرتي تفاهم تتعلقان بالتعاون في مجالات الطاقة والمبادرات المالية الاستراتيجية. وهي مجالات تمنح العلاقات قاعدة اقتصادية يمكن البناء عليها وتوسيعها. الاتفاقيات العُمانية الأنجولية.
وفي قراءتي، تمتلك أنجولا وبوتسوانا فرصًا واعدة للاستثمار، وتعكس الاتفاقيات الموقعة معهما إمكانات التعاون في قطاعات ترتبط باحتياجات التنمية. وحين تلتقي هذه الفرص مع الخبرات العُمانية في الطاقة والتعدين والاستثمار والخدمات اللوجستية، تصبح الشراكة قادرة على إنتاج مصالح متكاملة، تتعاظم قيمتها مع حسن التنفيذ ووضوح الأهداف.
ويبرز الإعلان عن تأسيس البنك الأفريقي العُماني في العاصمة الأنجولية لواندا في أبريل 2026 بوصفه إحدى الخطوات المهمة في تعزيز الحضور المالي العُماني في القارة. الإعلان عن تأسيس البنك. وأرى أن أهمية هذه الخطوة ترتبط بما يمكن أن توفره الخدمات المصرفية من دعم للتجارة والاستثمار وتيسير المعاملات المالية؛ فالمشروعات تحتاج إلى التمويل، والمستثمرون يحتاجون إلى قنوات موثوقة تساعدهم على إدارة أعمالهم وتوسيع نشاطهم.
وبوصفي صحفيًا متابعًا للشأن الاقتصادي، أقرأ في هاتين الزيارتين الساميتين آفاقًا واعدة للتعاون الاقتصادي والسياحي، وأتوقع أن يكون هذان المجالان في مقدمة المسارات التي يمكن أن تشهد زخمًا خلال المرحلة المقبلة. ويعزز هذه القراءة الوفد الرسمي رفيع المستوى المرافق لجلالة السلطان المعظم، وما تتيحه اللقاءات المرتقبة من فرص لبحث الشراكات وترجمة التطلعات المشتركة إلى برامج عملية.
ويستحق القطاع السياحي مساحة خاصة في هذا التقارب، من خلال دراسة فرص الاستثمار، والترويج المتبادل للوجهات، والتعاون بين المؤسسات السياحية، وبحث إمكانات تسهيل الربط الجوي. فالسياحة تقرب المجتمعات، وتتيح التعرف إلى ثقافاتها وطبيعتها وتجاربها، وتفتح في الوقت نفسه فرصًا لأعمال تستفيد منها المؤسسات الكبرى والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
كما أرى أن الموانئ العُمانية يمكن أن تشكل رافدًا لهذه الشراكات، عبر دراسة فرص الشحن والتخزين وإعادة التصدير، وربط التجارة مع الأسواق الأفريقية بشبكات الإمداد التي تخدمها سلطنة عُمان. ويتطلب ذلك بناء ترتيبات تجارية وخدمات نقل مجدية ومنتظمة، تسهل حركة السلع وتمنح المصدرين والمستوردين خيارات أكثر كفاءة.
ومن هنا، يمكن قراءة الزيارتين عبر 3 مسارات متكاملة: مسار سياسي يعزز الثقة والتفاهم، ومسار اقتصادي واستثماري يوسع المشروعات والتبادل التجاري والسياحي، ومسار مالي يوفر الخدمات التي تسند هذا النشاط. وكلما تطورت هذه المسارات معًا، أصبحت العلاقات أكثر قدرة على تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة.
وتقع على المؤسسات المعنية والقطاع الخاص مسؤولية مواكبة هذه الرؤية السلطانية، عبر تحديد الفرص القابلة للتنفيذ، ودراسة جدواها، وإعداد برامج متابعة واضحة، وتمكين الشركات والكفاءات العُمانية من المشاركة فيها؛ فقيمة الانفتاح الاقتصادي تتعاظم حين يفتح أسواقًا للمنتج الوطني، وينقل المعرفة، ويوفر فرصًا جديدة للمواطنين.
وقد تابعنا مؤخرًا زيارة فخامة الرئيس الرواندي بول كاجامي إلى سلطنة عُمان، وما أثمرت عنه من توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم، والاتفاق على فتح سفارتين مقيمتين في مسقط وكيجالي؛ وهي خطوة تمنح العلاقات إطارًا مؤسسيًا أوسع، وتعزز فرص التعاون والتواصل بين البلدين.
وفي تقديري، فإن هذا التقارب مع رواندا، إلى جانب الزيارتين الساميتين المرتقبتين إلى بوتسوانا وأنجولا، يعكس رؤية متكاملة لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- لتوسيع شراكات عُمان الأفريقية، وترجمة الثقة السياسية إلى تعاون اقتصادي واستثماري وسياحي يعود بالنفع على الشعوب. وهكذا، بين جذور التاريخ وبوصلة السلطان هيثم، تقترب عُمان من أفريقيا بخطوات واثقة، وتكتب معها فصلًا جديدًا عنوانه الشراكة والتنمية وازدهار المستقبل.
