لينا الموسوي
عنوان المقال أحد الأمثال العراقية المشهورة التي ترددها والدتي دائمًا في مواقف اجتماعية مختلفة، محاولةً حثنا على التعاون مع الآخرين وتبادل الزيارات، الالتزامات التي كنَّا آنذاك أقل اهتمامًا بها.
في الحقيقة، لم أكن أدرك معناه العميق في ذلك الوقت؛ حيث كنت أصغر عمرًا وأقل خبرة، وأظن أنَّ الالتزامات الاجتماعية ما هي إلا مجاملات عابرة، أو عبء يفرض علينا رد الفعل بمثله.
لكن مع مرور السنين وتراكم التجارب، أدركت أن هذا المثل أعمق بكثير مما نظن؛ إنه قانون كوني يدير العلاقات الإنسانية، حيث يدور الزمن ليعيد إلينا تفاصيل مشاعرنا، وضحكاتنا، وحتى الدموع التي تسببنا بها أو مسحناها من عيون الآخرين.
وهنا يتجلى سر هذا القانون الكوني؛ فالإنسان لم يُخلق في الأرض وحده، بل هو جزء من مجتمع محاط بالناس، وما يمر به غيره اليوم سيمر عليه غدًا.
لذلك، فإن الابتسامة الصادقة التي نبتسمها، والكلمة الطيبة التي نذكرها، والعمل البسيط الذي نقدمه، كلها ديون نودعها في قلوب الآخرين وسوف ترتد إلينا يومًا ما شئنـا أم أبينـا.
فمن قطرات الماء الصغيرة تتكون البحيرات الشاسعة، ومن تجمعات البذور البسيطة تنبت الأشجار العظيمة التي تحمل أطيب الثمار، هكذا هي أفعالنا الصغيرة، تتراكم مع الزمن لتصنع فارقًا كبيرًا في حياتنا وحياة من حولنا.
قد يرى البعض في هذه الكلام نوعًا من المثاليات خاصة في ظل الصراعات والضغوطات اليومية التي يواجهها الافراد. لكنها في الحقيقة أسرار إلهية عميقة نتعلمها من مدرسة الأيام، أسرارٌ تؤكد أهمية التكافل والتعاون في السراء والضراء؛ فمساعدة الناس في أوقات الضيق، ومؤازرتهم في الأحزان، ومشاركتهم في الأفراح، هي جوهر ما يحث عليه ديننا الإسلامي، وهي القيمة الأجمل التي تميزت بها مجتمعاتنا العربية، والتي تحتضن أبناءها بدفء وحنان وحب يحمينا جميعًا من قسوة الأيام.
واليوم، بطريقة ما في أحد الأوقات، أجد نفسي أحصد ثمار ما زرعته من بذور أفعالٍ قدمتها في الماضي دون أن أدرك أو أحس، لم أكن أعلم أنني كنت أزرع أشجارًا كبرت حتى وجدتها تظللني في اوقات الصعاب.
مما جعلني اتفكر بعمق بما كانت تردده أمي دائمًا من أمثال، وأشارككم بهذه الفلسفة الكونية الإلهية للحياة: أن ما تقدمه سيعود إليك، وأن الحياة دينٌ بدين حتى بدمعة العين.
