لا تستفزوا المواطن!

 

مدرين المكتومية

لا يختلف اثنان على أهمية الأرقام والمؤشرات في حياتنا، لا سيما فيما يتعلق بجوانب التخطيط الاقتصادي والاجتماعي، ودراسة الحاجات والمتطلبات التي تفرضها كل مرحلة، لكن في الوقت نفسه لا ينبغي أن يتحول "الشغف" بالأرقام والحرص على "ترقيم" كل ما حولنا ووضع في "مؤشر"، إلى ممارسات تستفز الناس، أو أن تسفر هذه الأرقام عن نتائج لا تتماشى مع الواقع أبدًا، فكل إحصائية افتراضية قائمة على القياس والاستنتاج، يجب النظر فيها وفق رؤية أعمق.

وقبل يومين نشر المركز الوطني للإحصاء والمعلومات نتائج "مسح دخل وإنفاق الأسرة بالذكاء الاصطناعي"، والذي توصَّل إلى نتائج تتعارض مع الواقع الذي نعيشه، ويعلمه كل مواطن يحيا على هذه الأرض الطيبة؛ فأن يقول المسح إنَّ متوسط دخل الأسرة العُمانية يبلغ 1839 ريالًا وأن متوسط الإنفاق يصل إلى 1200 ريال تقريبًا، فإنه يُجافي الواقع، ويُحلِّق بعيدًا عن الحقيقة التي تعيشها معظم الأُسر.

مجتمعنا اليوم ينقسم إلى 3 طبقات اجتماعية متفاوتة؛ الأولى: الطبقة العُليا وتضم رجال الأعمال وكبار الموظفين في القطاعين العام والخاص وهي طبقة محدودة تتمركز في مسقط وبعض المدن الكبرى، والطبقة المتوسطة وتضُم قطاعًا من المواطنين، وهي آخذة في التآكل بصورة متسارعة، وأخيرًا طبقة محدودي الدخل، والتي تحتضن عددًا كبيرًا من المواطنين. والحقيقة أنني أعتقدُ- مثل كثير من المواطنين- أن طبقة محدودي الدخل تُمثِّل السواد الأعظم من العُمانيين، خاصةً في ظل ارتفاع معدلات الباحثين عن عمل وقضايا المُسرَّحين من أعمالهم، إلى جانب تراجع الحد الأدنى للأجور إلى 325 ريالًا، أضف إلى ذلك ضغوط التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة على الأسر.

والحديث عن "متوسط" مصطلحٌ يشوبه الغموض، فعلى أي أساس احتُسِبَ هذا المتوسط، وهل يعني هذا المتوسط أنه وَضَع في سلة واحدة أصحاب الدخول المرتفعة مع غيرهم من الدخول المتوسطة والمحدودة والدنيا؟ المؤكد أن هذا المتوسط كان لا بُد له من تصنيف واضح وصريح، ويُقسَّم إلى 3 متوسطات؛ هي: متوسط الأسرة ذات الدخل المرتفع، ومتوسط الأسرة المتوسطة الدخل، ومتوسط الأسرة ذات الدخل المحدود. ويا حبذا لو كان هناك متوسط للأسر التي قد لا تجد ما تسد به الرمق كل يوم؛ إذ لا يخالطني شكٌ أن هناك من يبيت ليلته دون طعام، في ظل التحديات التي ترزح تحت وطأتها الغالبية من المجتمع.

وما سبق يدفعُني للتساؤل: كيف يمكن زيادة متوسطات الدخول "الحقيقية" والتي يعلمها القاصي والداني، وليست تلك التي أعدها الذكاء الاصطناعي لنا؟ ما الآليات التي يجب على الحكومة اتخاذها لرفع الحد للأجور الذي لم يتغير منذ سنوات؟ ما الإجراءات المطلوبة لكي ننتشل الفقراء مما هم فيه من عوز وحاجة وفاقة؟

الإجابة لدى الحكومة، والوزارات المعنية؛ فهي الأجدر على تصحيح الأوضاع المعيشية، من خلال حزمة إجراءات نأمل سرعة تنفيذها؛ ومنها: تعزيز نمو القطاع الخاص، من خلال التوقف عن إصدار قرارات غير مدروسة ولا تحافظ على سلامة بيئة الأعمال، دون التفكير في عواقبها ونتائجها. وأن تعمل الوزارات المعنية على إلغاء أي قرار يمثل عبئًا على القطاع الخاص، ويحِد من قدرته على التوسُّع وزيادة رواتب العاملين فيه. فمثلًا مسألة الرسوم المرتفعة، ينبغي إعادة النظر فيها، وخفضها لأدنى مستوى ممكن؛ بل وإلغاء الكثير منها، فليس دور الجهات الخدمية الحكومية أن تجني عوائد أو أن تُحقق أرباحًا، ولا أن يكون نظام "إجادة" سببًا في منافسة غير منطقية وغير مقبولة بين مؤسسات حكومية والقطاع الخاص؛ فالعلاقة يجب أن تكون الشراكة لا التنافس، التعاون لا الإقصاء، التسهيل لا التعقيد. وشركات القطاع الخاص في نهاية المطاف تدفع الضرائب المفروضة عليها؛ سواء ضريبة الدخل أو القيمة المضافة.

أيضًا نأمل من البنك المركزي العُماني إطلاق برنامج تمويلي للقطاع الخاص، يُلزم البنوك التجارية بتقديم تمويلات مُيسَّرة تدعم الشركات على توسيع أنشطتها، بالتوازي مع برنامج آخر للإسكان التمويلي مُنخفض التكلفة، لتنشيط القطاع العقاري، والذي يُمثِّل أحد أهم القطاعات القيادية في الاقتصادات.

وبفضل ارتفاع أسعار النفط، وتحقيق وفورات مالية، نأمل بشدة من الحكومة أن تتوسع في الإنفاق على القطاع الخاص، من خلال زيادة إسناد الأعمال والمشروعات، وتقليص حجم مساهمة الشركات الحكومية في المشروعات؛ فالأولى أن يتولى القطاع الخاص تنفيذ المشروعات، أما الشركات الحكومية فإن مهمتها تتمحور حول تعزيز استثمارات الثروة السيادية التي يُديرها باقتدار جهاز الاستثمار العُماني.

إنَّ بيئة العمل المليئة بالإجراءات والقرارات والتعاميم والاشتراطات والتعقيدات الإدارية اللانهائية، تسبَّبت في خنق القطاع الخاص، إذا جاز التعبير، فلقد بات القطاع مُثقلًا بالأعباء المالية والإدارية، ولا يكاد يتجاوز قرار حكومي مُقيِّد حتى يتفاجأ بقرار آخر. وهنا أودُ أن أتساءل: لماذا لا يتم الإعلان رسميًا عن أي قرار أو تعميم؟ لماذا يتفاجأ المستثمر ورائد العمل بتبعات القرار أو التعميم دون سابق إنذار؟ لقد تسببت مثل هذه السياسات السلبية في نفور رواد الأعمال بعدما كُنّا نأمل أن يزيد عددهم وأن يُمثلوا القاطرة التي تقود نمو الاقتصاد.

ولا يجب أن يظن البعض أن حديثنا هنا معارضة لمساعي تنظيم السوق، وإنما لا نتفق مطلقًا مع أي قرار غير مدروس العواقب والتبعات، لا سيما التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية، والأهم من ذلك تأثيراته على معنويات المواطن ونفسيته؛ حيث بات المواطن يعتقد أن ثمة قرار أو تعميم إداري سيصدر في أي وقت ليزيد من الأعباء ويفرض عليه المزيد من القيود والتعقيدات.

كل هذه القضايا تتقاطع مع بعضها البعض؛ متوسط الدخل مع أعباء القطاع الخاص والتعقيدات الإدارية التي تُنفِّر أصحاب الأعمال وارتفاع الرسوم المفروضة على الخدمات، وغيرها الكثير.

إنَّنا في أمسِّ الحاجة إلى تصحيح المسار، بما يقودنا إلى "عُمان 2040"، وإنني لأتذكر أن في مرحلة الإعداد لرؤية "عُمان 2040" كان الجميع يقترح ويدلو بدلوه تحت شعار "عُمان التي نريد"، فهل وصلنا اليوم إلى ما نريد؟ وهل وصلت الحكومة إلى ما تريد من القطاع الخاص ومن تنمية المجتمع وتعزيز معايش الناس؟!

كما إنَّنا بحاجة إلى إجراءات ذكية تدعم نمو القطاع الخاص دون أن تكون مقصلة، نحتاج إلى قرارات جريئة تُشجِّع على الاستثمار لا أن تضع ألف شرطٍ وشرط، نريد زيادة حقيقية في دخل المواطن لا أن نتحدث عن أرقام أنتجها الذكاء الاصطناعي.

الواقع يؤكد أن الحكومة تسعى لبناء اقتصاد أكثر تنافسية واستدامة، والقطاع الخاص يريد بيئة مستقرة ومحفزة وداعمة، والمجتمع يريد وظائف ودخولًا أفضل، وهذه أهداف لا تتعارض مع بعضها، وإذا ما تمكنَّا من صياغة سياسات تحقق التوازن بين الرقابة والتحفيز، وبين حماية السوق وعدم إثقاله، وبين حقوق العامل واستدامة المؤسسة، فلا شك أننا سنصل إلى "عُمان التي نريد"، عُمان النمو، عُمان الازدهار، عُمان النماء.

وأخيرًا: هل سنقرأ في الأخبار غدًا أن الجهات المعنية تراجعت عن قرارات ثبُت عدم صحتها؛ بل تأكد إضرارها بالاقتصاد؟!

الأكثر قراءة

z