رفقًا بالمواطن.. بين لغة الأرقام وحقيقة الواقع المعيشي

 

 

 

خالد بن محمد الجابري

من يتابع النهج الحكيم لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- يدرك بوضوح أن المواطن العُماني كان ولا يزال في صدارة اهتمام جلالته، وأن توفير الحياة الكريمة والاستقرار الاجتماعي والمعيشي لأبناء هذا الوطن يمثل أولوية راسخة في مسيرة النهضة المتجددة.

وقد أكدت التوجيهات والقرارات السامية في أكثر من مناسبة هذا الاهتمام، من خلال منظومة الحماية الاجتماعية، ودعم الأسر، وتوفير فرص العمل، والإسكان الاجتماعي، وغيرها من البرامج التي تمس حياة المواطن بصورة مباشرة. ومن هنا فإن المسؤولية تقع على كل مسؤول في أن يكون قريبًا من هذا النهج السامي، وأن ينقل الواقع كما هو، وأن يتعامل مع قضايا معيشة المواطنين بقدر كبير من الدقة والحس والمسؤولية.

وقد أثار الحديث مؤخرًا عن بلوغ متوسط الدخل الشهري للأسرة العُمانية نحو 1,839 ريالًا عُمانيًا نقاشًا واسعًا في المجتمع، خصوصًا عندما جرى تداول الرقم بصورة جعلت البعض يفهم منه وكأنه يعكس دخل الفرد أو مستوى الرواتب التي يحصل عليها المواطنون.

والواقع أن هناك فرقًا كبيرًا؛ فالرقم لا يمثل راتب المواطن ولا متوسط راتب الموظف العُماني، وإنما هو متوسط دخل الأسرة العُمانية كاملة، وقد تضم الأسرة أكثر من شخص يعمل ويتقاضى دخلًا، كما تدخل في احتساب الدخل مصادر أخرى إلى جانب الأجور والرواتب.

وهنا لا بُد أن نُفرِّق بين الرقم الإحصائي وطريقة تقديمه للمجتمع. فقد يكون الرقم صحيحًا وفق منهجية إحصائية محددة، ولكن تقديمه دون شرح كافٍ لتفاصيله قد يرسم لدى الناس صورة مختلفة تمامًا عن واقعهم.

فكيف سيكون شعور موظف يتقاضى راتبًا محدودًا، أو متقاعد يعيش على دخل بسيط، أو باحث عن عمل ينتظر فرصته، عندما يسمع أرقامًا بهذا الحجم ثم ينظر إلى واقعه والتزاماته الشهرية؟ وكيف سيكون شعور رب أسرة بعد أن يدفع أقساط السكن والسيارة والكهرباء والمياه والوقود والمواد الغذائية ومصاريف الأبناء والتعليم وغيرها، ثم يسمع حديثًا عن متوسطات لا يجد لها انعكاسًا واضحًا في حياته؟

رفقًا بالمواطن؛ فالمواطن لا يحتاج إلى أرقام تجعله يشعر بأن واقعه غير مرئي، وإنما يحتاج إلى خطاب يلامس حياته ويعترف بالتحديات التي يواجهها، ويمنحه الثقة بأن المسؤول يعرف حقيقة ظروفه ويعمل على معالجتها.

كما أن المتوسط الحسابي وحده لا يكفي للحكم على مستوى معيشة المجتمع؛ فالدخول المرتفعة لفئة من الأسر قد ترفع المتوسط العام، بينما تكون أسر كثيرة أقل منه بكثير. ولذلك فإن الصورة تصبح أكثر وضوحًا عندما نقرأ إلى جانب المتوسط وسيط الدخل، وشرائح الدخول، وعدد العاملين داخل الأسرة، والقوة الشرائية، وحجم الالتزامات المالية.

المواطن لا يعيش بالمتوسطات الحسابية، وإنما يعيش بما يتبقى في جيبه آخر الشهر. والمعيار الحقيقي ليس كم يبلغ الدخل على الورق، بل ماذا يستطيع المواطن أن يوفر بهذا الدخل، وماذا يتبقى منه بعد الوفاء بمتطلبات الحياة؟

ومن هنا نحتاج إلى أن تنتقل قراءة الوضع المعيشي من مجرد الإعلان عن متوسطات الدخل إلى قياس الأثر الحقيقي على حياة الأسرة العُمانية. فارتفاع الدخل لا يعني بالضرورة تحسن المعيشة إذا ارتفعت معه تكاليف الغذاء والسكن والخدمات والأقساط وغيرها من الالتزامات. والقوة الشرائية للمواطن هي التي تخبرنا بصورة أوضح عن حقيقة التحسن الذي يشعر به في حياته اليومية.

كما أن من المهم أن تبقى أوضاع أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة والمتقاعدين والباحثين عن عمل حاضرة عند صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وأن تدرس الرسوم وتكاليف الخدمات والأسعار من زاوية أثرها على ميزانية الأسرة، لأن القرارات الاقتصادية في النهاية لا تقاس بالأرقام وحدها، وإنما بما تتركه من أثر على حياة الإنسان.

وفي المقابل، فإن توفير فرص العمل المستدامة ذات الدخل المناسب، ومراقبة أسعار السلع والخدمات الأساسية، وتعزيز الحماية الاجتماعية لمن يحتاج إليها، كلها أدوات عملية تساعد على تحويل النمو الاقتصادي إلى تحسن حقيقي يشعر به المواطن وأسرته.

وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو لغة المسؤول وخطابه للمجتمع. فالكلمة الصادرة من مسؤول ليست كأي كلمة؛ فهي تُقرأ باعتبارها تعبيرًا عن مدى فهم المؤسسة لواقع الناس. ولهذا فإن الحديث عن الدخل والأسعار والمعيشة يحتاج إلى دقة ووضوح وشرح للأرقام، لا إلى إطلاق رقم مجرد ثم ترك المواطن يقارنه بحياته.

كما أن قرب المسؤول من الميدان والاستماع المباشر إلى الناس لا يقل أهمية عن قراءة التقارير. فالجداول تخبرنا بالكثير، لكنها قد لا تخبرنا عن أب يؤجل بعض احتياجات أسرته حتى نهاية الشهر، أو متقاعد أثقلت الأقساط دخله، أو شاب ينتظر فرصة عمل، أو أسرة تحاول التوفيق بين دخل محدود ومتطلبات متزايدة.

وعندما يشعر المواطن بأن الخطاب الذي يسمعه بعيد عن حياته اليومية، فإن ذلك قد يولد الاستياء وعدم الرضا، وهو أمر لا نحتاج إليه، خصوصًا في وطن تقوم قوته واستقراره على الثقة الراسخة بين القيادة والمواطن.

ولا ينبغي أن تتحول المطالب المعيشية أو انتقاد بعض التصريحات والسياسات إلى معيار لقياس وطنية الإنسان؛ فالمواطن الذي يشتكي من غلاء المعيشة أو محدودية دخله، أو يبحث عن فرصة عمل، أو يطالب بتحسين ظروف أسرته، ليس أقل وطنية من غيره.

الوطنية ليست في الصمت عن الهموم، وإنما في التعبير عنها بمسؤولية وحرص على المصلحة العامة. وفي المقابل، فإن من واجب المسؤول أن يستمع، وأن يتفهم، وأن ينقل الواقع بأمانة، وأن يبحث عن الحلول بدل أن يشعر المواطن بأن شكواه تتعارض مع حبه لوطنه.

ونحن في عُمان نعتز بقيادة حكيمة جعلت الإنسان العُماني محور التنمية وغايتها، ونثق بحكمة مولانا جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- وبحرصه الكبير على أن يعيش المواطن حياة كريمة ومستقرة. ومن هنا فإن واجب المسؤولين أن يكونوا عونًا لهذا النهج السامي، وأن يضعوا أمام القيادة والمجتمع الصورة الحقيقية كما هي؛ بإنجازاتها وتحدياتها، وأن يقتربوا أكثر من الناس ومن تفاصيل حياتهم.

نحن لا نرفض الإحصاءات، بل نحتاج إليها ونقدر أهميتها في التخطيط وصناعة القرار، ولكننا نريدها أن تُقرأ في سياقها الصحيح، وأن تساعدنا على معرفة أين نجحنا وأين ما زلنا بحاجة إلى مزيد من العمل.

وفي النهاية، ليس السؤال الأهم: كم بلغ متوسط الدخل؟ بل السؤال الأهم والأقرب إلى حياة الناس: هل تحسنت حياة المواطن؟ وهل ازدادت قوته الشرائية؟ وهل أصبح أكثر قدرة على توفير العيش الكريم لنفسه وأسرته؟

ذلك هو المؤشر الحقيقي الذي ينبغي أن نقيس به نجاحنا، وهو الأقرب إلى النهج الحكيم لمولانا جلالة السلطان المعظم- حفظه الله ورعاه- الذي جعل كرامة الإنسان العُماني واستقراره ورفاهه في قلب مسيرة التنمية.

حفظ الله عُمان، وحفظ مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار والرخاء، ووفق الجميع لخدمة عُمان وأبنائها.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z