علي عبدالحسين اللواتي
في لحظة تأمل عابرة، قد يسأل سائل: لماذا الملح مالح؟ والإجابة البديهية: لأنه لو لم يكن مالحًا، لكان شيئًا آخر غير الملح.
هذه البداهة تحمل في طياتها درسًا عميقًا يمكننا نقله إلى واقعنا الإسلامي المعاصر؛ فالمجتمع المسلم، بمذاهبه وتياراته الفكرية المتعددة، يُشبه في تركيبه ذلك الملح الذي لا يتغيَّر طعمه. كل مذهب نشأ في بيئته الخاصة، استجابة لأسئلة مرحلته، ومحاولة لفهم النص الديني وفق أدوات ومناهج مُعينة. وعندما نسأل أحد المنتمين إلى مذهب: لماذا تتبنى هذه الفكرة؟ سيكون جوابه الصادق: لأنني إن تركتها، تركت هوية مذهبي الذي أؤمن به.
هنا ندرك أن إعادة طرح الأسئلة المؤسِّسة للمذاهب، وكأنها واردة اليوم لأول مرة، ليس مجرد نقاش نظري، بل هو مفتاح لخصومة لا تنتهي، وتشتيت لا يخدم الأمة. فكل مذهب له أطروحاته ومبرراته التاريخية والعقدية، والمطلوب ليس إلغاء هذه الخصوصيات، بل تجاوز مرحلة "لماذا أنت كذلك؟" إلى مرحلة "كيف نتعايش معًا ونحن مختلفون؟".
وهنا نقف مع أنفسنا وقفة تأمل: هل هذا التفرق الذي نعيشه هو عقاب إلهي لنا، كما أخبر الله عن الأمم السابقة التي نقضت مواثيقها، فأغرى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة؟
أم أننا، ونحن نتمسك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، نعيش مفارقة عجيبة: كأننا اجتمعنا على ألا نتوافق!
بل إن بعضنا قد يجعل الولاء للمذهب أو الطائفة مقدّمًا على الولاء للإسلام الجامع، وكأنَّ الإجماع على المشترك أصبح أمرًا ثانويًا!
لكن بدلًا من أن نقف عند هذا السؤال متحسرين، ينبغي أن نتخذه دافعًا للتغيير. فإذا كنَّا قد وصلنا إلى هذا المستوى من التشرذم، فهذا يعني أن الحاجة إلى التقارب والتآلف أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. ولأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشّرنا بأنَّ أمته لا تجتمع على ضلالة، فهذا يعني أن بذور الخير ما زالت كامنة فينا، وأن العودة إلى الجوهر الجامع ممكنة إذا أردناها.
نعم، إن المشترك الأعظم الذي يجمع المسلمين جميعًا هو "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، وهو الأصل الذي منه انبثقت جميع المذاهب والاجتهادات. وهذا الأصل الجامع هو ما يجب أن نتمحور حوله، تمامًا كما تتمحور الكواكب حول الشمس. فمهما اختلفت التفاصيل الفقهية أو الآراء الكلامية، فإنَّ القلب النابض لهذه الأمة هو الإيمان بالله ورسوله، وحب النبي صلى الله عليه وسلم، والتعلق بقرآن واحد وقِبلة واحدة وشريعة واحدة.
وهنا نستحضر قوله تعالى: "وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ۖ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ" (الزمر: 45).
فالمؤمنون بالله واليوم الآخر إذا ذُكّروا بالله وحده، انشرحت صدورهم، واطمأنت قلوبهم، لأن الله هو ملاذهم الأعلى، وهو الجامع لكل خير. ونحن- بحمد الله- مؤمنون نؤمن بأن الله واحد، وأن دينه واحد، وأن نبيه واحد، فكيف لا تكون قبلتنا واحدة نحو التقارب والتآلف؟
إن تأليف القلوب ليس مجرد شعار عاطفي، بل هو مشروع رباني يقوم على لين الجانب، وتجاوز المصالح الآنية والمادية، والنظر إلى العلاقة بين المسلمين كعلاقة أخوة في الدنيا ورفقة في الآخرة التي لا نهاية لها. فالمسلم مع أخيه المسلم، مهما اختلف مذهبه، هو رفيق درب في هذه العمرة القصيرة، وشريك في مصير أبدي طويل بإذن الله تعالى.
وهنا نتطلع إلى تلك اللحظة التي وعدنا بها ربنا في كتابه الكريم، حين قال: "وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ" (الحَجْر: 47).
إنها صورة الآخرة التي يجتمع فيها المؤمنون إخوانًا متحابين، لا غلَّ في صدورهم، لا شحناء، ولا تباغض، ولا تعصب مذهبي، بل قلوب صافية، وجوه متقابلة بالبشر والحب. أليست هذه هي الصورة التي نتمناها لأمتنا في دنياها قبل آخرتها؟ أليس من الجميل أن نبدأ اليوم في نزع الغلّ من قلوبنا، ونتدرب على تلك الأخوة التي سنعيشها في الجنة؟
إن الله سبحانه وتعالى لم يخلقنا شعوبًا وقبائل لنتخاصم، بل "لِتَعَارَفُوا" (الحُجُرات: 13)، ولم يؤلف بين قلوب المؤمنين بالمصالح الزائلة، بل بحبِّه وحبِّ نبيه صلى الله عليه وسلم، كما قال: "وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ" (الأنفال: 63).
هذا التأليف الإلهي هو أساس العلاقة بين المسلمين، وهو الذي يجعل من التنوع المذهبي ثراءً لا تهديمًا، وقوة لا ضعفًا.
في مولد النبي صلى الله عليه وسلم، نستذكر أنه جاء ليتمم مكارم الأخلاق، وكان خلقه القرآن.
فلنترك الأسئلة التي تُولِّد الفُرقة، ولنركز على ما يوحد القلوب: حب النبي صلى الله عليه وسلم، وتلاوة كتاب الله، والإيمان باليوم الآخر، والسعي إلى ما ينفع الأمة.
فليكن هذا المولد النبوي المبارك موعدًا لتجديد العهد على التقارب والتآلف، وعلى أن ننظر إلى بعضنا بعين الأخوة لا بعين الخصومة، وأن نتذكر أننا في النهاية إخوة في الله، وأن لقاءنا في الآخرة أطول من افتراقنا في الدنيا، فما أجمل أن نلتقي هناك وقد نُزع الغلّ من صدورنا، وتطهّرت قلوبنا، وتقابلنا على سررٍ متقابلين، إخوانًا متحابين برحمة الله.
