فرقة اللوكندة (9)

 

تصميم الفنان حميد العوفي.png
 

تصميم الفنان: حميد العوفي

 

مُزنة المسافر

من فضلكم الأضواء... نعم، فوق رأس الأرنب شكيب، إنه يود أن يرقص الرقص النقري، وأن يُحرِّك رجليه بخفة، يذهب بها يمنة ويسرى، ويتمايل وكأنه يسمع موسيقى الجاز أو البلوز في عقله، ما هذه الحركة العجيبة؟، إنها من وحي أحاسيسه الأرنبية.

أحضر الأرنب شكيب البوق الكبير وأراد أن ينفخ فيه، وربط بالوناته العملاقة بأذنيه، وتسلح بالفرح، ووجه عينيه نحو المجهول، وكأنه يرغب أن يضبط المجرمين في هذه اللحظة، لكن الضفدع كمال تدخل وطلب منه أن يتوقف لوهلة عن الغبطة وأن لا تغلبه الإثارة أو يتمكن منه التشويق لأن المهمة ليست أداءً تمثيليًا في رسوم متحركة لكنه التعامل مع فئران مجنونة ترغب أن تفسد هناء العيش في اللوكندة.

شرح كمال أنه سيضع الجبنة التي جلبها من ثلاجة الخواجة يوليوس فوق صحن بيضاوي أبيض اللون، والجبنة رائحتها ليست لطيفة لكنها ستفي بالغرض في جذب الفئران المجنونة، وحينما تقترب يصدح البوق الكبير الذي سينفخ فيه الأرنب شكيب، ويسعى به في طرد هذه الكائنات الطفيليلة بعيدًا عن البهو، وطاولة الاستقبال ومركز اللوكندة المليء بالألوان.

داخل الأنابيب لبس شناوي قفازه بصعوبة، بجانب رداء خلف ظهره وقناع نرى منه عينيه الغريبتين، بينما أبو سريع استعد استعدادًا مُريبًا بأن صفَّق بيديه عدة مرات، وشجع نفسه وتأكد أنه فأر شجاع، وأن حلمه الكبير سيتحقق بأن يكون مقبولًا من الآخرين، ستصوره كاميرات الأخبار، وسيشتهر كمجرم غامر بحياته ليحصل على ما ينال، سيكون له نصيب من موجز سريع ونشرة إخبارية طويلة، عريضة.

وستسأله ربما صحفية فضولية للغاية: لماذا ارتكبت هذه الجريمة؟ ولماذا سرقت الخواجة يا أبو سريع؟ سيُقَهْقِه وسيرد ببساطة الفئران والجرذان.

أبو سريع: عشان الفيران مالهاش بخت زي البني آدميين!

وهل سيذهب إلى محكمة فيها عدالة أرضية أم حكمة سماوية؟ وهل سيسأله القاضي عن أسبابه وأوهامه؟

تسلَّل شناوي أولًا إلى المكان، وطبعًا وجد الجبنة وحيدة على صحن بيضاوي أبيض، وهنا استعجل شناوي بوضع يديه على الجبنة، فسُلِّطت الأضواء عليه، ووجد نفسه أسفل رحمة الضفدع كمال والأرنب شكيب، ونفخ شكيب في البوق الكبير ليخبر الجميع عن هذا الفعل الشنيع، وكم أن شناوي فأر مريع!

الأرنب شكيب: بتعمل إيه عندك يا فار يا نتن!

شناوي: جعان وبأكل، فيها إيه يعني؟

كمال: أقبض عليه يا شكيب، ده مجرم وبيعترف أنه بيسرق!

ضربت دقات قلب الفأر شناوي، إنه خائف، ويشعر برعب كبير قد تسلل إلى جوفه، بينما أبو سريع يرى الحدث كله من فوق، لقد تأخر في النزول حين تخيَّل نفسه في موجز سريع للأخبار يتكلم فيه عن حياته كفأر يريد أن يعيش مثل البشر.

وهل ستكتب الصحف غدًا بمانشيت عريض؟

الفيران المجنونة.. بتسرق الخواجة يوليوس!

 

حين بزغت الشمس، وتوغَّلت فجرًا للمكان بأشعتها الذهبية، وطالها النوم في السماء لفترة من الزمن، كانت العصفورة صوفيا في هذا النهار، تضع طلاء الأظافر لأطراف ريشها، وتستعد لوضع البودرة وبعض مساحيق التجميل، وفكرت أن تظهر أمام فروج بكل بساطة بمكياجها النهاري، لأنها باتت تعرف أن مكياج النهار يختلف عن مكياج السهرة.

صوفيا: إزيك يا فروج!... قصدي يا كمال.

كمال: كويس يا صوفيا.. إزيك النهارده؟ وإيه الألوان دي الِّي في وشك؟

صوفيا: ده مكياج... حلو يا فروج؟... قصدي يا كمال!

كمال: حلو أيوا. بس كنت عاوز أسألك إمبارح نمتي إزاي يا صوفيا؟

صوفيا: نمت كويس أوي، ليه؟

فكَّر كمال، هل رأت صوفيا الأرنب شكيب وهو يرقص الرقص النقري وكأنه يقف على مسرح برودواي، أم رأت بعينيها نهم شناوي في مدّ يديه لأشياء لا تخصه، أم كانت تركز في شخير الخواجة يوليوس وهو يستدعي ذكرياته الطفولية عن اليونان في شريط أحلامه ذاك، وهل رأت مدى قوة كمال في ردع الشر من أجلها؟... ربما.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z