سعيد المالكي
أغلق بعضهم مؤسسته. وخرج آخر من السوق بعدما استنزف ما لديه. وتوقف ثالث عندما اكتشف أن الإيجار والرواتب والرسوم والالتزامات تأكل ما يجنيه قبل أن يصل إليه. أما البقية، فما زالوا يقاومون. يفتحون محلاتهم ومكاتبهم كل صباح، ويحسبون المصروف قبل الإيراد، ويحاولون فقط أن يصل المشروع إلى الشهر التالي؛ إذ يبدو أنهم لم يستسلموا بعد!
لذلك، ربما كانت هناك حاجة إلى جرعة إضافية من الضغط. هذه المرة، من خلال ربط الرقم المدني للمواطن بالسجلات التجارية التي يظهر فيها، سواء كان مالكًا أو شريكًا أو مديرًا أو مفوضًا بالتوقيع، بحيث يمكن أن يؤدي وجود التزام على أحد السجلات إلى التأثير في معاملاته المرتبطة بسجلات أخرى.
بمعنى أبسط: سجل واحد يتعثر، فتدخل بقية السجلات معه غرفة العقاب. لا يهم أن تكون الشركات مختلفة. ولا أن تكون أنشطتها وحساباتها وشركاؤها وإداراتها مختلفة. ولا أن يكون السجل الآخر ملتزمًا بكل ما عليه. ولا حتى أن يكون الشخص في إحدى الشركات مجرد شريك محدود الصلاحية، أو موظفًا مديرًا، أو مفوضًا بالتوقيع لا يملك قرارها المالي. المهم أن الرقم المدني موجود. وبذلك قد اكتملت أركان القضية!
ما ذنب سجل ملتزم في التزامات سجل آخر؟
إذا كان لدى شخص ثلاث مؤسسات، تعثرت إحداها بينما تعمل الأخريان بصورة طبيعية وتفيان بالتزاماتهما، فما المنطق في تعطيل معاملاتهما أيضًا؟ وإذا كان الشخص مجرد مفوض بالتوقيع في شركة لا يملكها أصلًا، فما علاقته بالتزام مالي قد لا يملك حتى قرار سداده؟
الأمر لم يعد مجرد افتراض؛ فقد أشار أحد مسؤولي غرفة تجارة وصناعة عُمان، في حديثه عن القرار، إلى أثره على المفوضين بالتوقيع، وإلى مطالبات وصلت إلى الغرفة من متضررين، ومن بينهم أصحاب مكاتب سند. أي إن المشكلة بدأت تظهر عمليًا، لا على الورق فقط.
أنا لا أعترض على الربط الإلكتروني.
بل أؤيده إذا كان الهدف كشف السجلات الوهمية، ومنع التحايل، ومعرفة العلاقات بين الشركات، ومحاسبة من يتعمد الهروب من التزاماته. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين كشف العلاقة ونقل العقوبة. فالأول رقابة. أما الثاني فهو عقوبة جماعية إلكترونية.
فالمفوض ليس بالضرورة مالكًا، والمالك ليس بالضرورة متهربًا. والشريك ليس بالضرورة مديرًا. والشريك الصغير ليس بالضرورة صاحب القرار. والشركة المتعثرة ليست الشركة الناجحة.
لكن يبدو أن كل هذه التفاصيل أصبحت مرهقة. ويبدو أن العدالة هنا لا تحتاج إلى تفاصيل كثيرة.
يكفي أن تتعرف المنصة على الرقم. هل الرقم المدني موجود؟ نعم؟ إذن أحكم الإغلاق.
ولأنني لا أعرف كل الدراسات والاجتماعات التي سبقت القرار، فسأفترض أن فلسفته ببساطة هي: الرقم المدني واحد، إذن المسؤولية واحدة.
وبناء على هذه الفلسفة، لدي بعض المقترحات التي قد تساعد على استكمال المشروع:
- لماذا لا نربط أبناء الشخص بالتزامات أبيهم؟ فالأب واحد. وإذا عجز عن السداد، يمكن تعليق بعض خدمات الأبناء حتى نضمن أن مفهوم المسؤولية الجماعية قد طُبِّق على الوجه الأكمل.
- ويمكن كذلك ربط السجلات التجارية بالنظام الصحي. يدخل صاحب المؤسسة المستشفى، ويظهر التزام على أحد سجلاته، فتظهر رسالة لطيفة: "عذرًا، لا يمكن المتابعة بالطلب، صاحب الرقم المدني............ فلان الفلاني مفوض في سجل المنشأة................ وهي موقوفة بسبب: تم إنشاء التزام." فالرقم المدني واحد.
- ولماذا نستثني الكهرباء والماء؟ إذا ظهر التزام، تُقطع الخدمتان. وإذا دفع نصف المبلغ، يمكن مراعاةً للجانب الإنساني إعادة الماء فقط. أما الكهرباء فتنتظر.
- ولا ينبغي أن ننسى شبكة الإنترنت؛ لأنها أصبحت مسألة خطيرة. فصاحب المؤسسة قد يستخدمها في التسويق، والوصول إلى زبائن جدد، وزيادة دخله، وربما لا سمح الله- يستطيع من خلال ذلك أن يسدد ما عليه! وقد تفسد خطة التضييق كلها. لذلك ينبغي إغلاق هذا الباب أيضًا.
وإذا بقي بعد ذلك قادرًا على العمل، فربما لا تزال هناك خدمة لم تُربط بعد. وربما تتطور التقنية بما يكفي، وعندها:
- اربطوه بالهواء أيضًا! فهو تقريبًا الشيء الوحيد الذي لا يزال يصل إلى المواطن دون منصة، أو موافقة مسبقة، أو رسالة تفيد بوجود التزام. وبذلك يكتمل الحصار.
هذه سخرية بالطبع، لكنها تكشف مفارقة حقيقية: لأنَّ الأصل في التنظيم أن يجعل الالتزام ممكنًا، لا أن يجعل العجز عن الالتزام أكثر احتمالًا.
فلا يمكن مساعدة صاحب المؤسسة الذي يعاني نقصًا في السيولة على السداد بإيقاف مصدر دخله.
ولا يتم إنقاذ الشركة المتعثرة بتعطيل شركة أخرى ناجحة. ومن ترغب في دفعه إلى الوفاء بالتزاماته، لا تحرمه من الأدوات التي تمكنه أصلًا من العمل والربح والسداد.
أرى فيما يحدث أنَّ المعادلة أصبحت كالتالي:
- تعثرت؟ نوقف أعمالك.
- لم تستطع السداد؟ نوقف أعمالًا أخرى.
- ازداد التعثر؟ نزيد الإيقاف.
- بقيتَ قادرًا على العمل؟ نبحث عمّا لم نغلقه بعد.
لم نعد نتساءل بدهشة: لماذا تغلق الكثير من المؤسسات الصغيرة! فالقرار الجديد لم يأتِ وحيدًا. فأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة واجهوا خلال السنوات الماضية سلسلة متزايدة من الرسوم والاشتراطات والغرامات والإجراءات والمنصات والالتزامات. ولستُ أعني أو أدعي أن كل قرار منها كان خاطئًا، لكن تراكمها قد يحول التنظيم من وسيلة لضبط السوق إلى عبء يطرد أضعف العاملين فيه. وهؤلاء ليسوا جميعًا رجال أعمال يملكون الملايين. كثير منهم صاحب محل، أو مكتب، أو ورشة، أو مكتبة، أو مقهى، أو مشروع ناشئ. يدفع الإيجار والرواتب والكهرباء والرسوم، ثم يكتشف في نهاية الشهر أن ما بقي له بالكاد يمثل دخلًا متواضعًا.
ومع ذلك يستمر. يعتمد على نفسه. يوفر وظيفة أو أكثر. وينفق داخل السوق المحلي. ويسهم، ولو بقدر صغير، في الاقتصاد. بعضهم أُرهِقَ وأغلق فعلًا. وبعضهم خرج من السوق بعدما استنزف مدخراته. أما البعض الآخر فلا يزال يقاوم.
ويبدو أن خروج بعضهم من السوق لم يكن كافيًا لإثبات أن الجرعة وصلت. ولا أقول إن هناك حربًا مقصودة على هذه الفئة؛ فلا أملك دليلًا على النوايا. لكن النتيجة العملية لكثرة الضغط تكاد تشبه الحرب، حتى لو لم يعلنها أحد. بل إن من يشاهد النتائج قد يصعب عليه أحيانًا التفريق بين الحرب وسوء التنظيم.
وأعتقد أن الاقتصاد لا يعيش على النوايا، بل على النتائج. فحين يغلق المشروع ويخرج صاحبه من السوق، قد نخسر مصدر رزق أسرة، ووظيفة أو أكثر، ودافع رسوم، ومواطنًا كان يحاول أن يعتمد على نفسه.
لذلك فليس المطلوب إلغاء الرقابة. ولا حماية المتحايل. ولا إعفاء أصحاب الأعمال من التزاماتهم. المطلوب ببساطة: العدل في تحديد المسؤولية. حاسِبوا المتحايل، لكن فرّقوا بين المتحايل والمتعثر. وبين السجل المخالف والسجل الملتزم.
فالنظام الذكي- في رأيي- المتواضع ليس الذي يعرف أن الرقم المدني للشخص موجود في 5 سجلات. النظام الذكي هو الذي يعرف صفته ومسؤوليته الفعلية في كل سجل، ثم يميز بين من يتهرب من الالتزام ومن تعثر فعلًا، قبل أن يصدر الحكم.
أما جمع السجلات تحت العقوبة نفسها لأن المنصة وجدت الرقم المدني، فليس ذكاءً إلكترونيًا. إنه اختصار إلكتروني للعدالة، وربما للمنطق أيضًا.
وأخيرًا.. على من يصنع قرارًا يمس أرزاق الناس أن يتذكر أن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفًا، وأن قيمة المسؤول لا تظهر في عدد القيود التي يستطيع فرضها، بل في قدرته على تحقيق الهدف بأقل ضرر ممكن على الناس.
استمعوا إلى أصحاب المؤسسات قبل القرارات، لا بعد الشكاوى. واختبروا القرار على أصغر مؤسسة ستتأثر به، لا على أكبر شركة تستطيع تحمله. وفرّقوا بين من يرفض الالتزام، ومن يحاول الالتزام لكنه يتعثر.
لقد استسلم بعضهم فعلًا. وأغلق بعضهم أبوابه. أما من بقي منهم، فيبدو أنه لم يستسلم بعد. فلا تجعلوا الاستسلام هو القرار الاقتصادي الأكثر عقلانية بالنسبة إليه.
لا تحتاج هذه المؤسسات إلى من يُعلِّمها كيف تغلق؛ ما تحتاج إليه هو من يساعدها على أن تبقى دون إغلاق!
