خلفان الطوقي
قطاع التطوير العقاري يشهد طفرة غير مسبوقة، وأُجزم أنها وصلت في عُمان إلى مستويات قياسية، فكما هو ملحوظ انتشار الإعلانات العملاقة في كل مكان خاصة في بعض الأحياء في مسقط وصلالة، وتزايد موجة إعلانات صناع المحتوى الإلكتروني (bloggers) والمشاهير لمشاريع التطوير العقاري؛ لدرجة أنك تجد مشروعًا واحدًا يُروِّج له عشرات من صناع المحتوى، إلى جانب تضاعف ملفت ومنقطع النظير لصفة مطوري العقارات في وقت قصير ومن مستثمرين عُمانيين وغير عُمانيين.
ونحن هنا لا نتحدث عن المشاريع الحكومية، وإذا تم إضافتها إلى المشاريع الخاصة المستقلة سوف يكون عدد الوحدات السكنية والتجارية كبيرًا جدًا.
يتفق الجميع على أنَّ هذه الطفرة العقارية سوف تجلب فرصا عديدة أهمها: رفع مستوى جودة الأحياء السكنية، وسوف تجر معها تطور مستوى جودة حياة الأفراد، والآلاف من الفرص الوظيفية التخصصية المباشرة، وغيرها من الفرص الوظيفية للأعمال المساندة وخاصة من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وهذا كله سوف ينعكس في النشاط الاقتصادي وفي الدورة الاقتصادية، ونسبة جيدة من الناتج الإجمالي المحلي، وتحقيق هذا النشاط المتنامي ليكون نشاطا مستهدفا يعتمد عليه في التنويع الاقتصادي، خاصة وأن منظومة التوريد في هكذا مشاريع تضم أطرافاً عديدة من الفكرة والخرائط والتمويل البنكي وغيرها من خطوات ومراحل عديدة إلى تسليم المفاتيح إلى المستهلك والمالك النهائي.
مرَّت عُمان بطفرات عديدة وفي مجالات متنوعة، كسب وخسر عدد منها، وهذا طبيعي في كل موجة عابرة، وعادة والمؤسف أن الخاسرين أكثر بكثير، أما في الطفرة الحالية من مشاريع التطوير العقاري، إن استمرت هذه الطفرة بشكل اعتيادي وطبيعي وواضح وقانوني وتدريجي، فمعظم من شارك في هذه المنظومة رابح أو شبه رابح، بشكل أو بآخر بدءًا من الفرد إلى الدولة.
ولأن طفرة التطوير العقاري نمت بشكل متسارع في وقت قياسي، فهناك أصوات متخصصة بدأت في قرع جرس الإنذار المبكر (wake-up call) وطرح أسئلة مشروعة مثل: هل طفرة التطوير العقاري يقابلها نفس طفرة النمو السكاني؟ وهل كل المطورين لديهم ملاءة مالية (حساب الضمان- Escrow Account) وخبرة مهنية كافية؟ وهل هذه المشاريع العمرانية تستهدف العُمانيين وغير العُمانيين؟ وهل القوانين العُمانية للإقامة تشجع على قدوم الأجانب إلينا؟ وكم نسبة المستهدف من الوافدين إلى نسبة العُمانيين؟ وهل لدى الحكومة مؤشرات عددية تدل على تدفق الأجانب لتتملك في المجمعات السكنية أو البنايات؟ وهل تراخيص التطوير العقارية الممنوحة مخططة لمقابلة العرض مع الطلب؟ وما مصير الأحياء القديمة، وهل هناك خطط مقنعة تشجعهم على البقاء فيها دون هجرتهم إلى الأحياء الجديدة؟ وهل تم دراسة أهداف الملاك الجدد خاصة من العُمانيين والأجانب، هل للتملك أو إعادة البيع أو التأجير والاستثمار؟ وهل طفرة المشاريع في التطوير العقاري لن تسبب إغراقاً في العرض مما سوف يؤثر في سعر التأجير وبالتالي في نسبة فائدة التمويل البنكي؟ وهل حساب الضمان- كأداة- يكفي لضمان عدم التعثر المالي في إحدى مراحل المشروع؟ وغيرها من الأسئلة التي معظمها موجه إلى وزارة الإسكان والتطوير العقاري كمشرع ومشرف على المشاريع الإسكانية.
من المنطق، والواقع الميداني علينا أن نتوقع أنه سوف ينجح كل المطورين العقاريين، ولكن يمكن تقليل المُتعثِّرين بطرح الأسئلة الصحيحة في وقت مبكر، ولا تكفي الأسئلة والإنذارات المبكرة، ولكن التحرك المبكر من الحكومة من خلال التشريعات والقوانين والضمانات والزيارات الرقابية وغيرها من الأدوات الإشرافية في هذا المجال، ويمكن الاستفادة من أفضل الممارسات المطبقة في دول سبقتنا في مجال التطوير العقاري، وقرع جرس الانذار لا يعني تشاؤمًا أو حسدًا أو قصر نظر؛ بل لنعتبر ذلك إجراءً وقائيًا، وتدخلًا حكوميًا مبكرًا لتقليل الضحايا قدر الإمكان، والتعرف على الجاد القادر من المغامر المغمور، وحماية مصالح القطاع والمطور والمستثمر وكل أطراف المنظومة، ودعم القطاع العقاري في عُمان ليكون حاجة حقيقية، وليس فقاعة عابرة ومؤلمة.
