حين يصطدم الحب بغريزة البقاء

 

 

 

د. هبة العطار

 

تأتي لحظات لا تختبر مشاعرنا بقدر ما تكشف حقيقتنا، لحظات يسقط فيها كل ما نعرفه عن أنفسنا، فلا تبقى أمامنا سوى غريزة عارية؛ خوف، وارتباك، ورغبة في النجاة، أو اندفاع نحو من نُحِب مهما كان الثمن، وفي تلك اللحظة تحديدًا يُصبح الحُب أمام امتحان لا يُشبه أي امتحان آخر، لأننا لا نختار ونحن في أمان، وإنما نختار ونحن نرى الخطر يقترب، وربما بلا وقت كافٍ لنعرف إن كان ما فعلناه تعبيرًا عن الحُب أم انتصارًا لغريزة أقدم وأقوى، هي غريزة البقاء.

وذلك يطرح سؤالًا مهمًا طالما شغل الإنسان منذ عرف معنى الحُب والموت، هل الحُب أقوى من غريزة البقاء، أم أننا نحب ما دمنا قادرين على النجاة؟

ربما لا تظهر حقيقة الإنسان في لحظات الأمان، وإنما في تلك اللحظة الخاطفة التي يصبح فيها الموت أقرب من التفكير، ويصبح عليه أن يختار، ولو بلا وعي، بين نفسه ومن يحب، وهنا يظل مشهد جاكلين كينيدي بعد اغتيال زوجها جون كينيدي عام 1963 واحدًا من المشاهد التي تفتح بابًا قاسيًا للتأمُّل، حين ظهرت في اللقطات المعروفة وهي تتحرك بعيدًا عن موضع الخطر بعد إطلاق الرصاص، فهل كانت تلك أنانية أنثوية كما يصفها البعض، أم أنها كانت استجابة بشرية غريزية أمام صدمة لم تمنحها فرصة للاختيار؟

لا أحد يستطيع أن يحاكم إنسانًا على ثانية عاشها بين الرعب والذهول، وهذا المشهد يضعنا أمام سؤال أكبر من جاكلين وأكبر من المرأة نفسها، ماذا يبقى من الحب حين تصطدم مشاعرنا بغريزة أن نحيا؟ فالرجل آنذاك قد يهرب، والمرأة أيضًا قد تواجه الموت، وليس صحيحًا أن الرجل خُلق ليُضحِّي والمرأة خُلقت لتنجو، لكن يوجد اختلاف في الطريقة التي تحفظ بها الذاكرة تضحيات كل منهما، فقد احتفت الحكايات دائمًا بالرجل الذي مات من أجل امرأة، فقيس مات من أجل ليلى، وعنتر ارتبط اسمه بعبلة، وروميو مات من أجل جولييت، وجاك مات من أجل روز، فأصبح موت الرجل من أجل امرأة إحدى أكثر الصور رسوخًا في خيالنا عن الحب، بينما لا تكاد الذاكرة الجماعية تستحضر بالقدر نفسه امرأة ماتت من أجل رجل.

لا يمكننا القول إنَّ المرأة يجب أن تكون أقل تضحية وفقًا لما وصل إلينا من المأثورات وما ظهر على السطح من حكايات المشاهير وتضحياتهم في أزمنتهم، فربما كانت تضحيات المرأة في كثير من الأحيان أقل صخبًا، وأطول عمرًا، وأكثر اختفاءً خلف تفاصيل الحياة، كما أن الرجل الذي يموت في لحظة واحدة من أجل من يحب لا يعني بالضرورة أنه أحب أكثر من امرأة عاشت سنوات وهي تدفع من عمرها وراحتها وكرامتها وأحلامها ثمنًا لمن تُحب؛ فالتضحية ليست دائمًا رصاصة ولا موتًا، أحيانًا تكون عمرًا كاملًا، وأحيانًا تكون قرارًا مؤلمًا، وأحيانًا تكون أن تمنح من تحب فرصة للحياة حتى لو لم تعد جزءا منها، وربما لهذا لا أعتقد أن السؤال العادل هو من يضحي أكثر، الرجل أم المرأة، وإنما من منهما يستطيع حين تأتي اللحظة الحقيقية أن يتجاوز «أنا» إلى «نحن»، لأن غريزة البقاء لا جنس لها، كما أن التضحية لا جنس لها، وكلاهما قادر على الأنانية وكلاهما قادر على الفداء، وقد تكون الحقيقة الأكثر قسوة أن بعض النساء ضحين من أجل رجال لم يكونوا جديرين حتى بأن تذكرهم الذاكرة، وبعض الرجال ماتوا من أجل نساء لم يعرفوا كيف يقدرون ثمن تلك التضحية، لذلك لا يقاس الحب بمن مات ومن نجا، ولا بمن وقف أمام الرصاصة ومن ابتعد عنها، وإنما بما يحدث في أعماق الإنسان حين يصبح عليه أن يختار بين سلامة نفسه وسلامة من يحب، ففي تلك اللحظة تحديدا، لا تكشف التضحية مقدار الحب فقط، بل تكشف مقدار الإنسان فينا.

هناك نوع آخر من التضحية لا يعرف قسوتها إلّا من أحبوا بصدق ولم تستطع الحياة أن تجمعهم، حين يظل اثنان على قيد الحب، بينما تضعهما الظروف على قيد الموت، لا يموت أحدهما من الآخر، ولا ينطفئ الحب، وإنما تموت المساحة التي كان يمكن أن يتجسدا فيها معا، فتأتي شروط الأهل، وقسوة الواقع، واختلاف الطرق، واستحالات اللقاء، لتغلق الأبواب بابا بعد باب، حتى يصبح الحب نفسه عاجزا عن صناعة الحياة التي يستحقها، وهنا قد يقف أحدهما أمام أكثر القرارات وجعا، أن يوسع الطريق لمن يحب كي يمضي فيه مع شخص آخر، لا لأنه لم يعد يريده، بل لأنه يريده إلى الحد الذي يجعله يؤثر نجاته على بقائه، فينسحب من المشهد وهو يعرف أن الخطوات التي يتركها خلفه ستقود الحبيب إلى حياة كان يتمنى أن تكون له، فيتحول العاشق من شريك محتمل إلى شاهد على حياة حرم منها، ويصبح عليه أن يرى اكتمالها بعيدا عنه، كمن يقف على الضفة الأخرى لنهر يعرف أنه كان يمكن أن يعبره، لكن الجسر الذي بناه بيديه صار طريقا إلى غيره، وهذه ليست هزيمة للحب، بل واحدة من أكثر انتصاراته مرارة، أن يحب الإنسان حتى يصبح قادرا على التضحية بحقه في من يحب، وأن يفتح له الباب الذي يعرف أنه سيغلق إلى الأبد خلفه، ثم يعود إلى وحدته حاملا قلبا لم يتغير، لكن واقعا تغير إلى الأبد، فيعيش حياته كما يعيش الناجون بعد الكارثة، يمارس أيامه، يبتسم، يؤدي ما عليه، بينما يحمل في أعماقه جنازة صامتة لحياة لم تولد، وهنا يكمن الموت الحقيقي، لا أن يفقد الإنسان من يحب، وإنما أن يظل يحبه، ويعرف أنه سيكمل حياته مع غيره، فبعض الناس لا يفارقون أحبتهم لأن الحب انتهى، وإنما يفارقونهم لأن العالم كان أقوى من الحب، ويظل كل منهما حيا، لكن أحدهما يمضي في الحياة التي استطاع القدر أن يمنحه إياها، والآخر يمضي في الحياة التي استطاع أن يتحملها، وبين الحياتين يبقى حب كامل، لم يمت، لكنه لم يجد جسدًا للحياة.

الحقيقة التي تستحق أن نتوقَّف أمامها هي أن الحُب لا يمنحنا بالضرورة بطولة حين نحتاجها، ولا يسلب منا غريزة النجاة حين يشتد الخطر، لأنه في النهاية شعور إنساني يعيش إلى جوار الخوف، لا فوقه دائمًا، ولهذا لا يمكن أن نجعل من موت رجل دليلًا على أن الرجال يحبون أكثر، ولا من نجاة امرأة بُرهانًا على أنها تحب أقل؛ فبعض التضحيات تحدث في لحظة واحدة فتتحول إلى أسطورة، وبعضها يحدث بصمت على امتداد سنوات فلا يراها أحد، وبعض الناس يملكون شجاعة مواجهة الموت، وبعضهم يملكون شجاعة أصعب، أن يواصلوا الحياة رغم ما خسروا، وأن يختاروا ما يرونه حقًا لمن يحبون حتى حين يكون الاختيار موجعًا لهم؛ فبعض الخسارات لا تنتهي بالفقد، بل تبدأ بعده، حين يظل الإنسان حيًا ليرى الحياة التي حرم منها تمضي أمام عينيه، فيكتشف أن أقسى ما يمكن أن يفعله القدر ليس أن يأخذ منا من نحب، وإنما أن يتركه لنا في العالم، ويحرمه منا إلى الأبد، فنمضي نحن في العمر، بينما يبقى أجمل جزء منه عالقًا في حياة لم تكن لنا.

الأكثر قراءة

z