الواقع الاصطناعي.. حين تصبح الأرقام أكثر إقناعًا من الواقع

 

 

 

سعيد المالكي

أخيرًا، يمكن أن نطمئن.. فلا داعي لكل ذلك التذمر من الأسعار، ولا القلق من الأقساط، ولا الحديث عن الكهرباء والماء، ولا عن ذلك المشهد الغريب قرب نهاية الشهر، حين يبقى من الشهر أسبوع بينما يكون الراتب قد أنهى مهمته الوطنية وغادر المكان؛ فالأرقام تقول إن الأمور بخير؛ بل إن الذكاء الاصطناعي نفسه دخل على الخط.

فقد أُعلن أن متوسط الدخل الشهري للأسرة العُمانية بلغ نحو 1,839 ريالًا، ومتوسط الإنفاق نحو 1,059 ريالًا، وبالحساب الظاهري البسيط، يتبقى للأسرة قرابة 780 ريالًا كل شهر. فإن لم تجدها، فتش جيدًا. تحت السرير. في أدراج المطبخ. خلف الثلاجة. وربما يكون الأفضل أن تراجع نفسك، لا الأرقام؛ فقد حسبها الذكاء الاصطناعي.

والأجمل أن المشروع، بحسب ما أُعلن، الأول من نوعه عالميًا. وهنا يصبح السؤال أقل أهمية: هل تعكس النتيجة واقع الناس فعلًا؟ والأهم: هل سبقنا أحد إليها؟ فإذا كانت الإجابة: لا، فلتصمت الأقساط قليلًا احترامًا للمناسبة؛ بل إن المسح أمكن إنجازه خلال ساعة واحدة.

ساعة؟!

هنا يبدأ الخيال. يبدو أن الذكاء الاصطناعي استيقظ صباحًا، وخرج في جولة وطنية: مدينةً مدينة، وقريةً قرية، وحارةً حارة. قرع الأبواب، دخل البيوت، نظر إلى بطون الثلاجات، تفقد القروض، وسأل عن الديون، وعرف من يدفع فاتورة الكهرباء، ومن يعالج والدته، ومن يعول أبناءه.

ثم سأل الابن المتزوج: هل راتبك لك ولأسرتك، أم نضعه مع راتب والدك؟ وسأل الزوجة الموظفة: هل دخلك جزء من مصروف الأسرة فعلًا، أم أنك صاحبة ذمة مالية مستقلة؟ وسأل الجد: هل معاشك للعلاج واحتياجاتك أم نضيفه إلى دخل البيت؟

ثم عاد سريعًا إلى المركز، ونظر إلى الساعة: ممتاز، بقيت سبع دقائق لنحسب المتوسط.

طبعًا، هذا لم يحدث؛ فالذكاء الاصطناعي لم يطرق بابًا، ولم يرَ أسرة، ولم يسمع شكوى. وهو لا يعرف من الواقع إلا ما يدخل إليه من بيانات وتعريفات وافتراضات.

وهنا يجب ألا نظلمه؛ فالمشكلة ليست فيه. الذكاء الاصطناعي أداة عظيمة، تستطيع معالجة ملايين السجلات والمقارنة والتصنيف وإجراء الحسابات بسرعة مذهلة. لكن قيمة الأداة ليست فقط في قوتها، بل في معرفة كيف نستخدمها، وفيمَ نستخدمها، وما الذي نطلب منها الحكم عليه.

يمكنك أن تقول له: اجمع، فيجمع. اقسم، فيقسم. استخرج المتوسط، فيفعل. لكن حين تقول له: والآن أخبرنا كيف يعيش الناس؟ هنا لم نعد أمام عملية حسابية فقط، بل أمام واقع إنساني أعقد من أن يُختزل في جدول.

الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحسب الواقع الذي نصفه له، لكنه لا يستطيع أن يضمن أن وصفنا للواقع هو الواقع نفسه. وقد يجيبك بمنتهى الدقة عن السؤال الخطأ.

ثم نصل إلى صديقنا القديم: المتوسط.

لنفترض أن لدينا عشر أسر؛ تسع منها دخل كل واحدة 600 ريال، والعاشرة دخلها 12 ألفًا. يصبح المتوسط 1,740 ريالًا. جميل جدًا. ثم تنظر الأسر التسع إلى بعضها وتسأل: من منكم أخذ الباقي؟

لا أحد. الباقي يعيش داخل المتوسط.

وهنا يكمن الوسيط، وهو الدخل الذي يُقسِّم الأسر إلى نصفين: نصف الأسر يقل دخلها عنه، والنصف الآخر يزيد عليه. ففي المثال نفسه، الوسيط 600 ريال فقط.

فهل الأهم أن نعلن المتوسط ونكتفي، وما الهدف من إعلانه؟ أم أن نعرف أيضًا مستوى الدخل الذي يعيش دونه نصف الأسر؟ فالمتوسط قد يقول إن الجميع بخير، أما الوسيط فقد يسألهم أولًا إن كانوا يعرفون ذلك!

بل إن تفاصيل "الدخل" نفسها تحتاج إلى شرح؛ فالمسح يدخل ضمنه، بحسب البيانات المنشورة، الإيجار المقدر للمسكن المملوك. وهنا قد يكتشف المواطن أن بيته يعمل معه دون أن يخبره، وأن جزءًا من دخله دخل إحصائي لا نقدي.

ثم يسمع أن الفرق بين الدخل والإنفاق نحو 780 ريالًا، فيتساءل أين تختفي هذه المدخرات كل شهر. وربما نحتاج قريبًا إلى مشروع ذكاء اصطناعي آخر للبحث عنها، ويُفضّل أن يكون هو الآخر الأول من نوعه عالميًا.

الخوف ليس من الذكاء الاصطناعي. الخوف أن تتحول عبارة "بالذكاء الاصطناعي" إلى ختم يمنح النتيجة حصانة من السؤال.

عشنا طويلًا مع عبارة "السيستم يقول"، أو "السيستم رفض"، و"السيستم لا يسمح"، و"السيستم حسبها هكذا". والآن قد ننتقل إلى النسخة المطورة: "الذكاء الاصطناعي يقول"!!

فإذا قال المواطن: راتبي لا يكفيني، قيل له: الذكاء الاصطناعي يقول غير ذلك.

وإذا قال: أُسدد قرضًا. قالوا: لم يظهر.

وإذا قال: راتب زوجتي لها. قالوا: لكن المجموع ممتاز.

وإن قال: ابني المتزوج يعيش معي. قالوا: أحسن، ارتفع متوسط دخلكم!

وعندها يعود الرجل إلى بيته ويعلن البُشرى: يا جماعة، نحن أغنياء تقريبًا.

فتسأله زوجته: وأين المال؟ فيقول: لا أعلم، لكن الخبر رسمي.

الذكاء الاصطناعي أداة رائعة، لكن فهم الإنسان يظل مسؤولية الإنسان.

الإنسان أكبر من جدول، والأسرة أعقد من معادلة، والحياة لا تختصر دائمًا في: الدخل ناقص الإنفاق = أنتم بخير.

وإذا لم يتوافق واقعكم مع الأرقام، فلا تقلقوا. ربما الواقع نفسه هو الذي يحتاج إلى تحديث!

الأكثر قراءة

z