من «الكمتريل» إلى «هارب»... خطط لتدمير العالم أم لصناعة الخوف؟

 

 

 

 

د. هبة العطار

 

منذ أن امتلك الإنسان القدرة على اختراق أسرار الطبيعة، لم يعد السؤال الحقيقي هو ماذا يستطيع العلم أن يفعل، وإنما من يمتلك هذه القدرة، ولأي غاية يمكن أن يستخدمها؛ فالتاريخ لم يكن يومًا مجرد رحلة بريئة نحو التقدم، بل كان أيضًا سباقًا على امتلاك أدوات القوة، من البارود إلى الطاقة النووية، ومن الأقمار الصناعية إلى الذكاء الاصطناعي، وكلما اتسعت قدرة الإنسان على التأثير في العالم، اتسعت معها مساحة القلق من أن يتحول العلم من وسيلة لتحسين الحياة إلى أداة لإعادة تشكيلها وفق مصالح من يملكون القوة.

ومن هنا ظهرت على هامش الوعي الجمعي سلسلة طويلة من المخاوف والنظريات التي تتحدث عن مشاريع سرية للتحكم في المناخ أو التأثير في البشر أو إعادة هندسة العالم، فأصبح «الكمتريل» رمزًا لفكرة الرش الخفي، وأصبح «هارْب» رمزًا أكثر اتساعًا لفكرة القدرة على العبث بالغلاف الجوي والطبيعة، رغم أن الأدلة العلمية المتاحة لا تثبت أن الطائرات تنفذ برنامجًا سريًا لرش البشر، ولا أن "هارب" يمتلك القدرة على التحكم في الطقس أو صناعة تلك الظاهرة. والمشروع في حقيقته منشأة بحثية لدراسة الأيونوسفير، وقد انتقلت إدارتها من القوات الجوية الأمريكية إلى جامعة ألاسكا، لكن وجود الحقيقة العلمية لا يلغي السؤال السياسي الذي تقف خلفه هذه المخاوف، وهو سؤال أكثر خطورة من النظرية نفسها، من يملك التكنولوجيا، ومن يملك حق استخدامها، ومن يراقب استخدامها، ومن يملك المعلومات الكافية لنعرف أين تنتهي حدود البحث العلمي وأين تبدأ حدود الاستخدام الاستراتيجي؟

ليست المشكلة  في أن نصدق كل ما يقال عن «خطط تدمير العالم»، وليست كذلك في أن نسخر من كل مخاوف الشعوب باعتبارها أوهامًا جماعية، وإنما في أن نمتلك عقلًا نقديًا قادرًا على الفصل بين الدليل والادعاء، وبين المشروع العلمي والاستخدام السياسي المحتمل للمعرفة، وبين ما ثبت وما لم يثبت؛ لأن العالم الذي نعيش فيه تحكمه بالفعل تكتلات دولية وتحالفات متغيرة ومعادلات قوة ومصالح اقتصادية وعسكرية واستراتيجية، وهذه الحقيقة وحدها كافية لأن تجعل سؤال المستقبل مشروعًا، خاصة في ظل الحديث المتكرر عن «المليار الذهبي»، وهي أطروحة انتشرت باعتبارها تصورًا لنظام عالمي يسعى إلى الاحتفاظ بالموارد والرفاه لقلة من سكان العالم على حساب الأغلبية، وهي ليست حقيقة مثبتة باعتبارها خطة عالمية معلنة.

لكن انتشارها يكشف عن أزمة ثقة عميقة في النظام الدولي، وعن شعور متزايد لدى قطاعات واسعة من البشر بأن العالم لا يتحرك دائمًا وفق معيار العدالة، وأن توزيع الثروة والتكنولوجيا والموارد والقدرة على صناعة القرار لا يزال شديد الاختلال، ولذلك ربما يكون السؤال الأخطر ليس هل توجد غرفة سرية تجتمع فيها قوى العالم لتقرر مصير مليارات البشر، وإنما ماذا يحدث عندما تصبح التكنولوجيا نفسها جزءًا من معادلة القوة، وعندما يصبح من يمتلك المعرفة والبيانات والطاقة والتكنولوجيا العسكرية والقدرة على التأثير في الرأي العام أكثر قدرة على رسم مستقبل الآخرين؟

ما يجعل هذا السؤال أكثر إلحاحًا أننا لم نخرج من تجربة كورونا كما دخلناها، فقد ترك الوباء وراءه عالمًا أكثر خوفًا من الفيروسات والأوبئة وأكثر استعدادًا لتقبل إجراءات استثنائية باسم حماية الإنسان. ثم جاءت اللقاحات في لحظة مرتبكة لم يكن فيها المواطن العادي يمتلك القدرة على قراءة تفاصيل التجارب السريرية أو فهم طبيعة التقنيات الجديدة أو تقدير احتمالات المخاطر بعيدة المدى، وفي كثير من المجتمعات لم يعد التطعيم مجرد اختيار طبي فردي، وإنما ارتبط بالسفر والعمل والتعليم والحياة اليومية، فأصبح السؤال الذي يلاحقنا حتى الآن ليس فقط ماذا فعل الفيروس بأجسادنا، وإنما ماذا فعلت بنا تلك المرحلة كلها، وماذا نعرف حقًا عن الآثار الممتدة للعدوى واللقاحات، وما الذي لا نعرفه بعد؟

هناك اليوم ملايين البشر يتحدثون عن أعراض مستمرة أو جديدة، من الإرهاق واضطرابات التركيز والذاكرة إلى آلام العضلات والمفاصل واضطرابات النوم وغيرها، والعلم نفسه يعترف بوجود حالة "ما بعد كوفيد"، وتأثيرها في أجهزة متعددة من الجسم؛ بل إن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أكثر من 200 عَرَضٍ أبلغ عنها المصابون بهذه الحالة، لكنها في الوقت نفسه لا تمنحنا إجابة واحدة تفسر كل الأعراض أو تربطها تلقائيًا بالتطعيم، كما أن اللقاحات نفسها لها آثار جانبية معروفة ونادرة تخضع للمراقبة.

وهنا تحديدًا يجب أن يتوقف العقل النقدي لا ليصنع اتهامًا بلا دليل، وإنما ليطالب بالبحث والشفافية وتتبع الآثار الصحية طويلًا، لأن ثقة الإنسان في المؤسسات العلمية لا تُبنى على مطالبة الناس بالتصديق، وإنما على حقهم في المعرفة، وعلى إعلان ما ثبت وما لم يثبت وما يزال قيد البحث؛ فالأخطر من الوباء نفسه أن تتحول حالة الخوف الجماعي إلى بيئة يصبح فيها الإنسان مستعدًا للتنازل عن حقه في السؤال، وأن يصبح الغموض العلمي مادة تستغلها القوى المتصارعة، سواء لصناعة الخوف أو تسويق الوهم أو توظيف الأزمات في إعادة تشكيل المجتمعات.                       

لا نحتاج إلى أسطورة عالمية مكتملة الأركان حتى ندرك أن البشرية دخلت مرحلة مختلفة، مرحلة أصبح فيها التأثير في المجتمعات ممكنًا دون أن تبدأ حرب تقليدية، ويمكن أن يحدث عبر المعلومات كما يحدث عبر السلاح، وعبر الاقتصاد كما يحدث عبر الصراع العسكري، وعبر السيطرة على التكنولوجيا والبيانات كما يحدث عبر احتلال الأرض؛ بل إن الأوبئة نفسها كشفت أن الفيروس غير المرئي يمكن أن يُعطِّل اقتصاد العالم، ويُغلق الحدود، ويُعيد تشكيل أنماط العمل والتعليم والحركة، ويجعل ملايين البشر يَقبلون في وقت قصير إجراءات لم يكن من السهل تصوُّر قبولها في الظروف العادية.

ولذلك فإن الخطر الحقيقي قد لا يكون في «هارب» وحده، ولا في خطوط بيضاء تتركها الطائرات في السماء، وإنما في منظومة أوسع من التنافس على المعرفة والموارد والتأثير والوعي، منظومة تجعل الإنسان نفسه يتحول من مواطن إلى رقم في معادلات النفوذ، ومن مُستهلِك إلى هدف، ومن صاحب إرادة إلى عنصر يمكن التأثير في سلوكه وتوجهاته عبر أدوات أكثر نعومة وأقل وضوحًا من القنابل والصواريخ.

هنا يصبح الدفاع عن الإنسان دفاعًا عن حقه في المعرفة قبل أن يكون دفاعًا عن جسده، لأن أخطر أشكال السيطرة ليست تلك التي نراها، وإنما تلك التي تحدث بينما نظل غير مدركين أننا أصبحنا جزءًا منها.

السؤال الأهم الذي يجب أن نخرج به من كل هذه الدوائر ليس «هل هناك من يريد تدمير العالم؟» وحده، وإنما من يملك القدرة على تشكيل العالم، ومن يملك المعلومات التي تمكنه من ذلك، ومن يراقب أصحاب القوة حين تتجاوز التكنولوجيا حدودها الأخلاقية، ومن يضمن ألا يتحول الخوف من الوباء إلى سلطة، وألا تتحول الحاجة إلى الأمان إلى تنازل دائم عن الحرية، وألا يصبح العلم سلطة فوق السؤال والمراجعة والمحاسبة؛ فالمشكلة ليست في العلم، ولا في التكنولوجيا، ولا في اللقاحات، ولا في الأبحاث العلمية ذاتها، وإنما في اللحظة التي تنفصل فيها القدرة عن المسؤولية، والمعرفة عن الشفافية، والقوة عن المحاسبة.

عندها يصبح الإنسان أمام معركة أكثر تعقيدًا من أي حرب عرفها التاريخ، معركة على وعيه، وعلى حقه في أن يعرف، وعلى قدرته على التمييز بين الحقيقة والخوف، وبين الدليل والادعاء، وبين ما يجب أن نحذر منه وما يجب أن نرفض أن نصدقه بلا دليل، وربما يكون أخطر ما يمكن أن يحدث للبشرية ليس أن ينجح أحد في تدمير العالم، وإنما أن نصل إلى عالم لا يعود فيه الإنسان قادرًا على معرفة من يملك مفاتيحه، ولا لأي غاية تُستخدم، ولا أين تنتهي حماية الإنسان وتبدأ السيطرة عليه.

الأكثر قراءة

z