علي بن محمد بن جمعة اللواتي
انتهى المقال السابق «من بناء الأصول إلى بناء السوق» إلى حاجة بعض الأسواق في مرحلة التأسيس إلى جهة قائدة تضع المرساة وتجمع الحزمة الأولى من الاستثمارات والخدمات. لكن تعيين هذه الجهة لا يحل المشكلة وحدها؛ فما الذي يمكّنها من تنسيق الأرض والبنية الأساسية والتراخيص والتمويل والمهارات حين تتوزع هذه العناصر بين مؤسسات مُتعددة؟
هنا ننتقل من سؤال «من يقود؟» إلى سؤال «هل تملك الحكومة القدرة على تحويل القيادة إلى نتيجة؟» وقد تكون الجهة القائدة خاصة أو مشتركة، لكن جمع عناصر الحزمة التي تتصل بالأرض والتراخيص والبنية الأساسية والمهارات، يظل معتمدًا على قدرة الحكومة على تنسيق أجهزتها وتنفيذ التزاماتها؛ إذ قد تتبنى الدولة سياسة اقتصادية سليمة، وتُخصِّص لها الموارد، وتُنشئ الجهات والبرامج، ثم تتأخر النتيجة أو تأتي أقل من المستهدف. ولا يكون الخلل بالضرورة في الرؤية أو التشريع أو التمويل، بل في المسافة بين اعتماد القرار وظهور أثره في السوق؛ فالقرار الصحيح لا يُنفِّذ نفسه. ويمكن وصف القدرة على عبور هذه المسافة بـ«القدرة الحكومية»؛ أي قدرة الدولة- بعد اعتماد القرار- على تحويل السياسات والموارد إلى نتائج تظهر في السوق، من خلال التنسيق والتنفيذ والتعلم والتصحيح. فليست القضية دائمًا في صحة القرار، بل في قدرة المنظومة على تحويله إلى واقع اقتصادي ملموس.
ولهذا ينبغي أن تتجه بوصلة الإدارة الحكومية نحو التنفيذ الناجح: أن تتحول السياسات والقرارات إلى نتائج تظهر في السوق. ولا يعني ذلك التقليل من أهمية سلامة الإجراءات وحماية المال العام، بل ألا تتحول الوسائل إلى غايات منفصلة عن النتيجة التي وُضعت من أجلها. ولا تُقاس القدرة الحكومية بحجم الجهاز الحكومي أو اتساع صلاحياته، بل بمقدار ما يستطيع إنجازه بصورة مترابطة وفي الوقت المناسب.
وتُقسِّم الحكومة العمل بين مؤسسات متخصصة لسببٍ وجيهٍ؛ فلكل جهة اختصاص وخبرة ومسؤولية قانونية. لكن السوق لا تنقسم بالطريقة نفسها. فالمستثمر لا يشتري ترخيصًا منفردًا، ولا طريقًا منفردًا، ولا قطعة أرض منفردة؛ بل يختبر مجموع هذه العناصر في فرصة اقتصادية واحدة.
ولنفترض أن الدولة تستهدف إنشاء مجمع صناعي جديد. قد تُنجِز جهة تخصيص الأرض في موعدها، وتُكمل جهة أخرى الطريق المؤدي إلى الموقع، بينما تتأخر خدمات الكهرباء أو برامج التدريب اللازمة للقوى العاملة. في هذه الحالة يكون أداء كل جهة مقبولًا ضمن اختصاصها، لكن المشروع لا يبدأ الإنتاج في الوقت المستهدف.
هنا يظهر الفرق بين كفاءة المؤسسة منفردة وكفاءة الحكومة بوصفها منظومة. فقد تتحسن إجراءات كل جهة، لكن المستثمر يظل ينتقل بينها ليجمع بنفسه قرارًا اقتصاديًا لا تملكه أي واحدة منها كاملًا. وقد تُختصر مدة إصدار الترخيص، بينما يبقى المشروع معطلًا لأن عنصرًا آخر لا يندرج أصلًا ضمن رحلة الترخيص.
لذلك لا يكفي أن نسأل: هل أدت كل جهة ما عليها؟ بل يجب أن نسأل: هل تحققت النتيجة التي كان يُفترض أن تعمل الجهات مجتمعةً من أجلها؟ فالمستثمر لا يتعامل، في النهاية، مع مجموعة مؤسسات؛ إنه يتعامل مع دولة واحدة.
وهذا نمط أوسع من الفشل المؤسسي، لا يقتصر على تعدد الجهات وحده؛ فقد تُحقِّق كل إدارة أهدافها، وتُنجز المشروعات في مواعيدها، وتقترب مؤشرات الأداء من مستهدفاتها، ومع ذلك لا يتحرك الهدف النهائي بالقدر نفسه. وهذا ما يمكن تسميته «نجاحًا في الأجزاء دون نجاح في المحصلة». وتكمن خطورته في أن الجهة التي تفشل تعرف غالبًا أن لديها مشكلة، أما الجهة التي تحقق مؤشراتها فقد تعتقد أنها ناجحة، بينما يظل أثرها النهائي محدودًا.
وكثيرًا ما يُعالج تعدد الجهات بإنشاء لجنة. وقد تكون اللجنة ضرورية لتبادل المعلومات وفهم التعارضات، لكنها لا تكفي إذا لم تكن قادرة على تحويل التفاهم إلى قرارات والتزامات وتوقيتات؛ فالتنسيق ليس أن يعرف كل طرف ما يفعله الآخر فقط، بل أن تتغير قرارات الأطراف بحيث تخدم نتيجة مشتركة. وقد يتطلب ذلك تقديم مشروع على آخر، أو تعديل جدول زمني، أو تحمل جهة تكلفة يستفيد منها القطاع كله، أو حسم تعارض بين هدفين مشروعين.
وهذه قرارات تحتاج إلى صلاحية واضحة، ومعلومات مشتركة، وشخص أو جهة تستطيع الترجيح عند التعارض، ومسار سريع لتصعيد المسائل التي لا يمكن حلها في المستوى التنفيذي. فاللجنة التي تجمع الجميع من دون أن تمنح أحدًا مسؤولية النتيجة قد توزع المعرفة، لكنها توزع المسؤولية أيضًا.
ولا يعني ذلك جمع كل الصلاحيات في جهة واحدة أو تجاوز الاختصاصات والضوابط. المطلوب هو التمييز بين «صاحب الإجراء» و«صاحب النتيجة». تحتفظ كل مؤسسة بصلاحياتها القانونية والفنية، لكن تكون هناك جهة قائدة مسؤولة عن اكتمال المسار كله، تتابع الاعتماد المتبادل بين أجزائه، وتكشف التعطل مبكرًا، وتدفع نحو الحسم ضمن الأطر النظامية.
وهذا التمييز ينقل الإدارة من ثقافة النشاط، التي تكتفي بعرض الاجتماعات والمبادرات والتراخيص المنجزة، إلى ثقافة الإنجاز التي تسأل: ماذا تغيّر في الواقع نتيجة لكل ذلك؟ فقد يكون صاحب الإجراء منضبطًا في تنفيذ مهمته، بينما تظل النتيجة الكلية بلا صاحب.
فوضوح المسؤولية لا يلغي التخصص؛ بل يمنع التخصص من تفكيك النتيجة.
وتقدِّم تجربة "مجلس التنمية الاقتصادية" في سنغافورة، مثالًا على الوظيفة التي يمكن أن تؤديها الجهة القائدة؛ فقد أُنشئ المجلس في بداية مسار التصنيع السنغافوري، وجمع في دوره بين جذب الاستثمار وتطوير الصناعات، بدل التعامل معهما بوصفهما مهمتين منفصلتين.
ولا يقتصر دوره المُعلَن على تعريف المستثمر ببيئة الأعمال؛ بل يشمل مساعدته على التأسيس والتوسع، وربطه بالشركاء، وإتاحة برامج مختارة لبناء القدرات. وتكشف هذه الوظائف عن فهم أوسع لجذب الاستثمار: فقرار الشركة لا يتوقف على الترخيص أو الحافز فقط، بل على قدرتها على الوصول إلى المهارات والموردين والبنية الأساسية والشركاء والفرص التي تجعل نشاطها قابلًا للنمو.
والدرس هنا ليس أن تُنشئ كل دولة نسخة من المجلس السنغافوري، ولا أن تجمع كل الاختصاصات في مؤسسة واحدة؛ إذ إنَّ قوته ليست في حلوله محل بقية الجهات، بل في رؤيته الاستثمار والصناعة ضمن مسار واحد، وعمله مع الجهات الحكومية والشركات لتحقيق ذلك. الدرس هو وجود جهة ترى فرصة الاستثمار كاملة، وتستطيع ترجمة احتياجاتها إلى عمل حكومي مترابط، بدل أن يُترك المستثمر ليجمع بنفسه أجزاء الدولة حول مشروعه.
كما أن الجمع بين جذب الاستثمار وتطوير الصناعة يُغير معيار النجاح؛ فالغاية لا تصبح إدخال شركة أو افتتاح مصنع فقط، بل بناء نشاط يستطيع التوسع، والارتباط بمؤسسات البحث والتعليم والشركات المحيطة، وتعميق موقعه داخل الاقتصاد.
وهنا تتجسَّد «القدرة الحكومية» عمليًا: ليست نافذة إضافية يتوقف عندها المُستثمر، بل قدرة على تنظيم العلاقة بينه وبين الجهات التي تتوقف عليها جدوى قراره.
وتعمل الإدارة الحكومية من خلال الأنظمة والإجراءات والبرامج والموازنات، وهي أدوات ضرورية لحماية العدالة والمال العام وضمان اتساق القرارات. لكن هذه الأدوات تُدار عادة على مستوى كل مشروع على حدة، بينما تحتاج إدارة التنمية الاقتصادية إلى مستوى آخر من النظر.
فإدارة المشروعات تسأل: هل نُفذ كل مشروع وفق جدوله وميزانيته؟ أما إدارة المنظومة فتضيف: هل اجتمعت المشروعات في توقيت وتركيب يُنتجان استثمارًا ونشاطًا جديدين؟ فقد ينجح كل مشروع هندسيًا وماليًا، لكنه لا يؤدي وظيفته الاقتصادية لأنه اكتمل قبل عناصره المكملة أو بعدها.
ولا يعني حُسن التنفيذ، الالتزامَ الجامد بالخطة الأصلية؛ فالسياسات الاقتصادية تُبنى على افتراضات عن الطلب والتكلفة والتوقيت وسلوك المستثمرين، وبعض هذه الافتراضات لا يصمد عند مواجهة السوق. والإدارة القادرة تُميِّز بين الثبات على الهدف والمرونة في الوسيلة؛ فتحافظ على استقرار القواعد والالتزامات الأساسية، وتعدل الأدوات والتوقيتات حين تكشف التجربة حاجة حقيقية إلى ذلك.
ويتطلب هذا أن تصل المعلومات بسرعة من الميدان إلى صاحب القرار، وأن يكون اكتشاف التعثر مدخلًا للتصحيح لا سببًا لإخفائه. فحين يصبح الالتزام بالخطة أهم من النتيجة، تتحول الخطة من أداة للعمل إلى قيد يمنع التعلم.
لكن ماذا ينبغي أن نقيس؟ تكشف مؤشرات الأداء ما تعتقد المؤسسة أنه مهم؛ فإذا قِيس النجاح بعدد الاجتماعات والمبادرات والتراخيص ومذكرات التفاهم، ستتحسن قدرة الجهاز الحكومي على إنتاج هذه المخرجات، لكنها لا تثبت وحدها أن السوق تحركت.
ومن المؤشرات التي تعكس القدرة الفعلية: الزمن اللازم لانتقال الفرصة الاستثمارية من مرحلة التخطيط إلى التشغيل، وسرعة حسم التعارضات بين الجهات، ومدى اكتمال العناصر المُكمِّلة للمشروع ضمن إطار زمني متقارب، وقدرة الجهات على معالجة التعثرات قبل تحولها إلى تأخيرات مكلفة. فهذه المؤشرات تكشف جودة التنفيذ الفعلي أكثر مما تكشفه أعداد الاجتماعات أو المبادرات أو التراخيص وحدها.
ولعل أبسط اختبار لهذه القدرة أن نتخيل اختفاء تقارير الجهة ومؤشرات نشاطها لمدة عام: فهل سيتمكن المستثمر أو السوق من ملاحظة أنها أصبحت أفضل؟ فإن كان النجاح لا يظهر إلا داخل التقارير، فربما نكون قد أتقنّا توثيق العمل أكثر مما أتقنّا صناعة الأثر.
ولهذا يجب أن ترتبط النتيجة المُشتركة بصاحب واضح لها، يملك التفويض ويُسأل عن تحققها. فلا مسؤولية حقيقية من دون صلاحية، ولا قيمة للصلاحية من دون مسؤولية عن النتيجة.
وننظر عادةً إلى الأصول الاقتصادية بوصفها موانئ وطرقًا ومطارات ومناطق صناعية ورؤوس أموال. لكن قدرة الحكومة على التنسيق والتنفيذ والتعلم أصل غير منظور يُحدد مقدار القيمة التي تستطيع تلك الأصول المادية إنتاجها.
وقد تمتلك دولتان بنية أساسية متقاربة وتشريعات مُتشابهة، لكنهما تحققان نتائج مختلفة؛ لأنَّ إحداهما تستطيع جمع القرار والمعلومة والتوقيت والمسؤولية في مسار واحد، بينما تترك الأخرى المستثمر أو المشروع يُعبر بين مؤسسات لا يملك أي منها الصورة الكاملة.
وتصبح جودة الإدارة الحكومية عندها جزءًا من الميزة الاقتصادية للدولة. فهي تخفض عدم اليقين، وتزيد صدقية الالتزامات، وتسرع تصحيح الأخطاء، وتمنح المستثمر ثقة بأن التعارضات التي تتجاوز قدرته على المعالجة ستجد مسارًا مؤسسيًا واضحًا للحسم.
ولا تُبنى هذه القدرة بإضافة طبقة إدارية جديدة كلما ظهرت مشكلة، بل بوضوح الأولويات، وتحديد صاحب النتيجة، وربط الصلاحيات بالمساءلة، وتوفير معلومات مُشتركة، وبناء كوادر تفهم النظام والسوق معًا.
في المقالات السابقة كان السؤال عن المال الذي يدخل الاقتصاد، والاستثمار الذي يختار السوق، والمرساة التي تُحرِّك القطاعات، والجهة التي تجمع الحزمة الأولى. أما السؤال هنا فهو عن القدرة التي تجعل جميع هذه العناصر تعمل معًا.
السياسة تُحدِّد الاتجاه، والموارد تُوفِّر الإمكانات، لكن القدرة الحكومية هي التي تقطع المسافة بين القرار والنتيجة. وحين تعمل الحكومة بوصفها منظومة واحدة، لا تصبح الإدارة مجرد خدمة مساندة للاقتصاد؛ بل تصبح أحد أصوله المُنتِجة.
