الغرفة والمنتسب.. أين القيمة المضافة؟

 

 

 

سهام بنت أحمد الحارثية

harthisa@icloud.com

 

كلما اتَّسع النقاش حول مستقبل غرفة تجارة وصناعة عُمان، أجد- من خلال تجربتي كعضو مجلس إدارة للغرفة- أن هناك سؤالًا لم نمنحه ما يستحقه من الاهتمام، رغم بساطته: على ماذا يحصل المنتسب فعليًا مقابل انتسابه للغرفة؟

لا أقصد هنا الخدمات الإجرائية المعتادة، ولا الفعاليات واللقاءات، وإنما القيمة الاقتصادية والمهنية التي تجعل صاحب العمل يرى في الغرفة جهة يحتاج إليها، ويبحث عن خدماتها، ويحرص على الاستفادة من عضويته فيها. ولعل الطريقة الأفضل للإجابة عن هذا السؤال هي أن نتخيل للحظة أن عضوية الغرفة أصبحت اختيارية بالكامل!

هل ستختار الشركات وأصحاب الأعمال الانضمام إليها؟ ولماذا؟

هذا السؤال ليس تشكيكًا في أهمية الغرفة؛ بل على العكس، أراه واحدًا من أهم الأسئلة التي يمكن أن تطرحها أي مؤسسة عضوية على نفسها لأن المؤسسة التي يعرف أعضاؤها قيمتها لا تحتاج إلى أن تشرح لهم باستمرار لماذا يجب أن يكونوا جزءًا منها.

من «المنتسب» إلى «العميل»

ربما نحتاج أولًا إلى تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى المنتسب؛ فالمنتسب ليس رقمًا في قاعدة بيانات، ولا سجلًا تجاريًا مرتبطًا بعضوية، بل عميل وشريك يفترض أن تكون له تجربة واضحة مع الغرفة.

وفي عالم الأعمال اليوم، أصبحت المؤسسات الأكثر نجاحًا تبدأ من سؤال بسيط: ماذا يحتاج العميل؟ ثم تصمم خدماتها ومنتجاتها حول تلك الحاجة.

لماذا لا نطبق المنطق نفسه على الغرفة؟ إذ يمكن مثلًا أن تَعرِف الغرفة- من خلال بياناتها وتواصلها المباشر- ما الذي يحتاجه كل مُنتسِب وفقًا لقطاعه وحجم مؤسسته ومرحلة نموه، ثم تقدم له خدمات وفرصًا تتناسب معه، بدلًا من أن تكون معظم الخدمات موحدة للجميع.

صاحب المؤسسة التي بدأت قبل عام لا يحتاج بالضرورة إلى ما تحتاجه شركة تعمل منذ 30 عامًا، والمصنع الذي يبحث عن سوق تصدير جديد لا يحتاج إلى الخدمة نفسها التي يحتاجها رائد أعمال يبحث عن مستثمر.

وهنا تتحول العضوية من اشتراك عام إلى قيمة مصممة حول احتياجات المنتسب.

ماذا لو كان لكل منتسب «حساب قيمة»؟ أتخيل نموذجًا مختلفًا للعلاقة بين الغرفة ومنتسبيها.

يدخل صاحب المؤسسة إلى منصته فيجد أمامه، ليس فقط بيانات عضويته، وإنما فرصًا استثمارية وتجارية مرتبطة بنشاطه، وأسواقًا محتملة لمنتجاته، ووفودًا تجارية ذات صلة بقطاعه، ومناقصات وفرص شراكة، ودراسات وبيانات تساعده في اتخاذ قراراته.

وإذا كان يرغب في التوسع خارج السلطنة، يجد معلومات عملية عن الأسواق المستهدفة والشركاء المحتملين والبعثات التجارية القادمة. وإذا كان يبحث عن مستثمر، أو شريك، أو مورد، أو فرصة تصدير، تصبح الغرفة واحدة من أولى الجهات التي يلجأ إليها.

هنا تبدأ العضوية في اكتساب معنى اقتصادي مباشر. والغرفة يمكن أن تكون أكبر منصة أعمال في عُمان؛ حيث تمتلك الغرفة مِيزة يصعب على كثير من المؤسسات الأخرى امتلاكها؛ ألا وهي: شبكة واسعة من الشركات وأصحاب الأعمال في مختلف القطاعات والمحافظات.

هذه الشبكة في حد ذاتها أصل اقتصادي مهم لكن قيمة الشبكات لا تقاس بعدد الأسماء الموجودة فيها، وإنما بعدد العلاقات والفرص التي تستطيع أن تصنعها بينها.

ماذا لو استطاعت شركة عُمانية تبحث عن مورد محلي أن تجده عبر الغرفة؟ وماذا لو استطاع مستثمر أجنبي يبحث عن شريك عُماني أن يصل إليه من خلال منصة موثوقة؟ وماذا لو استطاعت مؤسسة صغيرة لديها منتج جيد أن تصل من خلال الغرفة إلى شركة كبيرة تبحث عن المورد نفسه؟

عندها لا تصبح الغرفة فقط جهة تقدم خدمات للمنتسبين، وإنما سوقًا للأعمال ومنصة لربط الفرص برأس المال والخبرة والشركات.

وهذه- في رأيي- مساحة كبيرة لم نستثمر كامل إمكاناتها بعد فالبيانات أيضًا خدمة

وهناك قيمة أخرى تستطيع الغرفة تقديمها ربما تكون أهم في السنوات القادمة: المعلومة الاقتصادية. أصحاب الأعمال يتخذون قرارات يومية: هل أتوسع؟ أين أستثمر؟ أي سوق أستهدف؟ ما القطاعات التي تنمو؟ أين توجد الفرص؟ وما التغيرات التي قد تؤثر في نشاطي؟

وكلما كانت المعلومة أدق وأسرع، كان القرار أفضل. وبحكم قرب الغرفة من آلاف الشركات، يمكن أن تكون لديها قدرة كبيرة على قراءة حركة القطاع الخاص وتحويل البيانات إلى معرفة مفيدة للمنتسب.

ليس المطلوب بالضرورة تقارير طويلة، بل معلومات عملية تصل إلى صاحب القرار في الوقت المناسب: اتجاهات سوق، فرص ناشئة، مؤشرات قطاعية، أسواق تصدير محتملة، تغيرات تنظيمية، أو فرص شراكة.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، يمكن أن تصبح هذه الخدمات أكثر تخصيصًا؛ بحيث تصل إلى كل منتسب المعلومة التي ترتبط فعلًا بنشاطه وهنا ربما ينبغي أن نغير سؤالًا اعتدنا طرحه فبدلًا من أن يسأل المنتسب: كم أدفع للغرفة؟ الأفضل أن يصل إلى مرحلة يسأل فيها: كم أضافت لي عضويتي في الغرفة؟

أعتقد أن تطوير غرفة تجارة وصناعة عُمان في المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بما نريد من الغرفة أن تفعله، وإنما بما نريد للمنتسب أن يحصل عليه والفرق بين السؤالين كبير فالأول يبدأ من المؤسسة وبرامجها أما الثاني فيبدأ من صاحب العمل واحتياجاته ولذلك، لو أردنا اختبار قيمة العضوية بطريقة بسيطة، فلنسأل أنفسنا:

لو أصبحت عضوية غرفة تجارة وصناعة عُمان اختيارية غدًا، ما الخدمة أو الفرصة أو القيمة التي ستجعل صاحب العمل يقول: أنا أريد أن أبقى عضوًا فيها؟

ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال بداية لنموذج مختلف للغرفة. غرفة لا ينتمي إليها التاجر لأنه مطالب بذلك فقط، بل لأنه يعرف أن وجوده فيها يضيف قيمة إلى أعماله.

وأعتقد أن هذا هو أحد أقوى أشكال العلاقة التي يمكن أن تبنيها أي غرفة تجارة مع منتسبيها: أن تتحول العضوية من التزام إلى اختيار، ومن رسم إلى عائد، ومن بطاقة انتساب إلى فرصة أعمال.

الأكثر قراءة

z