ديميتري بريجع **
ترتكز العلاقة بين مسقط وموسكو على استقلالية القرار الخارجي التي تنتهجها السلطنة منذ عقود؛ فعُمان لا تُصنِّف علاقتها بروسيا في خانة التحالف؛ بل تتعامل معها ضمن حوار مُتوازِن يحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع واشنطن وبروكسل ودول الخليج.
هذا النهج وفَّر بيئة مستقرة سمحت برفع وتيرة الزيارات الرسمية، وأبرزها زيارة وزير التنمية الاقتصادية الروسي ماكسيم ريشيتنيكوف إلى مسقط في أبريل 2026. الأساس السياسي هنا غطاءٌ يُتيح للفاعلين الاقتصاديين التحرُّك دون احتكاك دبلوماسي أكثر منه محرك مباشر للاقتصاد، وهذا يفسر لماذا تتقدم الاتفاقات القطاعية غالبًا على الإعلانات السياسية الكبرى لا العكس.
وفي سياق رؤية "عُمان 2040" التي تضع تنويع مصادر الدخل في صدارة أولوياتها، وفي ظل توجه روسي نحو تعويض أسواق قيدتها العقوبات الغربية بشراكات في آسيا والشرق الأوسط؛ تبرز 3 قطاعات واعدة عمليًا. الأول: الأمن الغذائي؛ حيث تستورد عُمان القمح والشعير من روسيا، وأكد ريشيتنيكوف لوكالة الأنباء العُمانية أن موسكو تخطط لزيادة صادراتها من الحبوب والدواجن والأغذية، مقابل استيراد روسيا كيماويات ومشتقات نفطية عُمانية. هنا المصلحة التجارية مباشرة تحققها شركات روسية تكسب سوقًا مستقر الطلب، وعُمان تُقلِّل اعتمادها على عدد محدود من موردي الحبوب. الثاني: الخدمات اللوجستية والموانئ؛ فميناء الدقم بعيد عن مضيق هرمز، وتبلغ طاقة محطتي حاوياته نحو 3.5 مليون حاوية نمطية سنويًا، مع طاقة إضافية للمواد الجافة السائبة تصل إلى 5 ملايين طن، وهذا يمنحه صلاحية نظرية ليصبح نقطة عبور للبضائع الروسية نحو شرق أفريقيا وجنوب آسيا، لكنه يبقى احتمالًا لم تترجمه بعد اتفاقية شحن منتظمة. الثالث: السياحة، وهي الأكثر تقدمًا بفضل نظام الإعفاء من التأشيرة منذ يوليو 2025؛ حيث زاد عدد السياح الروس الوافدين بنسبة 13 بالمئة، وتضاعفت أعداد السياح العُمانيين إلى روسيا، وقد جرى استئناف رحلات موسكو وصلالة في سبتمبر 2026 برحلتين أسبوعيًا ترتفع إلى خمس في نوفمبر المقبل، ضمن اتفاق يستهدف نحو 40 ألف سائح روسي إلى ظفار.
هذه القطاعات لن تتوسع من تلقاء نفسها؛ فتطويرها يحتاج بنية رقمية تعالج مشكلات محددة. في الحبوب والأغذية، يتسبب بطء تبادل الشهادات الجمركية والصحية والنباتية في إطالة زمن التخليص، ولذلك فإنَّ رقمنتها عبر منصة بيانات موحدة تقلص هذا الزمن. أما في اللوجستيات، تحتاج جدولة ميناء الدقم أدوات تنبؤ بالذكاء الاصطناعي لإدارة حركة السفن والمخزون، وهي تقنيات قريبة مما أشار إليه ريشيتنيكوف، حين تحدث عن قدرة روسيا على تقديم حلول ذكاء اصطناعي في التخطيط الحضري وإدارة المياه ومراقبة المناخ. وفي قطاع السياحة، تستطيع أدوات تحليل البيانات التنبؤ بالطلب الموسمي على خطوط: موسكو وصلالة وسوتشي؛ بما يساعد شركات الطيران والفنادق على وضع تسعير أدق. ويجري هذا ضمن برنامج وطني يستهدف مضاعفة مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي من 2 بالمئة عام 2021 إلى 10 بالمئة بحلول 2040، وهو ما يفتح مجالًا للتدريب ونقل المعرفة بدل استيراد أنظمة جاهزة. وكلما زاد حجم البيانات المتبادلة بين البنوك والموانئ وشركات الطيران، زادت الحاجة إلى تعاون في الأمن السيبراني وقواعد واضحة لحوكمة البيانات.
مقابل هذه الفرص تقف عقبات لا يكفي الخطاب السياسي لتجاوزها. أولها: المدفوعات والتي يمكن القول إنها أبرز مشكلة اليوم تواجهها روسيا الاتحادية؛ إذ إن حزم العقوبات الأوروبية المتعاقبة، ومنها حزمة يوليو 2026، فرضت قيودًا على أكثر من 20 بنكًا روسيًّا وعلى مؤسسات مالية في دول ثالثة، وهذا يجعل أي بنك عُماني يتعامل مع طرف روسي مُطالَبًا بفحص امتثال مُطوَّل قبل كل تحويل. ثانيها: النقل؛ حيث لا يوجد خط شحن بحري منتظم يربط الموانئ العُمانية بالروسية، بخلاف الربط الجوي المتقدم. ثالثها: حجم السوق العُمانية المحدود؛ ما يجعل قيمة عُمان الأكبر في موقعها كمعبر لا كسوق نهائية. ورابعها: منافسة مُورِّدي حبوب تقليديين ودول خليجية تستثمر أيضًا في الربط اللوجستي مع آسيا الوسطى. أما ملاءمة الحلول الرقمية الروسية فتحتاج اختبارًا مُسبقًا؛ لأن حوكمة البيانات في سلطنة عُمان تطوَّرت وفق مسار مختلف قد يُعقِّد أي نقل تقني يتجاهله.
الخطوة التي يمكن أن تنقل العلاقة من التفاهم السياسي إلى تعاون اقتصادي ملموس ليست إعلانًا جديدًا؛ بل تجربة محدودة قابلة للقياس بين الطرفين.
المقترح الأول: إنشاء ممر رقمي تجريبي لتبادل شهادات الحبوب بين ميناء صحار أو الدقم ومحطة تصدير روسية واحدة؛ بمشاركة وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار وشركة أسياد من الجانب العُماني، وغُرف تجارة روسية معنية بتصدير الحبوب من الجانب الآخر. والخطوة الأولى تتمثل في تشكيل فريق عمل مشترك يُحدِّد الوثائق المطلوبة ويختبر تبادلها إلكترونيًا خلال موسم شحن واحد، ومؤشر النجاح هنا يتمثل في خفض قابل للقياس في متوسط زمن التخليص الجمركي لشحنات القمح خلال 12 شهرًا.
المقترح الثاني: مشروع تجريبي لتحليل بيانات السياحة بمشاركة شركات الطيران العاملة على خطوط موسكو وصلالة وسوتشي، إلى جانب جهات الترويج السياحي في البلدين. الخطوة الأولى تتمثل في تبادل بيانات مجهولة المصدر عن أنماط الحجز قبل شتاء 2026-2027، ومؤشر نجاح ذلك هو اقتراب السياح الروس الوافدين إلى ظفار من المستهدف المُعلن.
هذان المقترحان خلاصة تحليلية قابلة للاختبار، لا اتفاقَ قائمًا بين الجانبين، إذا أُريد للزخم السياسي الحالي أن يتحوَّل إلى نتائج اقتصادية قابلة للقياس بدقةٍ.
***************
** باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، ومحلل سياسي وباحث في الشأن السياسي الروسي، حاصل على بكالوريوس العلوم السياسية من الجامعة الروسية لصداقة الشعوب، ودرجة الماجستير من الأكاديمية الرئاسية الروسية للاقتصاد الوطني والإدارة العامة. باحث دكتوراه في جامعة بليخانوف للاقتصاد، وعضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وخبير في مجلس الشؤون الدولية الروسي.
المصادر:
- وزارة الخارجية العُمانية، نمو العلاقات الاقتصادية بين سلطنة عُمان وروسيا، 28 أبريل 2026: https://www.fm.gov.om/ar/43726/
- أسياد، ميناء الدقم (بيانات الطاقة الاستيعابية): https://www.omaninfo.om/mainsections/131/show/74
- Tourism Daily News، الطيران يقود طفرة سياحية في عُمان وشراكة روسية تستهدف 40 ألف سائح إلى ظفار، 21 يوليو 2026: https://tourismdailynews.com/2026/07/21/
- وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي: https://prod.mtcit.gov.om/ITAPortal_AR/Pages/Page.aspx?NID=3162&PID=579841
- الجزيرة نت، الاتحاد الأوروبي يتفق على حزمة عقوبات اقتصادية جديدة ضد روسيا، 23 يوليو 2026: https://www.aljazeera.net/ebusiness/2026/7/23/eu-package-sanctions-russia
