◄ ضربٌ من سيرة عطرة لرجل أخلصَ لعمله
◄ الأستاذ الجليل محمَّد بن حارب الحبسي رائد من روَّاد التربية والتعليم في السلطنة
د. محسن بن حمود الكندي
حين يُذْكَرُ التعليم النظامي في السّلطنة عامة، فإنه يذكر برجاله الأبرار المخلصين الذين ناضلوا من أجله، وأفنوا أعمارهم في خدمته، فقد عَمِلوا في الزمن الصَّعب، وكانوا خير قدوةٍ للأجبال في صبرهم، وتحملهم، وعطائهم، ذلك انهم أسّسوا للتعليم، ووضعوا لبناته الأولى، وخطَّت أقلامهم مساراتِ البداية بما تعني من تخطيط، وممارسة، وعمل في بيئة انتقالية تحمل في طياتها مسارات التحول في عُمان من مصاف مرحلة إلى أخرى، وفي عهد آمن بالتعليم، وارتقى به، فكان الهدف المنشود، والبغية والمراد لكلّ تقدّم؛ والأستاذ محمَّد بن حارب بن حمود الحبسي واحدٌ من جيل التأسيس والريادة، والعطاء والكفاح والإدارة الناجحة؛ فهو أوّل مدير لإدارة التّربية بعد انتقالها إلى ولاية إبراء بمُسَمَّى "إدارة التّربية والتّعليم بالمنطقة الوسطى" (1979- 1980)، وسيرته تتلخّصُ- كما خَطَّها لنا ابنه الشيخ إبراهيم- في النَّص التَّالي: "وُلد الأستاذ محمَّد بن حارب بن حمود بن سعيد الحبسي، عام 1364هـ، الموافق تحديدًا تاريخ 15/2/1945م([1])، بقرية تُسَمَّى "ايتوبو"، بولاية "إنزيجه" في الدَّولة الأفريقية، جمهورية تنزانيا، درس الابتدائية في قرية "ايتوبو" حتّى وصل الصَّفّ الرَّابع الابتدائي. تلقّى تعليمه التّقليدي وتعلّم اللغة العربية من المعلّم مسلَّم بن خنفر الهنائي، وفي شهر يناير من عام 1961م أشار عليه والده بالرُّجوع إلى عُمان، فرجع إلى إحدى دول الخليج لتكملة دراسته، ثمَّ سافر إلى المملكة العربية السُّعودية عام 1962م حيث درس فيها الصّف الخامس الابتدائي، وسكن فيها مع الشيخ الكريم المؤرخ محمَّد بن عبدالله بن حميد السَّالمي (الشّيبة).

بعدها ابتُعث إلى العراق لإكمال الدّراسة بها، وبالفعل دَرَس بها حتّى أكمل الثّانوية العامّة عام 1968م، وبعدها رجع إلى سلطنة عُمان لفترة وجيزة تزوّج فيها، ثمَّ سافر إلى دولة قطر، وعمل بها كأمين صندوق مالي في شركة قطر الوطنية للملاحة، ثمّ عاد إلى وطنه عُمان عام 1970م، وبعد لقائه بالشّيخ سعود بن علي الخليلي، وزير المعارف آنذاك، قدّم طلبً للعمل الحكومي فوافق له وعُيّن مديرًا لمدرسة مازن بن غضوبه في ولاية سمائل بتاريخ 18/11/1970م، واستمرّ في هذا العمل في ولاية سمائل لمدة سنة ونصف السّنة، انتقل بعدها إلى سمد الشَّأن لإدارة مدرسة عزّان بن تميم، هذه المدرسة التي يحتفظ طلبتها له حق التلمذة والذكرى الجميلة، فإلى الآن يتذكر الطلبة السابقون في هذه المدرسة مكتبه بمحاذاة الوادي أسفل حصن (الخبيب) التراثي، وكيف أتى الوادي فجرف صفوف المدرسة وأبقى مكتبه لعلوه وارتفاع مكانه.
وفي عام 1974م، انتقل الأستاذ محمَّد الحبسي إلى سمائل مرَّة أخرى، وعمل بها مساعدًا إداريًّا للتّربية والتّعليم، قطاع سمائل، وبعد فترة وجيزة ترقّى مديرًا لإدارة التَّعليم في سمائل، ونحن لا نعرف عن هذه المرحلة شيئا وعسى أن يتاح لنا معرفة تفاصيلها.
وفي عام 1979م انتقل إلى ولاية إبراء وعمل بها مديرًا لإدارة التّربية والتّعليم بالمنطقة الوسطى، وفي عهده انتقلت الإدارة من مكتبها الاشرافي بولاية بدية إلى مبناها الجديد في إبراء، وبعد سنة ونصف السّنة، انتقل إلى ولاية صور وعمل بها مديرًا لإدارة التّربية والتّعليم بالمنطقة الشّرقية حتّى عام 1984م، وفي العام نفسه انتقل إلى محافظة مسقط، وعمل بها مديرًا للمعهد الإسلامي بالوطيّة لمدّة أربعة أعوام، كثَّف جهوده في خدمته، وقد وجدنا له في هذه المرحلة- سلسلة من المقالات والحوارات التي أجريت معه من قبل الصحافة المحلية ومجلة المعهد.
وفي عام 1988م انتقل إلى قسم التّربية الإسلامية بوزارة التّربية والتّعليم، وعمل به حتّى عام 1994م، حين أحيل إلى التّقاعد المبكّر. وانتقل للسُّكنى إلى ولاية المضيبي مسقط رأس أهله ومقام قبيلته الكريمة، وأقام فيها حتى وفاته صباح يوم الأربعاء الموافق للتاسع من سبتمبر من عام 2026م"([2]).
تحضُرني من مجمل عمله التربوي الدؤوب الذي عُرف به مدرسًا، ومدير مدرسة، فمدير إدارات ومعاهد كثيرٌ من التفاصيل التي يصعب الاتيان بها في هذه العجالة، فقد كان في سبعينيات القرن العشرين مقيمًا في ولاية إبراء يقوم بمهام إدارة التربية كما ذكرنا، وكان كثير التواصل مع مدرستنا المتنبي الإعدادية؛ يحضر فعالياتها، ويشرفُ على إعداد أيام التربية فيها، تراه صباح كل يوم في أروقتها مسجّلا حضور غير عادي متناسيًا طبيعة عمله القيادية، فهو المخطط والمنفذ في ذات الآن، همّه نجاح الفعاليات، وسير التدريس، وإرساء قواعد التربية، وعدا هذه المشاهدات اليومية لا أكاد أعرف عنه شيئا، فسيرته تفيد بانتقال مستمر من إدارة لأخرى، ومن منطقة لثانية، والأكيد أنه سار على النهج نفسه من العمل الميداني المباشر، وقد سمعتُ ممن عرفه بأنه لا يكاد يجلس في مكتبه، إلا ويردد عبارته الشهيرة العمل هو الميدان، وليس في الكراسي الفارهة، وحسبه من ذلك أنه طبق تجربة تعليمية مفيدة، وشارك بفعالية في تأسيس التعليم، وفتح المدارس في الإدارات التي تولاها، وكانت مهمته صعبة في زمن البدايات، ومقياس صعوبتها تكمن في البيئات الجغرافية والاجتماعية التي وُجدت فيها، وفي ذلك تفصيل أبنَّاه في كتابنا "فجر التعليم في عُمان".
آمن الأستاذ محمد حارب بالتَّعليم النظامي، واتخذه مطلبًا حيويًّا أكّدته ضروراتُ الحياة المُعاصرة، وانفتاح العقل الجمعي على أشكال الارتهان الثّقافيّ، وطوارئ العصر، والمكتشفات الحديثة، والنظريات التربويّة، والطفرات التّقنيّة، لهذا كان لا بدّ من الأخذ بما يتيسر منها مراعاة لمقتضيات العصر، ومستجدات الفترة، لهذا كان من البداية منخرطًا فيها، مساهمًا في مساراتها، منفتحًا على جديد طرقها، ومناهجها، وكانت محصلته منه شخصية تربوية مرموقة لها الفضل في تنوير العقول، والاستنارة المبكرة، ومنهما الإصلاح الذي عمَّ المجتمع العُماني خاصة أنه جاء في وقت شهد فيه المجتمع سلسلة من التحولات في كافة الأصعدة، وقد تجاوز أشكال الارتهان الثقافي والاجتماعي التي عمّت أرجاء وطنه في فترة ما قبل النهضة الجديدة.
كما آمن أن التَّعليم مسلكٌ حضاريٌّ واكبته الثّقافةُ كونها إحدى الرّكائز المهمّة للتّطوير، وتنمية العقول، وأحد أبرز عناصر البثّ والتّنوير، ونتج عنهما أشكالًا من التّثاقف، والتّعالق بين الثقافات؛ بغية التّواصل مع الجديد المستحدث، ومدَّ جسور التّعاون والاستفادة من ذلك في رقي الأمم، وتطوير الأوطان، وأكثر منهما الأخذ بأيدي الإنسان إلى مرافئ السّعادة، والتنمية والتحضر؛ لهذا يقفُ اليوم- بعد هذه السنوات الطوال- واحدًا ممن صنعوا التعليم في السلطنة بأسرها، واتخذوه وسيلة للوصول إلى غاية التنمية أثمرت أكُلها، وتخرجت على يديه أجيالٌ وأجيال تحفظ له حق التلمذة في العلم والمعرفة، وما اسمه المعروف لدى من التقينا بهم، ونحن نؤرخ للتعليم في السلطنة إلا محصلة من محصلات ذلك التوق ،وتلك الغاية المعرفية التي ذكرناها، وخصصناها به أسوة بنظائره الرّواد الأوائل في السلطنة عامة وفي شمال الشرقية خاصة.
وفي الجانب العام يحضُرني من حياته كما عرفتها عن بُعد- علاقات استثنائية ربطته بالشيخ العلّامة إبراهيم بن أحمد الكندي، فقد عرفه مبكرًا عندما كان الشيخ إبراهيم يقوم بمهام التدريس بمسجد الصّوار بولاية المضيبي، فكان هو وجيله أهل المضيبي بمثابة الأستاذ المؤطر لهم، وقد حدثني عن ذلك بتفاصيل كثيرة في زيارة استثنائية قمنا بها إلى المضيبي ونحن نؤلف كتابنا عن الشيخ إبراهيم، ونتتبع خطى أثره في تلك الديار التاريخية المجيدة، وفي تلك الحقبة الفارقة الممتدة من أواخر ستينيات القرن العشرين حتى مطالع السبعينيات، وهي حقبة اقترنت بالتعليم التقليدي ودراسة متون النحو والفقه وأصول الدين والأدب والشعر، وخطاب القراءة النغمية الباذخة.
لا أريد أن استطرد في حياة الأستاذ محمد بن حارب، وذكر مناقبه ومآثره، فالقلم يعجز عن وصفها، ولأن أكثر من عرفه هم النّخب المثقفة المتعلمة أو قل الصفوة الصافية([3])، فقد كانت خصاله خصال الإسلام قبل كلّ شيء، وصفاته صفات العربي العُماني الأصيل الذي لا يبارح الكرم والسَّخاء منزله ومُقامه عند اللقاء، والكرم عند الوفادة، والتُّقى والتضرع والخشوع عند العبادة، والوجاهة والاعتبار في المنصات الاجتماعية، فالرّجل كبير المقام عالي الهمة، والقدر، عصامي التكوين، هو ابن مجتمعه وبيئته تربّى وعاش عليهما، وحسبه أنه أصيلُ مجتمع عريق، وبيئة أصيلة، وكفى بهيئته وسلوكه دليلا وشاهدًا.
وفاة الأستاذ محمد حارب الحبسي رحمه الله -اليوم - تمثل خسارة كبيرة، فقد حوى ذاكرة مرحلة تعليمية، وعصارة تجربة قضاها في حقل التربية والتعليم، والأكيد انّها دوّنت، ومكمنُ الإفادة منها فيما أفضى به لنا في سائر لقاءتنا القليلة به، فقد قدّر لنا لقاءه والتواصل معه نحن نُعِدّ دراستنا عن فجر التعليم في عُمان ، فكان مصدرًا أصيلا لنا يحيط بالمرحلة بما تعني من قيم وأصول، وحراك سارت عليه تجربة التعليم، وسار عليه الوطن بكامله في بواكير نهضته الأولى حتى اليوم، فرحم الله المربّي الكبير، والرجل الأصيل الأستاذ الشيخ محمد بن حارب الحبسي وغفر له، وجزاه الجزاء الأوفر على ما قدّمه لوطنه، فما جزاء المخلصين إلا الجنة.
([1]) - توجد إشارة في حوار أجرته معه مجلة المعهد الإسلامي، العدد الثّالث، 1986، ص 5 بأنّه من مواليد 1364هـ وعند تحويل هذا التاريخ سيوافق عام 1927م. وأعتقد أن هذا ليس دقيقاً، والأصح ما ذكرناه أعلاه لأنه منه مباشرة.
([2]) - المعلومات الواردة في هذه التّرجمة من رسالة نصّية بعثها لنا الشّيخ إبراهيم بن محمَّد بن حارب الحبسي، بتاريخ 22 أكتوبر 2025م.
[3] - أعني بهم تحديدًا الفقهاء والعلماء الذين كان يحضر دروسهم في المساجد أمثال: الشيخ سعيد بن خلف الخروصي، والشيخ حمود الصوافي، وسماحة الشيخ المفتي أحمد بن حمد الخليلي وغيرهم.
