حمولات ثقيلة.. وخطر يترصد الطريق

 

 

 

 

عباس المسكري

 

أصبحت مشاهد الشاحنات المحمّلة بلفائف الحديد الكبيرة والأنابيب الضخمة وسائر الحمولات الثقيلة مألوفة على طرقنا، غير أن حجم هذه الحمولات وثقلها يجعلان التعامل معها أمرًا يتطلب أعلى درجات العناية والاهتمام بالسلامة؛ إذ إنَّ طبيعة هذه الحمولات تستدعي التأكد من سلامة وضعها وربطها وتثبيتها قبل تحرك الشاحنة، لا سيما أن ظروف الطريق قد تتغير بصورة مفاجئة أثناء الحركة، ومن هنا، فإن سلامة الحمولة ينبغي أن تكون جزءًا أصيلًا من منظومة السلامة، وأن تبدأ من موقع التحميل وتمتد مع الشاحنة طوال رحلتها على الطريق.

وما زالتْ الذاكرة تحتفظ بفاجعة سمائل؛ ذلك الحادث الأليم الذي راح ضحيته 6 أشخاص وأصيب فيه آخرون، في واقعة تدحرجت فيها حمولة من الحديد على الطريق، فتحولت إلى مأساة لا تُنسى، كما شهدت الطرق بين حين وآخر حوادث ومواقف تذكّرنا جميعًا بأهمية التعامل بأقصى درجات الحيطة مع الحمولات الثقيلة ، ولسنا هنا بصدد الوقوف عند تفاصيل حادث بعينه أو تحديد أسباب ومسؤوليات، وإنما نستحضر هذه الوقائع من زاوية واحدة هي زاوية الوقاية، ونسأل: كيف يمكن أن نعزز إجراءات السلامة قبل أن تتحرك الشاحنة، بما يسهم في حماية السائقين ومستخدمي الطريق ويعزز سلامة الجميع؟

إن تعزيز السلامة في هذا الجانب مسؤولية متكاملة تتضافر فيها أدوار عدة، تبدأ من الشركة التي تقوم بتحميل الشحنة، مرورًا بمسؤول الأمن والسلامة والمسؤول عن الشاحنة وسائقها، وتتكامل مع الدور الرقابي للجهات المختصة على الطريق ، وفي هذا السياق، فإن ما تقوم به شرطة عُمان السلطانية من جهود مشهودة في تنظيم الحركة المرورية، ومتابعة الطرق، وتعزيز السلامة والتعامل مع مختلف الظروف المرورية، يمثل ركيزة مهمة في منظومة السلامة على الطرق، وهو دور يستحق كل التقدير والإشادة، وإلى جانب هذا الدور الرقابي، تبرز أهمية تعزيز الإجراءات الوقائية داخل الشركات التي تتعامل مع الحمولات الثقيلة، من خلال وجود ضابط للأمن والسلامة يتولى فحص الحمولة قبل تحرك الشاحنة، والتأكد من سلامة وضعها، وطريقة ربطها وتثبيتها، وإحكام الحبال والسلاسل المستخدمة، ومدى ملاءمتها لطبيعة الحمولة ووزنها.

ولا يقل تأهيل سائق الشاحنة أهمية عن سلامة الحمولة نفسها؛ فقيادة الشاحنات الثقيلة ليست مجرد امتلاك رخصة قيادة أو القدرة على التحكم بالمركبة، وإنما مسؤولية تتطلب معرفة بطبيعة الحمولات التي تنقلها الشاحنة، وكيفية التعامل معها، ومتطلبات تثبيتها، وما ينبغي مراعاته أثناء القيادة ، ولذلك من المهم أن تحرص الشركات التي توظف سائقي الشاحنات الثقيلة على إخضاعهم لدورات متخصصة في الأمن والسلامة قبل مباشرة العمل، تتناول أساليب التعامل مع الحمولات الثقيلة، ومبادئ تأمينها، وكيفية ملاحظة أي تغير في وضعها، والإجراءات الواجب إتباعها عند حدوث أمر طارئ. فالسائق المؤهل في هذا الجانب لا يكون مجرد قائد للمركبة، بل شريكًا أساسيًا في منظومة السلامة منذ لحظة التحميل وحتى نهاية الرحلة.

ولتعزيز هذا النهج، يمكن اعتماد إجراء واضح وموثق، بحيث يمنح ضابط الأمن والسلامة، بعد إتمام الفحص، شهادة أو ورقة اعتماد تُسلّم للسائق، تفيد بأن الحمولة قد خضعت للفحص، وأن ربطها وتثبيتها قد تم بصورة سليمة، وأنها جاهزة للتحرك وفق متطلبات السلامة، ويمكن أن تكون هذه الخطوة جزءًا من منظومة وقائية متكاملة، تمنح عملية فحص الحمولة أهمية عملية واضحة، وتتيح معالجة أي ملاحظة تتعلق بوضعها أو طريقة تثبيتها قبل مغادرة الشاحنة موقعها، وبهذا تتكامل الأدوار بصورة إيجابية: الشركة تعزز إجراءات السلامة وتؤهل العاملين، وضابط الأمن والسلامة يتحقق من الحمولة وتثبيتها، والسائق يقود وهو مدرك لمسؤوليته تجاه سلامة المركبة وحمولتها، فيما تواصل الجهات المختصة، وفي مقدمتها شرطة عُمان السلطانية، دورها الرقابي والتوعوي والمروري على الطريق.

ولا تكتمل هذه المنظومة بمجرد وجود ضابط أو إصدار ورقة اعتماد، وإنما تحتاج إلى ثقافة سلامة راسخة داخل الشركات، تبدأ بتأهيل العاملين على أساليب تحميل الحمولات الثقيلة وربطها وتثبيتها، واختيار الوسائل المناسبة لذلك، ومراجعة إجراءات السلامة بصورة مستمرة ، فالقيمة الحقيقية لأي إجراء لا تكمن في الورقة التي تثبته، وإنما في الممارسة التي تقف خلفها؛ وحين تصبح سلامة الحمولة جزءًا ثابتًا من العمل اليومي، يصبح الفحص خطوة أساسية تسبق كل رحلة، ويصبح اعتمادها تعبيرًا عن مسؤولية مهنية حقيقية، لا مجرد إجراء إداري.

إن سلامة مستخدمي الطريق مسؤولية مشتركة، وكل خطوة إضافية في طريق الوقاية هي خطوة نحو مزيد من الأمان، وقد تبدو ورقة اعتماد الحمولة إجراءً بسيطًا، لكنها تحمل معنى مهمًا يتمثل في أن هناك فحصًا جرى قبل التحرك، وأن سلامة الربط والتثبيت حظيت بالعناية اللازمة، وعندما تتكامل جهود الشركات والمسؤولين عن الحمولات والسائقين مع الجهود الرقابية التي تبذلها شرطة عُمان السلطانية والجهات المختصة، تصبح منظومة السلامة أكثر قوة وقدرة على الوقاية.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق أن يرافق كل شاحنة تحمل حمولة ثقيلة قبل انطلاقها: هل فُحصت الحمولة؟ وهل رُبطت وثُبّتت كما ينبغي؟ فكل اهتمام بالسلامة قبل الطريق هو حماية لحياة قد لا نعرفها، لكنها تعني لنا الكثير.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z