طوفان الوعي ومقصلة التفاهة

 

 

 

محمد عمار عيسى **

نعيش اليوم في ظل منظومة عولمية رقمية فكرية شديدة الخُبث والمكر حيث لا تتحرك بشكل عشوائي، بل تعمل وفق هندسة وحبكة دقيقة للغاية، حيث تُعلي من شأن سفاسف الأمور والتفاهة والزيف لتصنع منها معايير النجومية الجديدة وتصعيدها لسُلّم الأولويات حتى تغدو الأهمية الكبرى للنشء الذي أصبح العالم الافتراضي واقعه الأساسي ومن خلال ذلك الأمر الذي فرضته طبيعة القرن الحادي والعشرين بما فيه من تطور وذكاء اصطناعي وفضاء رقمي مفتوح فتحوا هم من ذلك التطور ثغرة خبيثة مستغلين ما حصل من أحداث في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي التي أدت بدورها إلى حدوث خلل في سلم الأولويات والفكر لدى النشء.

ولكن الحقيقة الأكثر مرارة هي أن هذا الاختراق لم ينجح إلا بوجود «قابلية داخلية» لدينا؛ فالبعوض الفكري لا يتكاثر إلا في مستنقعات الركود التي صنعناها بأيدينا، مصداقًا للقانون الكوني الصارم: ﴿قُلْ هُومِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾، فحين تركنا الساحة فارغة، صَنعنا التربة الخصبة ليتغذى عليها مروجو التفاهة.

يُراد من خلال هذه العوامل أن يغدو المفكر والعالِم غُرباء ومُغيبون خلف ستائر النسيان العمد وعلى الهامش من التاريخ

إنها معركة "كيّ الوعي" التي أصبحت بديلًا؛ بل وأخطر من المعارك الكلاسيكية المعروفة، يقودها مُروِّجو الانحراف الفكري والأخلاقي الذين لم يكتفوا بتسطيح وتنويم العقول، بل شحذوا حناجرهم المسمومة في محاولة يائسة لهدم الفطرة السليمة واغتيال السويّة البشرية وتشويه النقاء الذي جُبِلت عليه النفوس عبر حشد الميزانيات الضخمة وتطبيع القُبح بشتى أشكاله،

هذا الهجوم البربري يستهدف في المقام الأول وعي الفتاة والمرأة؛ لإدراك هؤلاء المستعمرون ومخابراتهم بالتاريخ الحقيقي وبما أجاب عنه نابليون بونابرت حين سُئل: "أي حصون الشرق الإسلامي أمنع على فرنسا؟" أجاب صاغرًا بكل وضوح "الأم الصالحة" لذا غدت المؤامرة الممنهجة هي إفساد فتاة اليوم وأم الغد، لتجريف هذا الحصن المنيع وإسقاط الجيل الناشئ في قاع ضحل من السقوط والانسلاخ عن الجذور وكل ما هو فضيلة.

ولم يعد غريبًا وسط هذا الانحطاط أن نرى أقزام التغريب الذين هم موجودون حتى بيننا يُحاولون إقناع الجيل بأن قضية فلسطين والمسجد الأقصى المبارك باتت اليوم "دقّة قديمة" بل ووصل الأمر إلى حد مقارنة المسرى المبارك وقبلتنا الأولى ببريق العواصم الغربية وطوكيو الحديثة تزامنًا مع الترويج الصهيوني الواهم لبداية ما يسمونه "السلام والشرق الأوسط الجديد" ونهاية عصر المقاومة والتحرر واضعين قدسيته السماوية في كفة هذا الميزان المائل!

إنها محاولة مفضوحة لمقايضة الروح بالطين وبيع الوعي الكرامة الحضارية في سوق الاستهلاك والاستعباد الآني، لكن حقائق الميدان الساخنة تفضح "بنوك أهداف" العدو وتكشف خيبته، فالرصاص وصواريخ الغدر الموجّهة لا تُوجه نحو مجانين المنصات أو تافهي المحتوى أو أدوات الهدم الأخلاقي الذين يخدمونه مجانا؛ بل تترصد بدقة متناهية مكامن القوة والنهوض المعرفي والعسكري.

ومن هنا نفهم تلك الحرب الاستخباراتية المسعورة التي تشنها مخابرات العدو لتصفية واغتيال العقول والأكاديميين في العراق وإيران، والتي طالت قبلهم بانيات مجدنا العلمي كالدكتورة المصرية سميرة موسى التي أرادوا كسر طموحها الذري مُبكرا في محاولة مستميتة منهم لوأدِ أي تفوق عسكري أو تكنولوجي يكسر هيمنة المحتل.

إن هذا الكيان المسخ يرتعد من الفكرة المخططة واليد المبتَكِرة، ولعل التجلي الأبرز والأعظم لهذه العبقرية تجسد في عَملية "طُوفان الأقصى" التي كسرت هيبتهم وسرديتهم في ساعات معدودة بأدوات بسيطة، تلك المعجزة التي هزت وأذهلت العالم بعبقريتها وهندستها لتبرهن للعالم بأن العقول المفكرة والمؤمنة قادرة على كتابة التاريخ من جديد.

يظن المحتل أنه بكواتم الصوت والاغتيالات الجبانة قادر على محو الفكر لكن هيهات..

إن المقارنة بين بريق العواصم المادي المعزول عن الله وبين قدسية الأقصى ومسراه هي معركة بين "الجسد المستهلك" و"الروح الثائرة". ويموت الطغاة، وتندثر عروش تيك توك وزيف المنصات ومروجي المسخ الأخلاقي، لتبقى دماء الشهداء شاهدةً على أن كل هذا المخاض العسير إنما هو موجةٌ حتمية تقتضيها سنن الله الكونية في الأرض لتمحيص الصفوف والسرائر؛ حيث يشتد الابتلاء ليميز الله الخبيث من الطيب، ويولد من رحم التضحيات جيلٌ من حرائر الأمة ورجالها، يرفض مقايضة مسراه وثوابته وفطرته بسراب العواصم، ويعيد كتابة التاريخ بأقدام ثابتة بعيدًا عن أوهام التفاهة والانهزام.

** كاتب سوري

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z