جذور عُمانية في رواندا وشراكة تتطلع إلى المستقبل

 

 

 

حمود بن علي الطوقي

 

تحمل الزيارة الرسمية التي يقوم بها فخامة الرئيس بول كاجامي، رئيس جمهورية رواندا، إلى سلطنة عُمان يومي السابع والثامن من سبتمبر الجاري، دلالات سياسية واقتصادية وتاريخية مُهمة؛ فهي أول زيارة لرئيس رواندي إلى سلطنة عُمان، وتمثل انتقالًا واضحًا في علاقات البلدين من مستوى التواصل الدبلوماسي والتعاون القطاعي إلى مستوى شراكة أوسع تحظى بدعم قيادتي البلدين الصديقين.

ويأتي استقبال حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- لفخامة الرئيس بول كاجامي، تأكيدًا لنهج سلطنة عُمان القائم على توسيع علاقاتها الدولية، والانفتاح على الدول الأفريقية الصاعدة، وبناء شراكات تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة وخدمة أهداف التنمية المستدامة.

وعلى الرغم من أنَّ العلاقات الدبلوماسية الحديثة بين سلطنة عُمان وجمهورية رواندا تعود إلى عدة عقود، فإن جذورها الإنسانية والتجارية أقدم من ذلك بكثير؛ فقد كان للعُمانيين حضور تاريخي واسع في شرق أفريقيا، ولم يقتصر هذا الحضور على زنجبار وممباسا والسواحل المطلة على المحيط الهندي، بل امتد إلى عمق القارة وصولًا إلى منطقة البحيرات العظمى، التي تضم رواندا وبوروندي وأوغندا وتنزانيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

وكان التجار العُمانيون من أوائل الذين شقوا الطرق التجارية من الساحل الشرقي لأفريقيا إلى المناطق الداخلية، وأسهموا في إنشاء مراكز للتبادل التجاري وربط المجتمعات الأفريقية بشبكات التجارة في المحيط الهندي والخليج العربي. وتشير المصادر التاريخية إلى أن تجارًا عُمانيين أسسوا مراكز تجارية في رواندا منذ مطلع القرن العشرين، وهو ما يجعل العلاقات بين الشعبين أقدم بكثير من عمر التمثيل الدبلوماسي الرسمي.

ولم يكن الوجود العُماني في دول البحيرات العظمى وجودًا تجاريًا عابرًا، بل ترك آثارًا اجتماعية وثقافية وحضارية واضحة، من خلال الاستقرار والمصاهرة والتعايش والتبادل الثقافي واللغوي. كما أسهم العُمانيون في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية، وأقاموا علاقات وثيقة مع سكان المنطقة استمرت عبر أجيال متعاقبة.

وفي عام 2024، أتيحت لي فرصة الاقتراب من هذا التاريخ حين قمتُ- برفقة إخوتي وعدد من أبناء عمومتي- برحلة إلى جمهوريتيْ رواندا وبوروندي. وخلال تلك الرحلة وقفنا عن قرب على الأماكن التي عاش فيها العُمانيون، وتتبعنا شيئًا من آثار حضورهم وتاريخهم في منطقة البحيرات العظمى، فوجدنا أنَّ ذلك الوجود لم يكن مجرد صفحات محفوظة في الكتب والوثائق، بل إرثًا حيًا ما زالت شواهده ماثلة حتى اليوم.

وقد التقيتُ خلال الزيارة مجموعة من العُمانيين المقيمين هناك، وتعرفت على أنشطتهم التجارية ومشروعاتهم وإسهاماتهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وكان لافتًا أن العُماني في رواندا ما زال شامخًا بهويته، مُعتزًا بسمته العُماني، ومحافظًا على إرث الآباء والأجداد وقيمهم الأصيلة في التعامل والتعايش والعمل.

كما أن القبائل والعائلات ذات الأصول العُمانية ما زالت تحظى بمكانة وتقدير داخل المجتمع، بفضل ما قدمه أسلافها من إسهامات في تنمية التجارة وبناء جسور التواصل وتعزيز العلاقات بين العُمانيين وشعوب تلك المنطقة. وقد جعلتني تلك الرحلة أدرك أن العلاقات العُمانية مع رواندا وبوروندي ليست مجرد علاقات دبلوماسية حديثة؛ بل امتداد لقصة إنسانية وحضارية عميقة نسجها العُمانيون عبر أجيال طويلة.

ومن هنا، فإنَّ زيارة الرئيس بول كاجامي إلى مسقط لا تبدأ من صفحة بيضاء؛ بل تستند إلى رصيد تاريخي وإنساني عميق يمكن استثماره في صياغة علاقات عصرية أكثر اتساعًا؛ إذ إن رواندا اليوم تقدم نموذجًا أفريقيًا لافتًا في قدرتها على تجاوز آثار مرحلة تاريخية قاسية وبناء دولة مستقرة تولي اهتمامًا كبيرًا للتقنية والاقتصاد الرقمي والسياحة والخدمات وجذب الاستثمارات.

أما سلطنة عُمان، بما تمتلكه من موقع استراتيجي وموانئ ومناطق اقتصادية وحرة، وخبرات متقدمة في النقل والخدمات اللوجستية والطيران والطاقة، فإنها تستطيع أن تكون بوابة مهمة للمنتجات الرواندية إلى أسواق الخليج والشرق الأوسط وآسيا. وفي المقابل، تمثل رواندا، بموقعها في قلب القارة وعضويتها في مجموعة شرق أفريقيا، مدخلًا واعدًا أمام الشركات والاستثمارات العُمانية للوصول إلى أسواق منطقة البحيرات العظمى.

وقد بدأت ملامح هذا التوجه تتشكل قبل زيارة الرئيس كاجامي؛ ففي يناير 2026 زار وزير الخارجية والتعاون الدولي الرواندي سلطنة عُمان على رأس وفد ضم عددًا من الوزراء والمسؤولين، وشهدت الزيارة توقيع برامج ومذكرات تعاون في مجالات تطوير المطارات والموانئ الجافة والخدمات اللوجستية ومراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. كما انطلقت في الحادي والعشرين من يوليو 2026 الرحلات الجوية المباشرة بين مسقط وكيجالي، بواقع رحلتين أسبوعيًا، لتختصر المسافة بين البلدين وتفتح المجال أمام حركة السياحة والتجارة والاستثمار.

وهذه الرحلات لا ينبغي النظر إليها على أنها مجرد خط جوي جديد، بل جسر اقتصادي وإنساني يعيد وصل مسقط بشرق أفريقيا وعمقها القاري. ويمكن لهذا الخط أن يخدم رجال الأعمال والسياح والطلبة، وأن يدعم حركة الشحن الجوي للمنتجات الزراعية الرواندية، ولا سيما القهوة والشاي والخضراوات والمنتجات الغذائية، مقابل وصول المنتجات والصناعات العُمانية إلى السوق الرواندية والأسواق المجاورة.

كما تبرز أمام البلدين فرص واسعة للتعاون في الأمن الغذائي والزراعة الحديثة والطاقة المتجددة والتعدين والسياحة وإدارة المطارات والموانئ الجافة والخدمات الصحية والتعليم والتدريب والتقنيات الرقمية. وقد أظهرت مشاركة أكثر من 80 شركة عُمانية في معرض المنتجات العُمانية الذي أقيم في كيجالي عام 2020 وجود اهتمام مبكر لدى القطاع الخاص العُماني بالسوق الرواندية، إلا أنَّ المرحلة المقبلة تتطلب تحويل هذا الاهتمام إلى استثمارات وشراكات مستدامة.

 

وعلى الصعيد الاقتصادي، لا تزال المبادلات التجارية والاستثمارية بين سلطنة عُمان ورواندا دون مستوى الطموح، مقارنة بما يمتلكه البلدان من إمكانات وفرص واعدة. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تحركًا أكثر فاعلية من جهاز الاستثمار العُماني، بالتعاون مع القطاع الخاص والجهات المعنية، لدراسة الفرص الاستثمارية في رواندا، ولا سيما في قطاعات الأمن الغذائي والزراعة والتعدين والطاقة المتجددة والسياحة والتقنية والخدمات اللوجستية. فرواندا لا تمثل سوقًا محلية فحسب، بل بوابة استراتيجية إلى أسواق شرق أفريقيا ودول البحيرات العظمى.

كما تبدو البيئة الاستثمارية في رواندا مهيأة لاستقبال مزيد من الاستثمارات العُمانية، خصوصًا في ظل وجود عُمانيين يمتلكون حاليًا تجارب واستثمارات ناجحة في مجالات التجارة والسياحة والخدمات اللوجستية وغيرها من الأنشطة الاقتصادية. ويشكل هذا الحضور قاعدة مهمة يمكن البناء عليها، والاستفادة من خبرات المستثمرين العُمانيين ومعرفتهم بالسوق الرواندية وتشريعاتها واحتياجاتها، لتشجيع شركات عُمانية أخرى على الدخول في مشروعات وشراكات جديدة، بما يعزز المصالح المشتركة ويرفع حجم التبادل التجاري والاستثماري بين البلدين.

ومن المهم كذلك أن يحظى المستثمرون العُمانيون الموجودون في رواندا بالاهتمام، وأن تتم الاستفادة من تجاربهم بوصفهم جسورًا حقيقية بين البلدين، فهم أقدر على التعريف بالفرص والتحديات وطبيعة السوق المحلية. كما يمكن دعوتهم للمشاركة في اللقاءات والمنتديات الاقتصادية المشتركة، إلى جانب تأسيس منصة تجمع رجال الأعمال والمستثمرين من الجانبين، وتساعد على تحويل الفرص المتاحة إلى مشروعات قابلة للتنفيذ.

إنَّ زيارة الرئيس بول كاجامي تمثل فرصة لإعادة اكتشاف العمق الأفريقي لسلطنة عُمان، ليس من باب استحضار التاريخ وحده، وإنما من أجل تحويل ذلك التاريخ إلى قوة ناعمة وشراكة اقتصادية وثقافية تخدم الحاضر والمستقبل؛ فالعُمانيون الذين وصلوا قديمًا إلى دول البحيرات العظمى حملوا معهم روح المبادرة والانفتاح والتعايش، واليوم تستطيع الشركات والمؤسسات العُمانية أن تعود إلى هذه المنطقة بالأدوات الحديثة نفسها: التجارة والاستثمار والمعرفة وبناء الثقة.

والمأمول أن تؤسس هذه الزيارة لمرحلة جديدة من العلاقات، تشمل إنشاء مجلس أعمال عُماني رواندي، وتشجيع الاستثمارات المشتركة، وتنظيم المعارض والبعثات التجارية، وتبادل الخبرات والزيارات، إلى جانب الاهتمام بتوثيق الوجود العُماني في رواندا ودول البحيرات العظمى، باعتباره جزءًا مهمًا من الذاكرة الوطنية العُمانية ومن تاريخ التواصل الحضاري بين عُمان وأفريقيا.

ونحن إذ نرحب بفخامة الرئيس بول كاجامي في سلطنة عُمان، فإننا ندعو البلدين الصديقين إلى البناء على هذه العلاقات الممتدة عبر سنوات طويلة، من خلال رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي وافتتاح سفارتين مقيمتين في مسقط وكيجالي؛ فوجود سفارتين للبلدين من شأنه أن يمنح العلاقات زخمًا أكبر، ويسهّل حركة المستثمرين ورجال الأعمال والسياح، ويرعى مصالح المواطنين، ويُعزز التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي.

وافتتاح سفارة لسلطنة عُمان في كيجالي، وأخرى لجمهورية رواندا في مسقط، سيعيد توجيه البوصلة نحو الاستفادة المثلى من المناخ الاقتصادي الواعد والإرث الحضاري والثقافي المشترك، وسيرسم طريقًا جديدًا للعلاقات بين البلدين، ينطلق من جذور الماضي الراسخة نحو آفاق المستقبل الرحبة. فالروابط التاريخية تحتاج اليوم إلى حضور دبلوماسي دائم يحفظ إرثها، ويترجم إمكاناتها إلى شراكات حقيقية تعود بالخير والنفع على الشعبين الصديقين.

الأكثر قراءة

z