أنيسة الهوتي
استفزني خبر متوسط دخل الأسرة العُمانية إلى 1,839.3 ريالًا عُمانيًا شهريًا، لم أتوقف طويلًا عند الرقم، وتساءلت: كيف تم قراءة هذا الرقم؟ بالذكاء الاصطناعي الذي أحيانًا يكون غبيًا إذا لم تقدم له الحيثيات بذكاء.
ومنطق الإحصاء والاقتصاد يقول إن الرقم الإحصائي لا يعيش منفردًا؛ إنما يتكون من تركيبته الخاصة. وباستخدام ذات الذكاء الاصطناعي نجد أن متوسط عدد أفراد الأسرة العُمانية ثمانية أفراد، إذن قسمة 1,839.3 ريالًا على ثمانية تعطينا نحو 230 ريالًا للفرد شهريًا. وهذه فقط قراءة حسابية بسيطة تساعدنا على الاقتراب من الصورة من زاوية أخرى.
وهنا نستخدم الذكاء الاجتماعي؛ لإقرار أن الأسرة ليست فردًا واحدًا، وأن الرقم الذي يبدو كبيرًا عندما ننسبه إلى «أسرة» قد يبدو مختلفًا تمامًا عندما ننظر إلى عدد من يعيشون عليه.
ثم يأتي الذكاء العاطفي، الذي يجعلنا لا نرى الرقم وحده، بل نرى خلفه أبًا وأمًا وأبناء، واحتياجات يومية، ورسومًا، وفواتير، وسكنًا، ونقلًا، وغذاءً، وصحةً، وتعليمًا، وإيجارات، ومسؤوليات لا تظهر في العنوان الرئيسي للخبر.
كما أن المجتمع العُماني ليس كله أُسرًا ذات مصدر دخل واحد ومستقر؛ فهناك أسر تعتمد على الضمان الاجتماعي، وهناك أسر أخرى قد لا ينطبق عليها استحقاق الضمان رغم محدودية دخلها، بسبب تركيبتها الأسرية التي لا تستوفي الشروط، وقد يكون في الأسرة فرد واحد فقط يعمل ويتحمل مسؤولية بقية أفرادها الباحثون عن عمل في ظل شح الوظائف، وهذا الفرد يعاني من غلاء المعيشة.
ومن هنا، فإن 1,839.3 ريالًا هي نصف الآية. والنصف لا يكتمل معناه إلا بالنصف الآخر.
ويجب التعريف بالأسر بشرائح الدخل، وعدد المُعيلين، وعدد أفراد الأسرة، وحجم الإنفاق من منهج الإحصاء المنطقي؛ فالمتوسط وحده يخبرنا عن جزئية نقطة حسابية بالذكاء الاصطناعي، لكنه لا يروي بالضرورة تفاصيل الحياة اليومية لكل أسرة بالذكاء الاجتماعي.
ثم البرهان يظهر في القوة الشرائية، وهي من أهم المفاتيح لفهم الواقع الاقتصادي في أي دولة؛ فالاقتصاد لا يتحرك بالرواتب وحدها، وإنما بما تفعله هذه الرواتب في الأسواق. عندما تكون لدى الناس قدرة حقيقية على الإنفاق، تتحرك عجلة المشتريات والمبيعات، وتنتعش التجارة والاقتصاد، وتزداد حركة الاستثمارات.
ولهذا نجد دولًا تضخ الأموال في مجتمعاتها، لرفع دخل المواطنين لأجل تحسين قدرتهم الشرائية؛ ليس فقط لمساعدة الأسر، وإنما أيضًا لتحريك الاقتصاد من الداخل؛ فالمال عندما يصل إلى يد المواطن ويعود إلى السوق، لا ينتهي أثره عند الأسرة، بل يدور في دورة اقتصادية أوسع.
ومن هنا فإن السؤال ليس فقط: كم يبلغ متوسط دخل الأسرة العُمانية؟ بل: ما القوة الشرائية الحقيقية لهذا الدخل؟
فإذا كانت الأسواق لا تشهد حركة تتناسب مع حجم الدخل المعلن، وإذا كان المواطن يوجه الجزء الأكبر من دخله إلى الضروريات، فإن ذلك يستحق قراءة اقتصادية واجتماعية أعمق.
وهنا تعود إليّ رمزية زحل. زحل كوكب تحيط به حلقات غازية كثيرة؛ تكاد تُرى جميلة من التلسكوب وهي تغطي على ندوب زحل بإثارة الجمال الوهمي البصري.
وأنا لا أرفض الاعتراف بالرقم، وإنما أرفض أنصاف الحقائق؛ فالخبر عندما يقول لنا «1,839 ريالًا» يكون قد أعطانا نصف الآية، أما فهم الواقع العُماني فيحتاج إلى قراءة الآية كاملة.
الأسرة لا تعيش على المتوسط، وإنما تعيش على ما يبقى من دخلها بعد أن تستوفي الحياة حاجاتها.
